اشتر نسختك الآن

+ يمنكم طلب نسختكم من رواية ( السيّدة الأولى ) من هــنــــــــــا
+ يمنكم طلب نسختكم من رواية ( أرض الميـّت ) من هــنــــــــــا
+ يمنكم طلب نسختكم من رواية ( بـتـروفـوبـيــــا) من هــنــــــــــا

20 نوفمبر, 2009

رسالة مفتوحة إلى الإعلامية منى الشاذلي


الأستاذة الإعلامية / منى الشاذلي
مذيعة قناعة دريم – برنامج الساعة العاشرة
تحية طيّبة وبعد


أرجو أن يتسع وقتك لقراءة هذه الرسالة عن آخرها لأهميتها البالغة والتي تأتي على خلفية حلقتك الأخيرة التي تضمنت موضوع الساعة (تداعيات مباراة مصر والجزائر) والذي استضفتِ به عدداً من الشخصيات لم أتعرّف منهم إلا على السيّدة المحترمة فردوس عبد الحميد. وأصدقكِ القول –سيدتي- أن السبب المباشر في كتابة هذه الرسالة هي الإشارة التي وردت في برنامجك المشار إليه إلى موضوع أحداث حديقة مصطفى محمود المأساوية، وقد تكون فرصة جيّدة لتعريف من لا يعرف بتفاصيل وحيثيات هذه الأحداث الذي جاءت الإشارة إليه بصورة عابرة في الحلقة المشار إليها أعلاه.


أولاً: أحب أن أنتهز هذه الفرصة -وهي الأولى من نوعها بالنسبة إليّ التي أخاطبكِ فيها بصورة مباشرة- لأشكرك على برنامجك الرائع في الحقيقة على اعتباري أحد متابعيه المستديمين، وعلى اعتباري من أشد المعجبين بحرفيتك المهنية التي لا أشك فيها على الإطلاق وحيادك الذي لمسته بوضوح في كثير من القضايا التي تناولتها في برنامجك، وأتمنى أن يحتذي كثير من الإعلاميون حذوك وأسلوبك في تناول الموضوعات من جميع الزوايا ومحاولاتك الجادة والحريصة على تغطية كافة جوانب الموضوعات التي يتناولها البرنامج بصورة يخرج بها المشاهد والمتابع بتصورات كاملة عن الأحداث والمرئيات المتعلقة بالموضوع المطروح.


ثانياً: قبل الخوض في صلب الموضوع، أرى أنه من الواجب تمهيد الأمر بالتطرّق إلى موضوع الساعة (تداعيات مباراة مصر والجزائر) دون الخوض في تفاصيل شائكة ومعقدة لأنه من الواضح جداً أن الأمر أكبر من مجرّد حمى وهوس كروي محتدم وحرب إعلامية رياضية، ودون طرح أسئلة من نوع: من البادئ بإثارة المشكلة؟ فإنني أقول: إن الأمر –يا سيدتي- بمنتهى البساطة قد يُحسم إذا حاولنا الإجابة بكل صدق وشفافية عن السؤال الذي طرحه الأخوة المصريون عبر برامج الفضائيات المصرية المتعددة: "ليه كده؟ وليه إحنا بالزات" ويبدو أنني لستُ مضطراً –كسوداني- أن أوضح موقفي المبدئي من الشعب المصري، أو العلاقة التي تربط بين البلدين، فالأولى معلومة لأسباب أسرية عائدة إلى جذوري المصرية وحيث هي محل مولدي والرابطة العاطفية التي تربطني بمصر وشعبها دون انحياز أو تفضيل أو حتى مساومة أو مزايدة عليها على الإطلاق، والأخرى سمجة ومملة ومُكررة وأعني بذلك الكلام عن وحدة المصير المشترك لأبناء وادي النيل، ووحدة التاريخ والجغرافيا وما إلى ذلك، فهو كلام عاطفي ومستهلك كثيراً، رغم حقيقته.


وبعد التأكيد على هذه النقطة أقول: لماذا –فعلاً- لم نقرأ في وسائل الإعلام العربية والأجنبية عن أحداث عنف في مقابلة الخرطوم مثلما سمعنا عن أحداث المقابلة في القاهرة؟ لقد تناولت جميع وسائل الإعلام العربية وغير العربية ما حدث في القاهرة بوصفه "أحداث عنف" في حين تناولت ما حدث في أمدرمان على أنها مناوشات طفيفة تكاد لا ترقى إطلاقاً إلى وصفها بأحداث عنف. وحيث أنه من غير الممكن أن تتوافق كافة وسائل الإعلام العربي وغير العربي على هذه الجزئية فإن هذا يعني صحّة هذه المعلومة مهنياً على أقل تقدير؛ هذا الأمر يجعلنا –مبدئياً- نغلق ملف الحديث عن تقصير السودان متمثلاً في أجهزته الأمنية في القيام بواجبها على أكمل وجه، أو حتى مجرّد التلميح الذي يأتي على بعض الألسنة عن ضعف إمكانيات أجهزة الأمن السوداني والذي أدى إلى حدوث بعض التقصير الطفيف، في إشارة لا تخلو من إساءة مغلّفة للأداء الأمني؛ وإذا كان لابد من هذه الإشارة إلى ذلك فإنه يتوجب علينا –في المقابل- الكلام عن أداء أجهزة الأمن المصرية التي يبدو أنها لم تنجح –حسب تصريحات الصحف العربية والأجنبية- في القيام بدورها على الوجه الأكمل في حماية البعثة الجزائرية بالقاهرة؛ لذا أرى أنه يجب على وسائل الإعلام المصرية التزام الحياد تجاه هذه النقطة بالتحديد وعدم محاولتها المساس بإمكانيات أجهزة الأمن السودانية لا من قريب ولا من بعيد، فإذا كان الأمن السوداني قد أخفق بمقدارٍ ما، فإن أجهزة الأمن المصرية قد أخفقت بمقدار أكبر بكثير، والعدالة تتطلّب تناول الأمر بهذه الحيادية المباشرة، وليس ذكر الأمر على استحياء كما ولو أنّ الأمر كان فوق طاقة أجهزة الأمن السودانية. لأنه لم تجدر أيّة إشارة من وسائل الإعلام المصرية إلى ضعف في إمكانيات الأجهزة الأمنية لها رغم كل ما تعرضت له من انتقادات عبر وسائل الإعلام المختلفة كما سبق وأشرنا؛ إذ فالأمر ليس له علاقة بالإمكانيات أو القدرات على الإطلاق.


هذا من ناحية؛ ومن ناحية أخرى، فإنني كسوداني في المقام الأول، وكإنسان مُحب للعدالة والإنسانية والحق أرى بأن كلاً من الجانبين: المصري أو الجزائري يجب أن يلجأ إلى الجهات المسئولة (سواء القضاء أو الفيفا) لاسترداد حقه إن كان له حق، معتمداً في ذلك على ما يتوفر لديه من قرائن وأدلة مادية دامغة سواء من تسجيلات مرئية أو صوتية أو من شهادات شهود أو وثائق عوضاً عن هذه الحملة الإعلامية التي تعمل على إثارة الفتن بين الشعبين، وعندنا في السودان مثل يقول: "الحدّاث ما سوّاي" وهي تعني أن الذي يتكلّم كثيراً لا يفعل شيئاً. من كان له حق وهو متأكد من أنه مظلوم فعلاً فليتقدم بخطوات عملية نحو استرداد هذا الحق ولرفع هذا الظلم عنه فوراً حسماً للموقف وإيقافاً لهذه المهزلة الحقيقية بدلاً عن تبادل التُهم، وإقحام السودان طرفاً في النزاع، واتهامه بالتواطؤ مع مشجعي الجزائر ضد المصريين مقابل عشر جنيهات ومثل هذا الكلام غير المسئول على الإطلاق! هذا الأمر يزيد من تأجيج نار الفتنة ولا يُقدّم أية حلول تذكر، كما أنه وحسب متابعتي لما يجري لاحظتُ أن كلا الشعبين انقسما إلى ثلاث فئات لا رابع لهما:


الفئة الأولى: فئة مُغيّبة إعلامياً، متحمسة مأخوذة بدافع الغريزة الوطنية، يُصوّر لها إعلام بلدها (غير المسئول طبعاً) أن الأمر أشبه بمعركة وطنية مقدّسة يجب دونها أن تتكاتف الجهود وأن تتوحّد الصفوف، وأن يتسامى الجميع على خلافاتهم الصغيرة من أجل مواجهة "العدو" سواء أكان هذا العدو شعباً بأكمله، أو مجموعة من هذا الشعب.


الفئة الثانية: فئة واعية تماماً لما يجري، وتعلم أن الأمر لا شأن له بكرة القدم على الإطلاق وأن الأمر ما هو إلا حرب إعلامية بين البلدين، أجج أوارها شلّة من المراهقين الإعلاميين غير المسئولين، فهو بذلك يقف بعيداً، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، مما يجعلهم يُصنفون في الغالب في خانة "الخائنين" أو تُنفى عنهم صفة الوطنية في أفضل الأحوال، كما حدث مع بعض الشخصيات.


الفئة الثالثة: فئة تراقب ما يجري بحزن وألم شديدين، دون أن تتمكن من اتخاذ القرار المناسب إما لأن لها مصالح أو روابط دم تجمعها مع البلد الآخر، أو لأنها غير متأكدة تماماً من صحة إدعاءات الأجهزة الإعلامية.


والأمر الهام في هذه النقطة بالتحديد –سيدتي- أن يبتعد الجانبان (المصري والجزائري) عن زج السودان والسودانيين في الأمر، واتخاذها ذريعة أو شمّاعة يُعلقون عليها أخطاءهم، أو يُبدون لهم حبهم إمعاناً في إظهار كراهيته وعداوته للآخر، فالسودان لا شأن له بهذا الأمر على الإطلاق، والشعب السوداني لا يقبل أن يُحابي شعباً على حساب آخر، بل ونسعى دائماً أن تنتهي الخلافات بينهما بما يُرضي الطرفين، وبما يحفظ لكليهما (وللسودان كذلك) كرامته وسيادته، وخلاف الشعبين لا يُرضي أيّ شعب آخر.


وفي هذا الشأن يجدر أن أُشير إلى حق كل دولة أو شعب مظلوم أن ينتصر لحقه وأن يعمل على رفع الظلم عنه، ولكن دون أن يكون آخرون كبش فداء لذلك، فمن حق المصريين أن يفخروا بكونهم مصريين كما هو حق للجزائريين أن يفخروا بكونهم جزائريين كذلك، وكما نفخر –نحن السودانيون- بكوننا سودانيين، بل وكما يحق لكل شعب أن يفخر بدولته وانتمائه، على ألا يعني ذلك نفياً للآخر وإقصاءً له.


وهنا أعيب على بعض الأخوة المصريين الذين أخذتهم الحمية والغيرة على أنفسهم وأوطانهم وكرامتهم إلى نفي الآخر، إلى الحد الذي جعلهم يتصوّرون أنهم بمثابة الأم أو الأخت الكبرى لبقية الدول والشعوب، رغم أنّ خلافهم محصور فقط مع الشعب الجزائري، معتمدين في ذلك على حضارة وتاريخ الشعب المصري الذي لا ينكره أحد بالتأكيد، ولكن فليتذكروا في المقابل أن لكل دولة تاريخها وحضارتها الخاصة بها، والتي تفخر بها أيضاً أمام الجميع، وليس هنالك دولة أو شعب له حق على شعب آخر.


أرى أنه من المُعيب جداً ما ذهبَ إليه بعض الأخوة المصريين في ذكر أنهم كانوا أصحاب فضل على الجزائريين في تعليمهم اللغة العربية، وأنهم علّموهم قراءة القرآن، وأنهم من علّمهم الفن وأنهم كذا وكذا، حتى وإن كان ذلك صحيحاً؛ فصاحب الفضل لا يمنّ بفضله على الآخرين، والبعض (وهم قلّة للأمانة) ذهبوا إلى أن مصر والمصريين وحدهم هم خيار الشعوب، وأفضلها على الإطلاق، ولهؤلاء أقول: إن لكل شعب فضله الذي يعلمه والذي يستفيد منه وحده دون الآخرين، ولا فضل لشعب على الآخر، وإن كان لشعب فضلٌ ما؛ فإننا نسعد له –بكل تأكيد- بهذا الفضل، ولكننا لا نقبل على الإطلاق إشهار هذا الفضل في وجوهنا، وكأننا تبعات نقتات من بقايا حضارتهم وتاريخهم، وللتاريخ عينان تقرآن جيّداً كُل ما يُكتب. وإن أصرّ هؤلاء على إقصاء الآخر ونفيّه، فلابد –حينها- من تذكيرهم؛ علّهم نسوا. ولي من سيّدة مثقفة واسعة الاطلاع مثلك حرز يكفيني جور أن أبوح بفضلٍ لأهل السودان لا نمنّ به على أحد، ولكنه يكفي ألا يُقصينا الآخر في غمرة انجرافه الوطني.


ثالثاً: وهو الأهم في طول هذه الرسالة وعرضها، وهو ما تمت الإشارة إليه في بداية الرسالة من تلميح عابر لحادثة المهندسين وتحديداً في حديقة ميدان مصطفى محمود التي كانت في أواخر ديسمبر من عام 2005م، ولا أريد الخوض في تفاصيلها كذلك، فهي موثقة بالصور والشهادات والإفادات والوثائق، ولكن ما لفتَ نظري في الأمر، أن أحد المتصلين بالبرنامج حاول تناول موضوع السودانيين ضمن تداعيات أزمة مصر والجزائر الأخيرة، واستشهد بهذه الواقعة، وهو الأمر الذي دفعكِ للقول بأن برنامج الساعة العاشرة الذي تُقدمينه لاقى نقداً لاذعاً من قِبل وزارة الدفاع (إن لم تخني الذاكرة) وكان مُلخص النقد متمثلاً في القول: "كيف للبرنامج أن يعترض على إجراءات حكومية متعلقة بأمن الدولة" أو ما شابه.


هذا الحديث –يا سيدتي- يجعلني أطرح تساؤلاً مُحدداً، بالتأكيد بعد شكرك وتحيتك على تناول الحدث وتغطيته، رغم أنني لم أحظ بمتابعة هذه التغطية، ولكنني أثق في حرفيتك شخصياً، وفي نزاهة برنامج الساعة العاشرة بشكل عام، فما الذي يجعل وزارة الدفاع أو أيّ جهة أمنية أخرى تنتقد تعرّض برنامج يتناول قضية كهذه والتعاطف معه؟ ماذا يعني هذا النقد؟ وحيث أنني لم أتابع تغطية البرنامج للحدث بالتأكيد فإنني أميل إلى القول بأن قوات الأمن المصرية لم يُعجبها تعاطف مواطن مصري أو جهة مصرية واعتراضها على إجراءاتها التي اتخذتها ضد اللاجئين السودانيين العُزل وبالطريقة التي رأيناها وتناقلتها وكالات الأنباء العالمية، وتقارير المنظمات الدولية، وإن كان هذا التخمين صحيحاً، فإنه يهدم ما كان يحاول السيّد المتصل الإشارة إليه من حرص المصريين على سلامة وأمن السودانيين، لأن الكلام عن تلك الحادثة جاء في هذا السياق بالتحديد، وإن لم يكن تخميني هذا صحيحاً، فلنا أن نراجع بعض المعلومات عن تلك المأساة التي راح ضحيتها ما يُقارب (27) شخصاً سودانياً لاجئاً داخل الأراضي المصرية والتعرض للبقية بالضرب والشتم والاستهزاء.


سيدتي ... إن الاحترام ليس مُجرّد شعار نرفعه ونتباهى به، بل هو وعي يتبعه سلوك، وما حدث للسودانيين اللاجئين في تلك الليلة كانت مأساة حقيقة بل مجزرة. مجزرة زُهقت فيها أرواح بشرية بالفعل بدواعي أمنية، رغم أنهم لم يفعلوا شيئاً غير مرابطتهم أمام المفوضية العليا لشئون اللاجئين بحثاً عن الأمان والملاذ، حدث ذلك تحت مرأى ومسمع المصريين الذي راح "بعضهم" يضحك في استهزاء وقوات الأمن تصوّب نحوهم بنادق الماء لتفريقهم وهم يقولون: "كان يجب على قوات الأمن أن تتخلص منهم منذ اليوم الأول، لقد صبرت عليهم مصر أكثر من اللازم؛ إنهم مقرفون، حمّوهم بالماء لينظفوا"!!


كل ذلك –سيّدتي- حدثت رغم اتفاقية الحقوق الموقعة بين البلدين 2004م والتي تضمن لكل من أبناء البلدين حق التنقل والإقامة والعمل والتملك في كلا البلدين. وبعيداً عن المفوضية؛ دعينا نتساءل: "ماذا فعلت الحكومة المصرية لهؤلاء اللاجئين؟" هل أجرت عليهم بنود الاتفاقية؟ أتعلمين –سيدتي- أن أحداث العنف المؤسس والمنظم التي قامت بها قوات الأمن المصرية ضد هؤلاء اللاجئين قد شملت أطفالاً ونساءً ورُضّع؟ هل تعلمين أن عدد القتلى في تلك المجزرة بلغ –حسب إفادات شهود العيان- سبعين قتيلاً (وليس جريحاً أو مُصاباً) بينما تناقلت الأوساط الأمنية الرسمية أن عدد القتلى لا يتجاوز (27) قتيلاً. وأنتِ كإعلامية بارزة لاشك أنك تعرفين أن الإحصائيات الرسمية غالباً ما تكون أقل من الفعلي، وأنا هنا أتساءل: "كم هو عدد "الجرحى" من مشجعي المنتخب المصري الذين أفادوا بوقوع مجزرة في الخرطوم؟"


إنني أشيد بالتأكيد بجهدك عبر برنامجك الساعة العاشرة لما بذلته تجاه هذه القضية، وربما تجاه حلها أو على الأقل التعاطف معها، ولكنني أتكلّم عن قوات الأمن المصرية، والذين هم مصريون في النهاية كذلك، لا يُمكن أن يُهان مصري في السودان وترفع الحكومة السودانية بياناً للحكومة المصرية تفيد فيه بأن الحكومة ليست مسئولة عن ذلك لأن هذا الفعل لا يُمثل الشعب السوداني، بل يُمثل القلّة منهم؛ ناهيك عن أن تكون الحكومة هي نفسها من تقوم بامتهانه أصلاً. وما هو قولك إذا علمتِ بأن قوات الأمن المصرية حتى الآن تمنع إقامة ذكرى ضحايا حديقة ميدان مصطفى محمود رغم أنها مُجرّد وقفة سلمية!


ألم تصلك أنباء مطالبات كثير من جمعيات حقوق الإنسان والمنظمات المحلية والدولية منها: منظمة العفو الدولية، ومنظمة هيومن راتس ووتش، والمبادرة الشخصية للحقوق الشخصية وغيرها بضرورة تشكيل لجنة للتحقيق في المجزرة، وأن التحقيقات الأولية كشفت عن مخطط كان يهدف إلى تبرئة عناصر قوات الأمن من ارتكاب أيّة جريمة؟ هل بعد كل هذا –سيدتي- تودين الاستشهاد بهذه الحادثة للتدليل على حرص قوات الأمن على سلامة السودانيين داخل الأراضي المصرية؟ الحق أقول؛ هنالك جالية كبيرة جداً من السودانيين المقيمين في القاهرة، ولم يشتك أحد من سوء معاملة أو من خلافه، فيما عدا بعض الممارسات الفردية والمناوشات هنا وهناك بين الحين والآخر، ولكنك بذكرك لهذه الحادثة بالتحديد فتحت جرحاً كان السودانيون يحاولون نسيانه بعون مجيد من الزمن.


يُمكنك –سيدتي- الاطلاع على هذا الرابط http://www.tortureinegypt.net/node/1528 لمزيد من التفاصيل والصور والتقارير حول المجزرة بكل معاناتها، وجُل ما نتمناه –كشعب سوداني- أن يتوقف الأخوة في مصر عن إقصاء الآخر والتعامل معه بفوقية، وكأن التاريخ لا ذاكرة له، أو كأن الآخر هذا لا تاريخ له على الإطلاق. دعينا لا نساوم على عواطف الشعوب؛ فهي تعرف ما تريد، وتفعل ما تريد بإرادتها لا بإرادة الحكومات، ودعينا لا نتكلّم عن العنف والأمن فنحن نعلم تماماً أن الشعوب العربية جميعها مقهورة من حكوماتها، فالحكومة السودانية تنكّل بشعبها أشد تنكيل، ولنا في مجزرة "كلما" في السودان، وما يحدث في دارفور خير مثال على ذلك، فمئات من القتلى ومئات من الضحايا دون أن يرمش جفن لهذه الحكومة، وعشرات من غرقى العبّارة المصرية دون أن تتدخل الحكومة في محاسبة المسئولين، وعشرات من قتلى حوادث القطارات والسكك الحديدية، والانتهاكات اللاإنسانية التي يُمارسها عناصر الشرطة والأمن بالمواطنين سواء في مصر أو في السودان أو حتى في أيّ دولة عربية أخرى، ولا ننسى أن الأمن المصري يتعامل ببشاعة ووحشية شديدة مع المواطنين ولا يكاد شعب يسلم من أذى وقمع حكوماته –يا سيدتي- فلا نُؤلب الناس على بعضهم البعض، فهذا باب للفتن لا نُحب له أن يُفتح على الإطلاق. وأُحب أن أوجّه كلمة أخيرة إلى الشعب المصري الشقيق بحق عبر رسالتي إليك: إن من يُشوّه سُمعة المصريين هو الإعلام المصري غير المسئول، فأرجوكم اختاروا رجالات إعلامكم بحرص فالمُراهقون الإعلاميون كُثر، وهم زارعو الفتنة بين الناس، وهذا ما أراه وما أردتُ أن أقوله.


هشام آدم
كاتب سوداني مقيم في السعودية
hisham.adam@gmail.com



19 نوفمبر, 2009

الميتاكورة في الإعلام المصري


كثير من الأقلام السودانية ضلت على الحياد خلال أحداث وتداعيات المباراة التي جمعت بين منتخبي مصر والجزائر، لأن للسودان والسودانيين علاقات طيّبة بكلا الشعبين وكلتا الدولتين، ولم تشأ أن يتعدى الأمر حدود أدبيات وأخلاقيات اللعبة إلى حرب ملاسنات إعلامية يُجر إليها السودان رغم الإشارات التي لوّح بها الإعلام المصري بعد خروج تقرير إقامة المباراة الفاصلة في الخرطوم، وأبدت ارتياحها التام لهذا القرار لاعتبارات مُحددة. وربما تجدر الإشارة هنا إلى تلك التلميحات التي ضلّ الإعلام المصري يلوّح بها إبان الحفل الختامي لتوزيع جوائز المهرجان الإعلامي الذي انعقد في القاهرة في الآونة الأخيرة.

ضلت الأقلام السودانية –الإعلامية على وجه الخصوص- مُحايدة تماماً، ولم تشأ أن تتدخل فيما جرى سواء في العاصمة الجزائرية أو حتى في العاصمة المصرية. وكنتً –بصورة شخصية أحاول البحث عن أيّ إشارة أو تداول لتداعيات وإرهاصات مباراة الجزائر ومصر الأخيرة في القاهرة على القنوات الفضائية السودانية غير أنني لم أجد لذلك أيّ أثر سوى ما تم تداوله عن الناحية التنظيمية للمباراة في برنامج (البحث عن هدف) بقناة النيل الأزرق للإعلامية ميرفت حسين والتجهيزات التي يقوم بها نادي المريخ بإدارة رئيسها الأستاذ جمال الوالي.

شهدنا في الأيام التي سبقت المباراة الختامية في إستاد المريخ بمدينة أمدرمان تراشقات واتهامات إعلامية متبادلة بين مصر والجزائر في ظل غياب تام للمصادر الموثوقة، وفي ظل غياب تام كذلك لدور الدبلوماسية العربية بما ينفي أو يُثبت ما حدث في إستاد القاهرة الدولي من اعتداء على البعثة الجزائرية، وفيما أصرّ الإعلام الجزائري على وجود اعتداءات واضحة وصريحة لأفراد البعثة، نفى الإعلام المصري حدوث ذلك، دون أن تكون هنالك تصريحات من جهات رسمية لدى البلدين بثبوت أو نفي ما يتم تداوله في أجهزة الإعلام، وبدا الأمر وكأنها حرب إعلامية من الدرجة الأولى. وتبادلت وسائل الإعلام المصري والجزائرية على السواء الاتهامات: فاتهم الإعلام الجزائري مصر بالتعتيم الإعلامي واتهم الإعلام المصري الجزائر بالتصعيد والتهويل.

وبصرف النظر عمّا جرى في القاهرة فإنه من المعلوم لدى الجميع بأن مصر قدمت السودان ضمن خياراتها للدولة التي من المفترض أن تستضيف المباراة الفاصلة، كما قدمت الجزائر كلاً من تونس والمغرب ضمن خياراتها، ووقعت القرعة على السودان، ومنذ تلك اللحظة والسودان يتأهب لاستضافة المباراة واستقبال وفود بعثات ومشجعي البلدين بنفس الحياد الذي تابع به مجريات الأحداث منذ البداية، ورغم إمكانياته المادية المحدودة؛ إلا أنه حاول قدر المستطاع تجنيد وتوفير كافة الوسائل الأمنية التي تكفل إقامة المباراة بأقل خسائر ممكنة سواء في الأرواح أو الممتلكات.

ولن أتحدث عن إجراءات الضيافة والاستقبال الذي قامت به دولة السودان لكلا الجانبين سواء من أفراد البعثات أو حتى المشجعين؛ فذلك واجب الدولة المستضيفة لأيّ حدث كروي كهذا الحدث، وهو أمر مفروض عليه، إلا أنني هنا أتكلم عن تعامل الشعب السوداني ووسائل الإعلام السودانية مع هذا الحدث دون أن ننسى البيان الذي أصدرته هيئة علماء السودان بضرورة استضافة المقتدرين من أبناء الشعب السوداني لجمهور المنتخبين، وحثها للجميع بالالتزام بالحياد وعدم الانحياز، بصرف النظر عن موقفنا تجاه هذا البيان؛ إلا أنه يُعبّر عن طريقة محايدة للتعاطي مع هذا الحدث الكروي الكبير الذي تشرّف السودان باستضافته.

وبعيداً عن كل الإجراءات الأمنية القصوى التي اتخذتها أجهزة الأمن والشرطة السودانية في سبيل توفير المناخ الأمني المطلوب لمثل هذا الحشد الهائل؛ وبعيداً عن كل الجهود والإمكانيات المبذولة في سبيل الخروج بهذه المباراة في صورة مشرّفة بتاريخ المنتخبين المصري والجزائري على حدّ سواء، وبطريقة تليق بهذه اللعبة الشعبية واسعة الانتشار، وتليق بالسودان كدولة مستضيفة إلا أننا نقف على التناقض وردود الفعل المزعجة الذي تعاملت به وسائل الإعلام المصري عقب انتهاء المباراة، وما تناولته من أنباء لاعتداءات من قبل الجمهور الجزائري على بعثتها الشعبية والرسمية في الخرطوم، وإلقاء اللوم على الحكومة السودانية وعلى قوات أمنها.

وقد تابع جميعنا بعض التصريحات غير المسئولة التي أدلها بها صحفيون وإعلاميون مصريون في هذا الصدد الأمر الذي يحاول إلقاء اللوم على السودان وعلى قوات الأمن السوداني وتحميله تبعات ما حدث إن كان ذلك صحيحاً.، وهو ذات الأمر الذي حاولت وسائل الإعلام المصرية من قبل تجنب الحديث عنه إزاء الأحداث الذي تمت في القاهرة ضد الجمهور الجزائري وحاولت الاستخفاف به ونفيه. ولستُ هنا لأؤكد أو أنفي ما حدث ولكن أحاول فيما يلي الإشارة إلى موقف وسائل الإعلام المصرية المتناقض تجاه السودان في مرحلة ما قبل وما بعد المباراة، وهو الأمر الذي كنتُ أخشاه منذ أن وقع الاختيار على السودان لاستضافة هذه المباراة المشئومة.

إن الغزل الصريح الذي كانت وسائل الإعلام المصرية تتوجه به للسودان كان رسالة خفية لم أفهم مغزاها رغم التساؤلات الكبرى التي كانت تفرض نفسها بقوة وقتها، إزاء موقف السودان من هذه المباراة وإزاء تبعات نتائجها. لقد دأبت وسائل الإعلام المصرية على إشهار كرت وحدة مصير أبناء وادي النيل والتلويح بالعلاقات التاريخية والشعبية بين مصر والسودان وهم يعلمون تماماً أن العلاقة بينهما كانت وما تزال علاقة صراع على الموارد الجغرافية والمائية، فمازالت أزمة الحدود مستعرة حتى اللحظة، وكذلك مشكلة نصيب مصر من مياه النيل وتداعيات هذه الأزمات التاريخية الكبرى، الأمر الذي جعل بعض المسئولين المصريين يلوّحون بطريقة مستفزة بتدخل عسكري لحل الاشتباكات المتوقعة، متجاهلين بذلك سيادة الدولة السودانية وأن مثل هذه التصريحات غير المسئولة قد تكون إشعالاً لفتيل أزمة حقيقية بين البلدين.

أقول هذا الكلام وفي الخاطر تتجدد مأساة 30 ديسمبر 2005م والطريقة التي تعامل بها الأمن المصري مع اللاجئين العُزل المعتصمين بحديقة مصطفى محمود بالمهندسين أمام مكتب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين. أتساءل عن مبدأ الكيل بمكيالين والذي تتعامل به وسائل الإعلام المصرية مع السودان والسودانيين. أعلم أن الشعوب بريئة من كل ما يجري، ولكن عندما يُصبح الكلام على مستوى المسئولين والأجهزة الإعلامية فإن الأمر يجب تناوله بشيء من الجدية.

أرفض بشكل قاطع تلك التصريحات التي أدلى بها وزير الإعلام المصري أنس الفقي والسفير المصري لدى السودان عفيفي عبد الوهاب حول إمكانية إرسال قوات خاصة لحماية الجالية المصرية بالسودان وحماية البعثة الرياضية، وأعتبره مساساً سافراً بسيادة السودان وتشكيكاً وطعناً في القدرة الأمنية للقوات السودانية التي بذلت ومازالت تبذل كل ما في وسعها للحفاظ على أمن البعثات والمشجعين من كلا الطرفين: المصري والجزائري.


كما أدين وبشدة تلك التلميحات السخيفة التي لوّح بها الإعلامي المصري غير المسئول عمرو أديب عبر برنامجه على قناة نايل سبورت وما تناولته بعض القنوات المصرية والتي تحاول تعليق هزيمتها الأخيرة على أعناق السودان والسودانيين، وتلك الإشاعات المغرضة التي يُطلقها المُراهقون الإعلاميون من وجود حالات إصابة ومواقف متأزمة في مطار الخرطوم ضد الجماهير المصرية، رغم نفي الدكتور ممدوح علي (المستشار الطبي للسفارة المصرية في الخرطوم) هذه الشائعات التي تهدف في أساسها إلى التشكيك بقدرة السودان على استضافة مثل هذه المناسبات وقدرتها على حماية ضيوف أرضها الكرام من الجانبين: المصري والجزائري، وأتمنى أن يتحلى الإعلاميون المصريون بالروح الرياضية وأن يتقبلوا الهزيمة بصدر رحب وألا يُلقوا هزيمتهم تلك على الغير. وأرجو ألا يمتد هوس الكرة إلى ما هو أبعد من ذلك.

30 أكتوبر, 2009

رواية بتروفوبيا




رواية مدهشة بتركيبتها وبنيتها ومعلوماتها، يقدمها الكاتب السوداني المقيم في المملكة العربية السعودية، الذي وضع فيها محصّلة غنية ومزيج غريب بطعم مميز وخاص، من المواقف المؤثرة والأفكار الإنسانية والتأملات الفلسفية، البعيدة عن المباشر، والتي تتحاشى التعقيد بالرغم من خصوبتها وغناها.


في صيف عام 2000، بعث "روبن سينجر" المكتئب، الذي يعيش في لوس انجلوس، برسالة إلى صديقته "إيميلي"، يتحدث فيها عن المعاناة النفسية التي لطالما حرص على إبقاءها خارجها، تلك التي كادت تودي به إلى فكرة الانتحار التي لم ينفذها لأنه خشي الألم الذي سيسببه لها، فـ"ما أكثر الذين قرروا التخلص من حياتهم فجأة دون أن يضعوا الآخرين في حسبانهم". كيف يمكن للرجل المفعم بإحساس الرجولة أن يتحمل فكرة أن يكون "عاطلاً ومتطفلاً على النساء!؟"، فروبن "الفاشل" أكاديمياً ومهنياً، كان يعيش على حساب إيميلي التي كانت تتكفل حتى بمصروفه الخاص. كتب لها معترفاً: "أنتِ أجمل الأشياء في حياتي لولا إحساسي المتعاظم بالدونية". لذا وجد في السفر حلاً، بعد أن أجاب نفسه: "أنا أحب الحياة، ولكنني لا أحب حياتي بالتحديد، وهاأنذا أسعى إلى تغييرها"، وسيتوجه بمساعدة صديقه مايكل، للعمل في بلاد العرب (بلاد علاء الدين والسندباد البحري)، بالرغم من خوفه الشديد جراء خلفية الصورة المرعبة عن العرب.

في خليج البترول، سيجد كل تفاصيل الحياة مثيرة للاهتمام: شكل الفئات الورقية للعملة المحلية، واللغة المحكية للعرب الذين "يتكلمون كما يتكلم قطيع الدجاج الرومي!"، وهيئة النساء الغريبة بملاءتهن السوداء التي أرعبته، ومن ثم الخيمة البدوية والمجالس العربية، والثراء الفاحش وغيرها من المظاهر التي لم يفهمها مما جعله يطرح "أسئلة كثيرة عن الفروق بين الشعوب والحضارات".

ستكشف الرسائل التي تبادلها روبن وإيميلي فيما بعد، أسرار وحيثيات مواضيع كثيرة من موقعيهما المختلفين، لتسمح بالحديث عن الحب والمرأة والغيرة والكراهية "التي هي أصل الأشياء ولا تحتاج إلى مبررات أبداً"، والأفكار المسبقة والطموح والمال والفن، خاصة أن روبن كان قد نسي ولعه بالنحت والرسم، وعن مفهوم الغربة خارج الوطن والغربة داخله فهي "شيء لا يمكن وصفه أبداً، وعندما نقول "غربة"، فإننا نتحدث عن شيء غاية في المرارة"، كما بالحديث عن الصحراء والنفط وارتفاع الحرارة وعن المراكز التجارية العملاقة، والعادات والتقاليد والأخلاق العربية من جهة، وعن مظاهر الحياة الأميركية ودوافع تصرفات أفرادها من جهة أخرى، كالتمييز العنصري، وعصابات الأميركيين السود، وقلق الحياة المتطورة المتسارعة ومتاعبها المتنوعة والبطالة، والخوف من الأعاصير.

هل يلتقي المحبوبان المتفقان على الحب وعلى حاجة كل منهما للآخر؟ وأية هيئة سيتخذها القدر ليحرمهما اللقاء؟ وماذا سيحلّ بكل منهما؟. وهل صحيح أنه "كلما كبر الانسان كلما ابتعد عن الحقيقة، وكلما تعلّم شيئا جديداً كلما قلّ رصيده المعرفي، وكلما نضج كلما كان أكثر بلاهة وسذاجة!"؟ يجد القارئ في هذا الكتاب رواية جديرة بالقراءة، ممتعة بأسلوبها وشيقة وغنية في أطرها ومضمونها ومعناها.

الناشر:


إنه لمن المدهش حقاً أن يكتشف الإنسان أنه لا يعرف نفسه، وأنه لا يعرف حتى أقرب الناس إليه، في حين أنه لم يصادقهم إلا لظنه أنه يعرفهم جيداً، ويفهم ما يثيرهم وما يقلقهم وما يفرحهم وما يفكرون به. لا أحد يعرف أحد، هذه هي النتيجة الأولى التي خرجت بها أول الأمر.
الآن تفتحت الأشياء أمامي لأبصرها بعين أخرى، كأنني كنت لا أرى من قبل، أو كأنني كنت أبصر الأشياء بالمقلوب. تدهشنا الحقيقة عندما نبحث عنها، ثم نكتشف أنها هي التي تبحث عنا، وهي التي تجدنا دائماً. نفهم أن الكون يسير وفق خطة متقنة، من دون أن يكترث بعشوائيتنا وتخبطنا، وكل تصوراتنا البلهاء. لأنك حين تعتاد الضجيج، يؤرقك الهدوء!


أفهم الآن سر بعض ما خفي عني، وأتقن حرفة التنصت على الحواس. أعرف أنه لن يفيد كثيراً، ولكن ذلك خير من القول بعبثية الحياة وهيلمان الحظ. كل الأشياء -في هذه الدنيا- متزنة وفي مكانها الصحيح، حتى تلك الفواجع والمضرات، والمصادفات مرتبة أبجدياً ومخطط لها من قبل!







27 أكتوبر, 2009

جثة في صَرَص


لا أحد يذكر على وجه التحديد ما حدث للقرية قبل ألف عام، وكل ما يُقال لا يزيد كونه مُجرّد تكهنات تدعمها اختلاف الروايات، حتى أنه لا أحد يعلم سر اتفاقهم على الألف عام، ولكنهم جميعاً يذكرون أن القرية كانت قبل ألف عام مزاراً لطيور الكرك المهاجرة، ومسكناً لببغاوات الكوكاتو الجالبة للبهجة، وأشاروا إلى مجاري الأنهار التي يبست قبل ألف عام، تلك التي كانت تأتي من جبال راس داشن الأثيوبية صافية كوجه ملاك قشتالي في مواسم الغفران والأعياد التي تخص الإله.


قال بعضهم إن لعنة سماوية حلّت على القرية بسبب امرأة أو بسبب زمرة من النساء. وقال البعض إن أسراب الجراد النهم التي اجتاحت القرية في العام 1009م كان هو المتسبب فيما حلّ بالقرية، وقال آخرون إن دورة التاريخ لم تنصف القرية كما يجب، وأن سنوات المجد لم تدم للقرية أكثر من سبعين عاماً ثم انتقل سريعاً إلى مكان آخر؛ بينما أصر قلة منهم على أن جفاف القرية جاء بعد دفنهم جثة ساحر أفريقي مجهول.


هؤلاء راحوا يحفرون وادي صَرَص حيث يُعتقد أن جثته مدفونة في مكانٍ ما فيه. يخرجون كل صباح حاملين أدوات الحفر، وحافظات المياه، وجهاز التسجيل، يحفرون بهمّة غير مسبوقة وهم يستمعون إلى أغنيات نوبية لمحمد وردي أو شنان، وأحياناً كثيرة تأخذهم النشوة فيلتفون في حلقة ليست دائرية تماماً يؤدون الهمبيق بمزاجية متعالية، متناسين واجب الحفر ومآلاته.


لسبب ما كان ذلك اليوم القائظ يوم حظهم حين أحسوا بوجود جثة ما مدفونة بطريقة مختلفة عما اعتادوا عليها، لا وجود للحد أو قوالب حجرية. كانت الجثة المكتشفة ذات السبعة أذرع مدفونة بثيابها ولم تُلف في كفن كبقية الجثث الأخرى التي اعتادوا رؤيتها. ما أثار هلعهم أن الجثة راحت تنزف دماً طازجاً على الفور، وأحسوا أنه من الوشيك أن تستيقظ الجثة لتوبخهم على ذلك، فلم تكن تبدو على الجثة ملامح الموت القاتمة، كانت الجثة كجسد رجل أربعيني نائم في سلام وكأنه قرر الدخول في سبات طويل في هذه البقعة الرخوة من أرض الوادي.


أخذ الرجال الجثة بعد أن لفوا الجرح بقطعة قماش نظيفة وذهبوا بها إلى القرية. كانت الجثة المهولة ترقد على أكتافهم كما ترقد أخشاب السنديان على أكتاف الحطابين العائدين من الغابات النفضية في مواسم الشتاء وما أن اقتربوا من ميدان القرية حتى راحوا يُطلقون الروراي في إشارة للإنجازية، وتدفق الصرصيون على المكان.


وقفت النساء في الصفوف الخلفية وهن يسترقن النظر من وراء ثيابهن الملفوفة على أجسادهن السمراء الناحلة إلى الجثة الطازجة الممدة على الأرض، وراح الأطفال يتلصصون من وراء أجساد أمهاتهن ويتغامزون فيما بينهم، ووجدت الدواجن فرصتها في العبث بغرائر القمح والشعير دون أن ينهرها أحد أو يُعكر صفو فضولها الفطري.


ملامحه توحي بأنه أحد أفراد البني عامر، وملابسه توحي بأنه أدروب، ولكن طوله لا ينتمي إلى أحد ولا إلى شيء ما. أخافتهم الجثة وحيّرهم أمرها كثيراً وراحوا يُقررون ما يجب فعله بها. أصر بعضهم على إحراقها للتخلّص من اللعنة، ورأى البعض الآخر أن إحراق الجثة قد يكون سبباً في حلول لعنة أشد وطأة، وآخرون ذهبوا إلى ضرورة التأكد من هويتها قبل أيّ شيء آخر، ولم ير البقية أهمية لذلك مستندين على استحالة أن تكون جثة رجل عادي طازجة رغم بقائها مدفونة هذا القدر من السنوات، قال أحدهم: "هي جثة ملعونة على أية حال، وهذا سبب كاف لحرقها"


جمعت النساء أغصان الهشاب ولحاء السدر وبعض الغرائر البالية ووضعوها فوق الجثة ليضرموا فيها النار، لكن غيمة سوداء غير معتادة جعلتهم يتراجعون عن ذلك. وليلاً على أنغام زخات المطر على أسقف البيوت الزنكية تحدث البعض عن حماية السماء للجثة من الحرق، ورأوا في ذلك علامة يجب أخذها في الاعتبار.


على لوح من خشب الزان المسحول بعناية كانت جثة الغريب يغسلها مطر الشمال، كحوتٍ أبيض وسيم يتمرّغ في ماء رئتيه المبذول في تنفسه على سطح محيط. مسحت بقايا التراب العالقة عن وجهه وملابسه، وسالت على جسده كيرقات مشاغبة، وبعض الأعين الفضولية تراقبه من خلال ثقوب عشوائية في نوافذ البيوت. مهيبةً كانت الجثة وهي تستقبل المطر في سكون.


في الصباح، اشتد رفض الرافضين لإحراق الجثة، وانضمت إليهم ثلة من النساء، قالوا: "إذا كان دفن الجثة قد جعل اللعنة تحل على القرية قبل ألف عام، فإننا لا نأمن ما قد يصنعه إحراقها" وتناقلوا نظراتهم بينهم ككرات نارية مجنونة هازئة بالجاذبية، وكانت نظرات الأطفال الهادئة الوحيدة التي تحمّلهم مسئولية اتخاذ القرار. وقبل حلول المساء كان الغيمة السوداء تتسلل من مكان قريب لتنذر بيوم ماطر آخر.


على مدار أسبوع كامل لم تنقطع السماء عن إدهاش الجميع بكرمها غير المعتاد، فكانت تُمطر كأنها لن تفعل ثانيةً، أو كأنها تفرغ حمول السنوات المنصرمة ديناً مُستحقاً لأهالي القرية. وتوقف الجميع عن مراقبة الجثة وهي تغتسل بمياه المطر، وانهمكوا في فرحهم الجم بما حلّ عليهم من نعماء مفاجئة. وفي أول هدنة اكتشفوا أن الجثة لم يعد لها أثر في المكان على لوح الزان المسحول بعناية. قال البعض: "لقد عادت الجثة إلى حيث يجب أن تكون، لقد كانت جثة مسحورة بالفعل".




كانت الأرض مُصابة بالرشح فخلعت ثيابها القديمة، وارتدت آخراً على الفور: مروج العشب المداري امتدت بأناقة، وأخرجت أعشاب الأراوله رؤوسها مندهشة، وشاهد أهالي القرية للمرّة الأولى أزهار الأرنيكا والأكاسيا. كل شيء في صَرَص تغيّر فجأة حتى النهر المتدفق من رؤوس جبال راس داشن دبّ فيه الحياة، وراحت نساء القرية يُعبئن الجرار والأواني النيكلية من النهر كما تمنين طويلاً، خشين أن يجف النهر ثانيةً دون أن يتمكن من تحقيق أمانيهن القديمة.


قال البعض في سُخرية: "لقد أكرمتنا اللعنة لأننا لم نحرق الجثة!" وصلى الرجال شكراً لله لأنهم لم يفعلوا. لا يعلم أحد أين اختفت الجثة، ولم يهتموا لذلك وانشغلوا بأمر القرية التي تغيّرت كُلياً خلال شهر واحد. قال عُمدة القرية: "ربما كانت القرية أجمل من هذا قبل ألف عام!" ولكن أحداً لم يكترث. ثم جدّوا في بناء قبّة وسط القرية حيث كان لوح الزان المسحول وأسموها "قبّة الشيخ زان"


قرناص، عديم الذكر، ظلّ ملتزماً بصمته الساخر وهو يرى حال القرية وأهلها بعد اختفاء الجثة، قال في سرّه: "ياللجثة!" همسَ في أذن عُمدة القرية، فهمس في أذن الذي يليه وتناقلوا الهمس كما تتناقل الناس أخبار النميمة في الجلسات السرية، ثم نهضوا فجأة، يتقدمهم قرناص بطوله غير المُبشر بخير، وأشار إلى مكان ما فحفروا فإذا بجثة الشيخ زان ترقد بسلام وقد ارتسمت على وجهه ابتسام طارئة ووسيمة.