في خليج البترول، سيجد كل تفاصيل الحياة مثيرة للاهتمام: شكل الفئات الورقية للعملة المحلية، واللغة المحكية للعرب الذين "يتكلمون كما يتكلم قطيع الدجاج الرومي!"، وهيئة النساء الغريبة بملاءتهن السوداء التي أرعبته، ومن ثم الخيمة البدوية والمجالس العربية، والثراء الفاحش وغيرها من المظاهر التي لم يفهمها مما جعله يطرح "أسئلة كثيرة عن الفروق بين الشعوب والحضارات".
اشتر نسختك الآن
+ يمنكم طلب نسختكم من رواية ( أرض الميـّت ) من هــنــــــــــا
+ يمنكم طلب نسختكم من رواية ( بـتـروفـوبـيــــا) من هــنــــــــــا
30 أكتوبر, 2009
رواية بتروفوبيا
في خليج البترول، سيجد كل تفاصيل الحياة مثيرة للاهتمام: شكل الفئات الورقية للعملة المحلية، واللغة المحكية للعرب الذين "يتكلمون كما يتكلم قطيع الدجاج الرومي!"، وهيئة النساء الغريبة بملاءتهن السوداء التي أرعبته، ومن ثم الخيمة البدوية والمجالس العربية، والثراء الفاحش وغيرها من المظاهر التي لم يفهمها مما جعله يطرح "أسئلة كثيرة عن الفروق بين الشعوب والحضارات".
27 أكتوبر, 2009
جثة في صَرَص
17 أكتوبر, 2009
الفائزون في مسابقة بيروت39
29 سبتمبر, 2009
شركاء التوليب
جثت على ركبتيها بتثاقل أمام قبره كملاكٍ باهت الإضاءة ضلّ طريقه إلى السماء، قصّت عليه أنباء القرية: الذين قضوا نحبهم، والمهاجرين، والمتزوّجين، وحديثي الولادة، قصّت عليه أنباء التجّار، والبحارة، والمُزارعين في غيطان الباذنجان والبرسيم، حكت له عن انهيار سقف عليّة المنزل الخشبية لبيت جارتها جليلة صالح، ونفوق بقرة عبده هاشم، وفيضان النهر الأخير، وموسم الجراد، وفضائح القرية. أنشدت له أغنيته المفضلة، وكأنها تهدهده قبل النوم. باحت له بما يعتلج داخلها من شوق، ورغبة في اللحاق به إلى الجنة حيث يقبع في هدوء وسكينة، ناعماً تحت ظلال أشجارها الأسطورية، ومُعفراً قديمه المتشققتين في مياه أنهارها التي بلا منبع ولا مصب، ثم وضعت باقة من زهور التوليب وغادرت في هدوء.
عادت بعد أسبوع، وقصّت عليه الأنباء وحكت له الحكايا المُعتادة وأنشدت له أغنيته الدافئة التي يُحبها، وبكت ما شاء لها الشوق أن تبكي، وعندما همّت بإبدال أزهار التوليب بأخرى جديدة، وجدتها طازجة كما تركتها آخر مرّة. لم تستطع أن تفهم شعورها حيال تلك الغرابة، ولكنها بطريقة ما اقتنعت بأن زوجها يحمل كرامة الأولياء الصالحين قابعاً في عليائه المجيد، ناعماً تحت ظلال أشجارها الأسطورية، ومُعفراً قدميه المتشققتين في مياه أنهارها التي بلا منبع. خمّنت أن تكون تلك علامة ما، أو رسالة يُحاول أن يُوصلها إليه فأخذت تستعد للحاق به في أيّ لحظة. أخذت زهورها القديمة، ووضعت الأخرى وانصرفت في هدوء.
كانت تنتظر الموت بفرح جم وخوف هادئ؛ لذا حرصت على إعادة الأواني الفخارية إلى جارتها ووهبتها قطتها المُدللة، وباعت حليها الفضية العتيقة لتتمكن من الإيفاء بديونها المتفرقة، واستأجرت نجاراً ليُصلح لها نوافذ منزلها وأبوابه الخشبية، واشترت كفنها ووضعتُ أعلى خزانة الملابس، غير أنها لم تمت طوال أسبوع.
بدأت تفقد إيمانها بكرامة زوجها المُخمّنة، وتتيقن من أن هلاوس العشاق المكلومين بدأت تسكن جيوبها الأنفية، وزقاقات أوردتها البطيئة الساخنة. عادت إلى قبره بعدها، وأخذت تقص عليه من جديد أنباء القرية: تفشي الطاعون، وهجرة الشباب، وعنوسة الفتيات، وتوقعات حرب قادمة. اشتكت إليه خبث التجّار، ولؤم البحّارة وبشاعة غيطان الباذنجان المهجورة، وحكت له عن نفوق قطتها المُدللة عند جارتها، والنجار الذي لم يؤد عمله كما يجب، واكتشافها زيف بعض الحُلي، ثم أنشدت له أغنيته المفضّلة، وعندما همّت بإبدال أزهار التوليب بأخرى جديدة وجدتها طازجة كذلك.
كانت ما تزال تتساءل عن سر بقاء زهور التوليب طازجة في كل مرة، والرسالة الخفية التي يُريد زوجها أن يوصلها من وراء ذلك، ولكنها لم تتمكن من الوصول إلى تفسير نهائي وقاطع. ولكنها عادت مقتنعة بأن لزوجها كرامةً ما غير مفهومة، وألا شأن لها بما يجري على الإطلاق.
ذلك اليوم -لم يكن يوم الأحد كما هو عادتها- وجدت شاباً وسيم الطلعة والقسمات، جاثياً على قبر زوجها، يُردد بعض الآيات في خشوع، ويُبدل زهور التوليب اليابسة بأخرى جديدة، فابتسمت لأنها عرفت سر التوليب، ولكنها لم تفهم سر علاقته بالقبر وصاحبه، فتقدمت إليه برشاقة:
- هل كنتَ تعرف زوجي أيها الوسيم؟
- زوجك؟ ولكنني أقف على قبر والدي.
حكا لها عن صاحب القبر المزارع الذي جندته الحكومة إبان الحرب الأهلية، والبطولات التي عاش زملاؤه ليحكونها لهم، وقصة استشهاده التي أفجعت الجميع. وحكت له عن صاحب القبر الحداد الذي مات برفسة من فرس، كيف تزوجا منذ سنوات بعد افتضاح قصة عشقهما السرّية، وأمنيته في الإنجاب التي ظلّ بتحققها حتى وفاته.
الأمر الأكثر واقعية كان شراكتهما في زهور التوليب واكتشافهما سر بقائها طازجة في كل مرّة، بينما كان الأمر الأكثر واقعية في كل ما قيل كان خلافها على صاحب القبر، فبينما تمسّك الشاب بأن صاحب القبر هو والده المزارع الشهيد، تمسّكت العجوز بأنه قبر الحداد العاقر الذي ظلت تعشقه طوال سنواتها الثماني والستين، وقالت: "ليس هنالك قبر شهيد بلا شاهد!"
جلسا إلى شيخ القرية الذي لم يستطع أن يُحدد بشكل قاطع هوية صاحب القبر، ولم يكن من أحد في كلا القريتين يعرف ذلك. قالوا: "القبور كلها تتشابه، وشواهدها لا تحمل أسماءً أو حتى تواريخ وفاة!" لذا فإنه أصدر حُكمه بنبش القبر وإخراج الميّت للتعرّف إليه. واتفقوا على أن يتم نبش القبر صباحاً.
في مكان آخر كان الشاب متكئاً على أريكةٍ كقارب صيد، وهو يُفكّر فيما يُمكن أن يُخبئ له الصباح، وكأنه سوف يرى والده لأول مرّة. كم لا نُحب رؤية الأموات! مهما كان مقدار حبنا لهم، إلا أننا لا نحب أن نراهم نائمين لا تحمل وجوههم تعابيرها التي نحبها فيهم. خمّن أنها فرصة مُناسبة لنقل قبر والده الشهيد إلى حيث يجب أن يكون. ونام باكراً تلك الليلة.
وقتها كانت السيّدة العجوز تجلس على كرسيّها المتأرجح، تلتف عليها عشرات الهواجس الخائفة والمُطمئنة، تلوك لُبانها الذي فقد نكهته، ركّزت بصرها على نقطة وهمية في فضاء الردهة، وكأنها تحضّر روح زوجها لسؤاله عمّا يتوجب عليها فعله. خمّنت أنها سوف تفتقد شيئاً ما سواء أكان هو أم غيره الذي يرقد في ذلك القبر. لم تتساءل أين قد يكون زوجها إن لم يكن هو من كانت تقصّ عليه أنباء القرية وتُنشد له أغنياته المفضلة، ولكنها كانت تُفكّر بأمر آخر لا تستطع الإمساك بخاصرته تماماً.
بحلول التاسعة صباحاً كان الجميع يتجمهرون أمام القبر في انتظار شيخ القرية الذي أتى بمشية البطريق حاملاً مصحفاً بيد، وفي الأخرى عصا أبنوسية غليظة. كانت قسماته ليست كالمُعتاد، أو هكذا خيّل إلى السيّدة العجوز والشاب الوسيم. نظر شيخ القرية إلى وجوه الجميع بطريقة متفحصة، وكأنه يُريد استنطاق شيء ما، وقبل أن ينطق بكلمة واحدة تقدم الشاب والسيّدة العجوز: "لا نريد نبش القبر، فليكن من يكون. نبش قبر الميّت كتعرية الحيّ!" وصفق الجميع لذلك، وانصرفوا، ولم يكف الشاب الوحيد عن زيارة القبر كل جُمعة والدعاء عند قدميه، ولم تكف العجوز عن زيارة القبر كل اثنين، تقص عليه أنباء القرية وتنشده أغنيته المفضلة وتستبدل زهور التوليب الطازجة بأخرى مثلها.







































