الثلاثاء، 23 مارس، 2010

المعارضة السودانية وإدمان النضال

أصبح الأمر فوق احتمال الوصف والتعبير، البلاد تمر بمحنة حقيقية يُشارك فيها الجميع: الحكومة – المعارضة – الانتهازيون – الصامتون، وكأنه ليس ثمة من "وجيع" لهذا البلد إلا من يُقدّرونه حق قدره من أعدائه العارفين بخيراته، وبما يُمكن أن يُنجزونه عبره أو عبر تحييده على الدوام. لا يهمني أن أتكلم كثيراً عن المؤتمر الوطني فهو يفضح نفسه كل يوم بمزيد من جرائم الفساد والجرائم الأخلاقية والخروقات القانونية والدستورية، وانتهاك الحقوق والحريّات، وموارد التهلكة التي يسوق البلاد إليها بلا هوادة والنفق المظلم الذي يُصر أن يُدخلنا جميعاً فيه، لا حاجة لأن أفصّل عن ذلك أو أن أسهب فيه فهو معلوم للجميع، وموثق لدى الكثيرين بالمستندات والوثائق.

ولكن موقف المعارضة وطريقة تعاطيها مع الأحداث هو ما يُثير فيني الغضب والحنق الحقيقيين. قلتُ من قبل؛ وأكرر: إنه رغم كل مساوئ الحكومة التي نعلمها وتلك التي لا نعلمها؛ إلا أنها تظل حكومة تمتاز بالتنظيم العالي، والتخطيط الاستراتيجي، وأكاد أجزم أن أيّ حكومة أخرى لم يكن بوسعها أن تصمد عشرين عاماً في إزاء المشكلات التي واجهت هذه الحكومة: مشكلات الجنوب – مشكلة دارفور – مشكلات الشرق – مشكلات السدود – الانقسامات الداخلية – الملاحقات الدولية كل هذه الأمور كان من شأنها أن تسقط أيّ حزب من أحزابنا الكلاسيكية التي نعرفها، ولكن المؤتمر الوطني ظل صادماً –ولو ظاهرياً- في وجه هذه الأزمات التي كان هو المتسبب فيها بلا ريب.

إن ما تقوم به أحزاب المعارضة لهو شيء مخجل بالفعل، فقيادات هذه الأحزاب تتعامل مع الأحداث والمشاهد السياسية الساخنة كما كنا نتعامل معها نحن طلاب الجامعات، بمفهوم نضالي غير ناضج وغير مكتمل الوعي، أسلوب أقل ما يُقال عنه أنه بعيد عن المعرفة والحنكة السياسية، وبعيد عن الحنكة المطلوبة في مثل هذه المواقف؛ هذا إذا استثنينا الفرص الثمينة التي لاحت لهذه الأحزاب لتلعب دوراً تاريخياً في تغيير مجريات الأحداث، أو حتى قلب نظام الحكم وإسقاطه، فأيّ مستقبل نتأمل على يد هذه الأحزاب؟ وإني أكيد من سقوط النظام لا محالة، ولكن بذات القدر أكيد من أن سقوطها لن يكون عبر نضالات هذه الكيانات الهشة، وإنما من يُسقط النظام هو النظام نفسه، فالحقيقة الماثلة أمامنا هي النظام ضد النظام، النظام ضد نفسه، ويحمل بذرة فنائه داخله، فإن فني فإنما سيكون ذلك صيرورة حتمية لحركته الداخلية، ولكن ليس نتيجة أيّ فعل نضالي من هذه الأحزاب الهشة.

لقد نجح المؤتمر الوطني بطريقةٍ أو بأخرى في نزع الهياكل العظمية عن هذه الأحزاب، فأصبحت كائنات هلامية رخوة لا تقوى على مجابهة الأحداث؛ إلا بالهتافات الهزيلة والمشروخة، وأصبح النضال الوطني دراما ممجوجة ومتكررة تلعب على وتر العواطف، ولكنها لا تحمل أيّ قدرة حقيقية فاعلة على التغيير المنشود، وإني لأتساءل: "ماذا بإمكان هؤلاء أن يُقدموا للسودان إذا اعتلوا سُدة الحكم؟" وفي كل ما نراه ونسمعه من صيحات وهتافات نضالية عقيمة لمحة استجداء النصرة من الغير، المعارضة تراهن على التدخل الأجنبي، لأنها عاجزة عن حل الأزمة بإرادتها الخاصة، فلا أقل من أن تلعب دور المُحرّض على الدوام، تحرض الآخرين على المؤتمر الوطني وتراهن على ذلك، لأنها غير قادرة فعلياً على تغيير شيء، وكأن السنوات العشرين الماضين لم تضف إلى رصيدهم المعرفي السياسي شيئاً على الإطلاق.

أُصيبت القيادات الحزبية بداء الشيخوخة، والخرف الفكري، وأصبحت تتخبط ونرى تخبطها ذلك في كل ما تقوم به وما تفعله. قد نصطف ورائها بدافع وجداني صرف، أو منساقين وراء أحلامنا وأشواقنا إلى الحرية، ولكننا بالتأكيد لا نستشعر الأمان والحماية ونحن نفعل ذلك. أصبحت المواقف الارتجالية واللحظية فقهاً سياسياً معمولاً ومعترفاً به في أدبيات أحزابنا السياسية، وأدمن القادة دور النضال الطلابي الذي لا يُفضي إلى شيء إلا مزيداً من النكسات السياسية، ومزيداً من الاقتراب إلى الفشل بحميمية لا نحسد عليها. ومن المدهش أن نكتشف -في غمرة هذه المحنة السياسية- افتقادنا إلى [رمز] والقدوة التي تهبنا الحماسة المطلوبة للفعل النضالي، وأن تتمثل حاجتنا الماسة هذه في نفخنا المأزوم في أرواح الشخصيات التي نلبسها ثوب البطولة حتى وإن لم تشأ ذلك. إنها ظاهرة تستحق الوقوف عليها فعلاً.

المؤتمر الوطني خائف ويهتز حتى النخاع، هذه حقيقة! ولكنها تظل حتى اللحظة، وحتى لحظة سقوطها أكثر الأحزاب السودانية تنظيمياً ودراية بالعمل السياسي، وهذا ما يجعلنا نشعر بالخوف لمستقبل ما بعد المؤتمر الوطني. وأتمنى أن تستفيد الأحزاب السياسية من تجربة المؤتمر الوطني الطويلة في الحكم، إن هي استولت على الحكم [بعد عُمر طويل]. لستُ متفائلاً بما يجري الآن على الساحة، وأحسبني لا أتوق إلى معرفة ما سوف تسفر عنه الأحداث الحالية، والأمر أشبه عندي بالانتظار الذي يُنتج في نهايته أن يلد الفيل فأراً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق