اشتر نسختك الآن

+ يمنكم طلب نسختكم من رواية ( السيّدة الأولى ) من هــنــــــــــا
+ يمنكم طلب نسختكم من رواية ( أرض الميـّت ) من هــنــــــــــا
+ يمنكم طلب نسختكم من رواية ( بـتـروفـوبـيــــا) من هــنــــــــــا

30 أكتوبر, 2009

رواية بتروفوبيا




رواية مدهشة بتركيبتها وبنيتها ومعلوماتها، يقدمها الكاتب السوداني المقيم في المملكة العربية السعودية، الذي وضع فيها محصّلة غنية ومزيج غريب بطعم مميز وخاص، من المواقف المؤثرة والأفكار الإنسانية والتأملات الفلسفية، البعيدة عن المباشر، والتي تتحاشى التعقيد بالرغم من خصوبتها وغناها.


في صيف عام 2000، بعث "روبن سينجر" المكتئب، الذي يعيش في لوس انجلوس، برسالة إلى صديقته "إيميلي"، يتحدث فيها عن المعاناة النفسية التي لطالما حرص على إبقاءها خارجها، تلك التي كادت تودي به إلى فكرة الانتحار التي لم ينفذها لأنه خشي الألم الذي سيسببه لها، فـ"ما أكثر الذين قرروا التخلص من حياتهم فجأة دون أن يضعوا الآخرين في حسبانهم". كيف يمكن للرجل المفعم بإحساس الرجولة أن يتحمل فكرة أن يكون "عاطلاً ومتطفلاً على النساء!؟"، فروبن "الفاشل" أكاديمياً ومهنياً، كان يعيش على حساب إيميلي التي كانت تتكفل حتى بمصروفه الخاص. كتب لها معترفاً: "أنتِ أجمل الأشياء في حياتي لولا إحساسي المتعاظم بالدونية". لذا وجد في السفر حلاً، بعد أن أجاب نفسه: "أنا أحب الحياة، ولكنني لا أحب حياتي بالتحديد، وهاأنذا أسعى إلى تغييرها"، وسيتوجه بمساعدة صديقه مايكل، للعمل في بلاد العرب (بلاد علاء الدين والسندباد البحري)، بالرغم من خوفه الشديد جراء خلفية الصورة المرعبة عن العرب.

في خليج البترول، سيجد كل تفاصيل الحياة مثيرة للاهتمام: شكل الفئات الورقية للعملة المحلية، واللغة المحكية للعرب الذين "يتكلمون كما يتكلم قطيع الدجاج الرومي!"، وهيئة النساء الغريبة بملاءتهن السوداء التي أرعبته، ومن ثم الخيمة البدوية والمجالس العربية، والثراء الفاحش وغيرها من المظاهر التي لم يفهمها مما جعله يطرح "أسئلة كثيرة عن الفروق بين الشعوب والحضارات".

ستكشف الرسائل التي تبادلها روبن وإيميلي فيما بعد، أسرار وحيثيات مواضيع كثيرة من موقعيهما المختلفين، لتسمح بالحديث عن الحب والمرأة والغيرة والكراهية "التي هي أصل الأشياء ولا تحتاج إلى مبررات أبداً"، والأفكار المسبقة والطموح والمال والفن، خاصة أن روبن كان قد نسي ولعه بالنحت والرسم، وعن مفهوم الغربة خارج الوطن والغربة داخله فهي "شيء لا يمكن وصفه أبداً، وعندما نقول "غربة"، فإننا نتحدث عن شيء غاية في المرارة"، كما بالحديث عن الصحراء والنفط وارتفاع الحرارة وعن المراكز التجارية العملاقة، والعادات والتقاليد والأخلاق العربية من جهة، وعن مظاهر الحياة الأميركية ودوافع تصرفات أفرادها من جهة أخرى، كالتمييز العنصري، وعصابات الأميركيين السود، وقلق الحياة المتطورة المتسارعة ومتاعبها المتنوعة والبطالة، والخوف من الأعاصير.

هل يلتقي المحبوبان المتفقان على الحب وعلى حاجة كل منهما للآخر؟ وأية هيئة سيتخذها القدر ليحرمهما اللقاء؟ وماذا سيحلّ بكل منهما؟. وهل صحيح أنه "كلما كبر الانسان كلما ابتعد عن الحقيقة، وكلما تعلّم شيئا جديداً كلما قلّ رصيده المعرفي، وكلما نضج كلما كان أكثر بلاهة وسذاجة!"؟ يجد القارئ في هذا الكتاب رواية جديرة بالقراءة، ممتعة بأسلوبها وشيقة وغنية في أطرها ومضمونها ومعناها.

الناشر:


إنه لمن المدهش حقاً أن يكتشف الإنسان أنه لا يعرف نفسه، وأنه لا يعرف حتى أقرب الناس إليه، في حين أنه لم يصادقهم إلا لظنه أنه يعرفهم جيداً، ويفهم ما يثيرهم وما يقلقهم وما يفرحهم وما يفكرون به. لا أحد يعرف أحد، هذه هي النتيجة الأولى التي خرجت بها أول الأمر.
الآن تفتحت الأشياء أمامي لأبصرها بعين أخرى، كأنني كنت لا أرى من قبل، أو كأنني كنت أبصر الأشياء بالمقلوب. تدهشنا الحقيقة عندما نبحث عنها، ثم نكتشف أنها هي التي تبحث عنا، وهي التي تجدنا دائماً. نفهم أن الكون يسير وفق خطة متقنة، من دون أن يكترث بعشوائيتنا وتخبطنا، وكل تصوراتنا البلهاء. لأنك حين تعتاد الضجيج، يؤرقك الهدوء!


أفهم الآن سر بعض ما خفي عني، وأتقن حرفة التنصت على الحواس. أعرف أنه لن يفيد كثيراً، ولكن ذلك خير من القول بعبثية الحياة وهيلمان الحظ. كل الأشياء -في هذه الدنيا- متزنة وفي مكانها الصحيح، حتى تلك الفواجع والمضرات، والمصادفات مرتبة أبجدياً ومخطط لها من قبل!







27 أكتوبر, 2009

جثة في صَرَص


لا أحد يذكر على وجه التحديد ما حدث للقرية قبل ألف عام، وكل ما يُقال لا يزيد كونه مُجرّد تكهنات تدعمها اختلاف الروايات، حتى أنه لا أحد يعلم سر اتفاقهم على الألف عام، ولكنهم جميعاً يذكرون أن القرية كانت قبل ألف عام مزاراً لطيور الكرك المهاجرة، ومسكناً لببغاوات الكوكاتو الجالبة للبهجة، وأشاروا إلى مجاري الأنهار التي يبست قبل ألف عام، تلك التي كانت تأتي من جبال راس داشن الأثيوبية صافية كوجه ملاك قشتالي في مواسم الغفران والأعياد التي تخص الإله.


قال بعضهم إن لعنة سماوية حلّت على القرية بسبب امرأة أو بسبب زمرة من النساء. وقال البعض إن أسراب الجراد النهم التي اجتاحت القرية في العام 1009م كان هو المتسبب فيما حلّ بالقرية، وقال آخرون إن دورة التاريخ لم تنصف القرية كما يجب، وأن سنوات المجد لم تدم للقرية أكثر من سبعين عاماً ثم انتقل سريعاً إلى مكان آخر؛ بينما أصر قلة منهم على أن جفاف القرية جاء بعد دفنهم جثة ساحر أفريقي مجهول.


هؤلاء راحوا يحفرون وادي صَرَص حيث يُعتقد أن جثته مدفونة في مكانٍ ما فيه. يخرجون كل صباح حاملين أدوات الحفر، وحافظات المياه، وجهاز التسجيل، يحفرون بهمّة غير مسبوقة وهم يستمعون إلى أغنيات نوبية لمحمد وردي أو شنان، وأحياناً كثيرة تأخذهم النشوة فيلتفون في حلقة ليست دائرية تماماً يؤدون الهمبيق بمزاجية متعالية، متناسين واجب الحفر ومآلاته.


لسبب ما كان ذلك اليوم القائظ يوم حظهم حين أحسوا بوجود جثة ما مدفونة بطريقة مختلفة عما اعتادوا عليها، لا وجود للحد أو قوالب حجرية. كانت الجثة المكتشفة ذات السبعة أذرع مدفونة بثيابها ولم تُلف في كفن كبقية الجثث الأخرى التي اعتادوا رؤيتها. ما أثار هلعهم أن الجثة راحت تنزف دماً طازجاً على الفور، وأحسوا أنه من الوشيك أن تستيقظ الجثة لتوبخهم على ذلك، فلم تكن تبدو على الجثة ملامح الموت القاتمة، كانت الجثة كجسد رجل أربعيني نائم في سلام وكأنه قرر الدخول في سبات طويل في هذه البقعة الرخوة من أرض الوادي.


أخذ الرجال الجثة بعد أن لفوا الجرح بقطعة قماش نظيفة وذهبوا بها إلى القرية. كانت الجثة المهولة ترقد على أكتافهم كما ترقد أخشاب السنديان على أكتاف الحطابين العائدين من الغابات النفضية في مواسم الشتاء وما أن اقتربوا من ميدان القرية حتى راحوا يُطلقون الروراي في إشارة للإنجازية، وتدفق الصرصيون على المكان.


وقفت النساء في الصفوف الخلفية وهن يسترقن النظر من وراء ثيابهن الملفوفة على أجسادهن السمراء الناحلة إلى الجثة الطازجة الممدة على الأرض، وراح الأطفال يتلصصون من وراء أجساد أمهاتهن ويتغامزون فيما بينهم، ووجدت الدواجن فرصتها في العبث بغرائر القمح والشعير دون أن ينهرها أحد أو يُعكر صفو فضولها الفطري.


ملامحه توحي بأنه أحد أفراد البني عامر، وملابسه توحي بأنه أدروب، ولكن طوله لا ينتمي إلى أحد ولا إلى شيء ما. أخافتهم الجثة وحيّرهم أمرها كثيراً وراحوا يُقررون ما يجب فعله بها. أصر بعضهم على إحراقها للتخلّص من اللعنة، ورأى البعض الآخر أن إحراق الجثة قد يكون سبباً في حلول لعنة أشد وطأة، وآخرون ذهبوا إلى ضرورة التأكد من هويتها قبل أيّ شيء آخر، ولم ير البقية أهمية لذلك مستندين على استحالة أن تكون جثة رجل عادي طازجة رغم بقائها مدفونة هذا القدر من السنوات، قال أحدهم: "هي جثة ملعونة على أية حال، وهذا سبب كاف لحرقها"


جمعت النساء أغصان الهشاب ولحاء السدر وبعض الغرائر البالية ووضعوها فوق الجثة ليضرموا فيها النار، لكن غيمة سوداء غير معتادة جعلتهم يتراجعون عن ذلك. وليلاً على أنغام زخات المطر على أسقف البيوت الزنكية تحدث البعض عن حماية السماء للجثة من الحرق، ورأوا في ذلك علامة يجب أخذها في الاعتبار.


على لوح من خشب الزان المسحول بعناية كانت جثة الغريب يغسلها مطر الشمال، كحوتٍ أبيض وسيم يتمرّغ في ماء رئتيه المبذول في تنفسه على سطح محيط. مسحت بقايا التراب العالقة عن وجهه وملابسه، وسالت على جسده كيرقات مشاغبة، وبعض الأعين الفضولية تراقبه من خلال ثقوب عشوائية في نوافذ البيوت. مهيبةً كانت الجثة وهي تستقبل المطر في سكون.


في الصباح، اشتد رفض الرافضين لإحراق الجثة، وانضمت إليهم ثلة من النساء، قالوا: "إذا كان دفن الجثة قد جعل اللعنة تحل على القرية قبل ألف عام، فإننا لا نأمن ما قد يصنعه إحراقها" وتناقلوا نظراتهم بينهم ككرات نارية مجنونة هازئة بالجاذبية، وكانت نظرات الأطفال الهادئة الوحيدة التي تحمّلهم مسئولية اتخاذ القرار. وقبل حلول المساء كان الغيمة السوداء تتسلل من مكان قريب لتنذر بيوم ماطر آخر.


على مدار أسبوع كامل لم تنقطع السماء عن إدهاش الجميع بكرمها غير المعتاد، فكانت تُمطر كأنها لن تفعل ثانيةً، أو كأنها تفرغ حمول السنوات المنصرمة ديناً مُستحقاً لأهالي القرية. وتوقف الجميع عن مراقبة الجثة وهي تغتسل بمياه المطر، وانهمكوا في فرحهم الجم بما حلّ عليهم من نعماء مفاجئة. وفي أول هدنة اكتشفوا أن الجثة لم يعد لها أثر في المكان على لوح الزان المسحول بعناية. قال البعض: "لقد عادت الجثة إلى حيث يجب أن تكون، لقد كانت جثة مسحورة بالفعل".




كانت الأرض مُصابة بالرشح فخلعت ثيابها القديمة، وارتدت آخراً على الفور: مروج العشب المداري امتدت بأناقة، وأخرجت أعشاب الأراوله رؤوسها مندهشة، وشاهد أهالي القرية للمرّة الأولى أزهار الأرنيكا والأكاسيا. كل شيء في صَرَص تغيّر فجأة حتى النهر المتدفق من رؤوس جبال راس داشن دبّ فيه الحياة، وراحت نساء القرية يُعبئن الجرار والأواني النيكلية من النهر كما تمنين طويلاً، خشين أن يجف النهر ثانيةً دون أن يتمكن من تحقيق أمانيهن القديمة.


قال البعض في سُخرية: "لقد أكرمتنا اللعنة لأننا لم نحرق الجثة!" وصلى الرجال شكراً لله لأنهم لم يفعلوا. لا يعلم أحد أين اختفت الجثة، ولم يهتموا لذلك وانشغلوا بأمر القرية التي تغيّرت كُلياً خلال شهر واحد. قال عُمدة القرية: "ربما كانت القرية أجمل من هذا قبل ألف عام!" ولكن أحداً لم يكترث. ثم جدّوا في بناء قبّة وسط القرية حيث كان لوح الزان المسحول وأسموها "قبّة الشيخ زان"


قرناص، عديم الذكر، ظلّ ملتزماً بصمته الساخر وهو يرى حال القرية وأهلها بعد اختفاء الجثة، قال في سرّه: "ياللجثة!" همسَ في أذن عُمدة القرية، فهمس في أذن الذي يليه وتناقلوا الهمس كما تتناقل الناس أخبار النميمة في الجلسات السرية، ثم نهضوا فجأة، يتقدمهم قرناص بطوله غير المُبشر بخير، وأشار إلى مكان ما فحفروا فإذا بجثة الشيخ زان ترقد بسلام وقد ارتسمت على وجهه ابتسام طارئة ووسيمة.

17 أكتوبر, 2009

الفائزون في مسابقة بيروت39


بعد اجتماعات عدة عقدتها لجنة تحكيم مسابقة بيروت 39، في عواصم عربية، وأخيرا في بيروت، تم التوافق على الاسماء التسعة والثلاثين الذين سيشاركون في المهرجان الذي تنظمه مؤسسة "هاي فيستيفال "تحت عنوان "بيروت 39" بالتعاون مع وزارة الثقافة اللبنانية وفي اطار الاحتفال ببيروت عاصمة عالمية للكتاب.


وما تجدر الاشارة اليه أولا هو غزارة المشاركة الشبابية في المسابقة، اذ بلغ عدد المشاركين أكثر من 450 كاتبا وكاتبة من معظم الدول العربية، ومن المغترب العربي الاوروبي والاميركي. وكان على اعضاء لجنة التحكيم التي ترأسها الناقد المصري الدكتور جابر عصفور، والتي ضمت الروائية اللبنانية علوية صبح، والشاعر العماني سيف الرحبي، والشاعر والناقد اللبناني عبده وازن، أن تراجع اعدادا كبيرة من الكتب التي أرسلها المؤلفون والناشرون، وتقرأها وتفرزها. وقد اعتمدت لجنة التحكيم منهج الاختيار المتعاقب، فاختارت في البدء مئة اسم ثم ستين اسما الى أن توصلت الى الأسماء التسعة والثلاثين بعد نقاشات طويلة وعرض للكتب.


وكان النقاش يمتد أحيانا لساعات نظرا الى وفرة الأسماء المهمة التي تستحق الفوز، وكان اختيار الأسماء صعبا وتطلب الكثير من الدقة والتأمل والتفكير. الاسماء التسعة والثلاثون التي اختيرت تم اختيارها انطلاقا من رسوخ نتاجها الابداعي، روائيا وقصصيا وشعريا، وما يمثل من اصالة وتحديث في الوقت نفسه، ومن استجابة للمعايير الأدبية والنقدية. انها أصوات مبدعين شباب، استطاعوا ان يكوّنوا شخصياتهم وأن يفرضوا تجاربهم، متميزين بأساليبهم الخاصة ولغاتهم ومقارباتهم، ورؤاهم أو مواقفهم.


لكن اختيار هؤلاء لا يعني ان لائحة المشاركين لم تحفل باسماء أخرى مهمة، فالأسماء التي كانت تستحق الفوز في المسابقة ليست قليلة البتة، لكن الالتزام بقاعدة المسابقة التي تتبعها مؤسسة "هاي فيستيفال" باختيار 39 اسما، هو الذي جعل الحظ غير محالف لها كلها.


وختاما لابد من التنويه بالأدب العربي الشاب الذي يتمتع بخصال لافتة وخصائص فريدة. ولعل جيل الشباب هو الذي سيصنع مستقبل الأدب العربي. كما لابد من توجيه الشكر الى مجلة "بانيبال"، بشخص محرريها مارغريت اوبانك وصموئيل شمعون، التي ساهمت في جمع الاسماء وترتيب الكتب ومساعدة لجنة التحكيم في ادراجها داخل المسابقة. أما الأسماء الفائزة فهي:







عبد الله ثابت (السعودية)











































عبد الله طايع (المغرب)








عدنية شبلي (فلسطين)










أحمد سعداوي (العراق)














علاء حليل (فلسطين)







يحيى امقاسم (السعودية)








باسم الأنصار (العراق)








ديمه ونوس (سوريا)








فايزة غوين (الجزائر)


































حسين جلعاد (الأردن)









هيام يارد (لبنان)







إسلام سمحان (الأردن)









جمانة حداد (لبنان)














منصور صويم (السودان)
















محمد حسن علوان (السعودية)


















نجاة علي (مصر)










نجوى شتوان (ليبيا)










نجوان درويش (فلسطين)










ناظم السيد (لبنان)









ربيع جابر (لبنان)








رندا جرار (فلسطين)


















سمر يزبك (سوريا)










سامر أبو هواش (فلسطين)









وجدي الأهدل (اليمن)








يسين عدنان (المغرب)










يوسف رخا (مصر)









زكي بيضون (لبنان)






الإحصائيات:


السعودية 3
مصر 6
العراق 2
المغرب 5
السودان 1
لبنان 6
الجزائر 2
ليبيا 1
الأردن 2
تونس 1
اليمن 1
سوريا 3
عمان 1
فلسطين 5


الإناث 12
الذكور 27




المصدر: موقع كيكا



29 سبتمبر, 2009

شركاء التوليب

جثت على ركبتيها بتثاقل أمام قبره كملاكٍ باهت الإضاءة ضلّ طريقه إلى السماء، قصّت عليه أنباء القرية: الذين قضوا نحبهم، والمهاجرين، والمتزوّجين، وحديثي الولادة، قصّت عليه أنباء التجّار، والبحارة، والمُزارعين في غيطان الباذنجان والبرسيم، حكت له عن انهيار سقف عليّة المنزل الخشبية لبيت جارتها جليلة صالح، ونفوق بقرة عبده هاشم، وفيضان النهر الأخير، وموسم الجراد، وفضائح القرية. أنشدت له أغنيته المفضلة، وكأنها تهدهده قبل النوم. باحت له بما يعتلج داخلها من شوق، ورغبة في اللحاق به إلى الجنة حيث يقبع في هدوء وسكينة، ناعماً تحت ظلال أشجارها الأسطورية، ومُعفراً قديمه المتشققتين في مياه أنهارها التي بلا منبع ولا مصب، ثم وضعت باقة من زهور التوليب وغادرت في هدوء.

عادت بعد أسبوع، وقصّت عليه الأنباء وحكت له الحكايا المُعتادة وأنشدت له أغنيته الدافئة التي يُحبها، وبكت ما شاء لها الشوق أن تبكي، وعندما همّت بإبدال أزهار التوليب بأخرى جديدة، وجدتها طازجة كما تركتها آخر مرّة. لم تستطع أن تفهم شعورها حيال تلك الغرابة، ولكنها بطريقة ما اقتنعت بأن زوجها يحمل كرامة الأولياء الصالحين قابعاً في عليائه المجيد، ناعماً تحت ظلال أشجارها الأسطورية، ومُعفراً قدميه المتشققتين في مياه أنهارها التي بلا منبع. خمّنت أن تكون تلك علامة ما، أو رسالة يُحاول أن يُوصلها إليه فأخذت تستعد للحاق به في أيّ لحظة. أخذت زهورها القديمة، ووضعت الأخرى وانصرفت في هدوء.

كانت تنتظر الموت بفرح جم وخوف هادئ؛ لذا حرصت على إعادة الأواني الفخارية إلى جارتها ووهبتها قطتها المُدللة، وباعت حليها الفضية العتيقة لتتمكن من الإيفاء بديونها المتفرقة، واستأجرت نجاراً ليُصلح لها نوافذ منزلها وأبوابه الخشبية، واشترت كفنها ووضعتُ أعلى خزانة الملابس، غير أنها لم تمت طوال أسبوع.

بدأت تفقد إيمانها بكرامة زوجها المُخمّنة، وتتيقن من أن هلاوس العشاق المكلومين بدأت تسكن جيوبها الأنفية، وزقاقات أوردتها البطيئة الساخنة. عادت إلى قبره بعدها، وأخذت تقص عليه من جديد أنباء القرية: تفشي الطاعون، وهجرة الشباب، وعنوسة الفتيات، وتوقعات حرب قادمة. اشتكت إليه خبث التجّار، ولؤم البحّارة وبشاعة غيطان الباذنجان المهجورة، وحكت له عن نفوق قطتها المُدللة عند جارتها، والنجار الذي لم يؤد عمله كما يجب، واكتشافها زيف بعض الحُلي، ثم أنشدت له أغنيته المفضّلة، وعندما همّت بإبدال أزهار التوليب بأخرى جديدة وجدتها طازجة كذلك.

كانت ما تزال تتساءل عن سر بقاء زهور التوليب طازجة في كل مرة، والرسالة الخفية التي يُريد زوجها أن يوصلها من وراء ذلك، ولكنها لم تتمكن من الوصول إلى تفسير نهائي وقاطع. ولكنها عادت مقتنعة بأن لزوجها كرامةً ما غير مفهومة، وألا شأن لها بما يجري على الإطلاق.

ذلك اليوم -لم يكن يوم الأحد كما هو عادتها- وجدت شاباً وسيم الطلعة والقسمات، جاثياً على قبر زوجها، يُردد بعض الآيات في خشوع، ويُبدل زهور التوليب اليابسة بأخرى جديدة، فابتسمت لأنها عرفت سر التوليب، ولكنها لم تفهم سر علاقته بالقبر وصاحبه، فتقدمت إليه برشاقة:

- هل كنتَ تعرف زوجي أيها الوسيم؟
- زوجك؟ ولكنني أقف على قبر والدي.

حكا لها عن صاحب القبر المزارع الذي جندته الحكومة إبان الحرب الأهلية، والبطولات التي عاش زملاؤه ليحكونها لهم، وقصة استشهاده التي أفجعت الجميع. وحكت له عن صاحب القبر الحداد الذي مات برفسة من فرس، كيف تزوجا منذ سنوات بعد افتضاح قصة عشقهما السرّية، وأمنيته في الإنجاب التي ظلّ بتحققها حتى وفاته.

الأمر الأكثر واقعية كان شراكتهما في زهور التوليب واكتشافهما سر بقائها طازجة في كل مرّة، بينما كان الأمر الأكثر واقعية في كل ما قيل كان خلافها على صاحب القبر، فبينما تمسّك الشاب بأن صاحب القبر هو والده المزارع الشهيد، تمسّكت العجوز بأنه قبر الحداد العاقر الذي ظلت تعشقه طوال سنواتها الثماني والستين، وقالت: "ليس هنالك قبر شهيد بلا شاهد!"

جلسا إلى شيخ القرية الذي لم يستطع أن يُحدد بشكل قاطع هوية صاحب القبر، ولم يكن من أحد في كلا القريتين يعرف ذلك. قالوا: "القبور كلها تتشابه، وشواهدها لا تحمل أسماءً أو حتى تواريخ وفاة!" لذا فإنه أصدر حُكمه بنبش القبر وإخراج الميّت للتعرّف إليه. واتفقوا على أن يتم نبش القبر صباحاً.

في مكان آخر كان الشاب متكئاً على أريكةٍ كقارب صيد، وهو يُفكّر فيما يُمكن أن يُخبئ له الصباح، وكأنه سوف يرى والده لأول مرّة. كم لا نُحب رؤية الأموات! مهما كان مقدار حبنا لهم، إلا أننا لا نحب أن نراهم نائمين لا تحمل وجوههم تعابيرها التي نحبها فيهم. خمّن أنها فرصة مُناسبة لنقل قبر والده الشهيد إلى حيث يجب أن يكون. ونام باكراً تلك الليلة.

وقتها كانت السيّدة العجوز تجلس على كرسيّها المتأرجح، تلتف عليها عشرات الهواجس الخائفة والمُطمئنة، تلوك لُبانها الذي فقد نكهته، ركّزت بصرها على نقطة وهمية في فضاء الردهة، وكأنها تحضّر روح زوجها لسؤاله عمّا يتوجب عليها فعله. خمّنت أنها سوف تفتقد شيئاً ما سواء أكان هو أم غيره الذي يرقد في ذلك القبر. لم تتساءل أين قد يكون زوجها إن لم يكن هو من كانت تقصّ عليه أنباء القرية وتُنشد له أغنياته المفضلة، ولكنها كانت تُفكّر بأمر آخر لا تستطع الإمساك بخاصرته تماماً.

بحلول التاسعة صباحاً كان الجميع يتجمهرون أمام القبر في انتظار شيخ القرية الذي أتى بمشية البطريق حاملاً مصحفاً بيد، وفي الأخرى عصا أبنوسية غليظة. كانت قسماته ليست كالمُعتاد، أو هكذا خيّل إلى السيّدة العجوز والشاب الوسيم. نظر شيخ القرية إلى وجوه الجميع بطريقة متفحصة، وكأنه يُريد استنطاق شيء ما، وقبل أن ينطق بكلمة واحدة تقدم الشاب والسيّدة العجوز: "لا نريد نبش القبر، فليكن من يكون. نبش قبر الميّت كتعرية الحيّ!" وصفق الجميع لذلك، وانصرفوا، ولم يكف الشاب الوحيد عن زيارة القبر كل جُمعة والدعاء عند قدميه، ولم تكف العجوز عن زيارة القبر كل اثنين، تقص عليه أنباء القرية وتنشده أغنيته المفضلة وتستبدل زهور التوليب الطازجة بأخرى مثلها.