الاثنين، 22 مارس، 2010

أصلي أو لا أصلي ... هذا هو السؤال!

في برنامج [منبر سونا] على قناة النيل الأزرق السودانية والذي يُعده ويُقدمه الإعلامي السوداني بابكر حنين ويستضيف فيه مرشحي الرئاسة لانتخابات السودانية 2010م في إطار حملتهم الانتخابية، استضاف البرنامج الأستاذ محمد إبراهيم نقد السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني والمرشح الرئاسي للحزب وعدداً من قيادات الحزب الشيوعي السوداني، توجّه أحد الحضور [الصحافي: عبد الباقي الظافر] بسؤال واضح ومباشر للسكرتير العام للحزب الشيوعي: {هل تصلي؟}، فكانت إجابة الأستاذ نقد بنفس المباشرة والوضوح: {لا أصلي الآن}.

الحقيقة أن هذا الحدث ليس بغريب على الإطلاق، فطالما كان موقف الحزب الشيوعي السوداني من الدين غير واضحاً، الأمر الذي جعل كثيراً من أبناء السودان يُصنفون الحزب الشيوعي على أنه حزب الكفار على الدوام، واعتبروا ذلك من المُسلمات، ورغم التنظيرات العديدة التي خاضها الحزب الشيوعي السوداني حول هذه النقطة بالتحديد، لاسيما في مؤتمره الخامس المنعقد في الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير لعام 2009م إلا أنه يبدو من الصعوبة بمكان إزالة هذا المفهوم من أذهان الناس.

لا يُعتبر الأمر فرضاً لتساؤلات مكررة حول موقف الحزب الشيوعي السوداني من الدين رغم أهمية هذا الطرح، ولكن حول خطورة التصنيف التاريخي الذي يجعل الحزب على الدوام معزولاً عن المشاركة الجماهيرية الفاعلة في مجتمع متديّن كالمجتمع السوداني، يعج بالطوائف الدينية والطرق الصوفية، الأمر الذي يجعل تصنيفاً كهذا كالحكم على الحزب بالتجميد القسري، ويُحيّده ويعزله بشكل تلقائي.

الأمر الأكثر خطورة من ذلك، وهو ما يجب التنبه له، وهو طغيان الفكر السلفي المُتشدد وبروزه على الساحة السودانية بقوة في السنوات القليلة المنصرمة، وهو ما لم يكن معهوداً من قبل، بدأ هذا التيار بالظهور العلني المكثف عبر أجهزة بعضها متصل بالحكومة وبعضها الآخر منفصل عنه، ومن هذه الأجهزة ما يُعرف الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة بالسودان ومشاركاتهم الواضحة والخطيرة في كل ما يتعلق بالشأن السياسي والعام، وربما كان الصدام المباشر بين الرابطة وبين عضويات الحزب الشيوعي في احتفالهم بافتتاح مقرهم الجديد في حي الجريف شرق بالخرطوم والأحداث الدامية التي تلتها، والبيان التكفيري الذي أصدرته الرابطة على خلفية الحدث خير مثال على ذلك.

ولا ننسى الظهور المكثف لما يُسمى بهيئة علماء السودان، وحضورها القوي عبر بياناتها الفتوية والتكفيرية التي ناولت كل شيء، فنجدها تصدر بياناً تطالب فيه جماهير الكرة بالحياد في مباراة المنتخب الجزائري والمنتخب المصري التي جرت على إستاد أمدرمان، وفتواها بعدم جواز حضور الرئيس السوداني عمر البشير القمة العربية التي أقيمت في الدوحة شهر آذار/مارس عام 2009م، وفتواها بتحريم ظهور الفتيات في الإعلانات التجارية على شاشات التلفزيون، ومناشدتها للحكومة السودانية بضرورة طرد سفراء الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا لدى الخرطوم، وفتواهم بتحريم المظاهرات، وفتواهم ضد الانتخابات والتي رأت فيهم إسفافاً ومضيعة للوقت.

إن الأمر يبدو خطيراً للغاية، فهذه الكيانات في الحقيقة تمثل آفة من شأنها إجهاض أيّ حراك ديمقراطي متوقع في السودان، إذا ما كتبت للديمقراطية الحياة على يد الانتخابات القادمة، وإلا فإنها سوف تكون كارثة حقيقية في حال استمر هذا النظام في الحكم، لأننا نعلم أن الحكومة تموّل وتدعم مثل هذه الهيئات والروابط والكيانات الإسلاموية التكفيرية، مما يُنذر بإحلال الهوس الديني كبديل طبيعي للديمقراطية، ولتشد السودان بعدها صوملة كاملة على جميع الأصعدة.

ومن بوادر هذا الوضع الكارثي الذي نراه ونستشعره، ما قام به أحد رجال الحسبة في السودان من تقديم شكوى قانونية ضد السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني يتهمه فيها بالمجهارة بالمعصية على خلفية تصريحاته في برنامج [منبر سونا] عن عدم صلاته. ولقد لقيت هذه الشكوى التي تقدم بها المُحتسب لشرطة الخرطوم شمال كل أذن صاغية، وبدأت فعلياً في تحريك إجراءات قانونية ضد الأستاذ محمد إبراهيم نقد السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني، لتعود إلى أذهاننا عصور محاكم التفتيش، ومحاكمة الضمائر والمعتقدات، وينضم السودان بذلك إلى قائمة الدول الدينية التي يخشى فيها الإنسان غير المسلم على حياته، ولا نستبعد أن تتقدم الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة بالسودان أو هيئة علماء السودان بفتوى تهدر دم السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني أو تطالب باستتابة ثلاثة أيام قبل تطبيق حدّ الرد عليه.

إنني بهذا أحذر من خطر مثل هذه الكيانات وامتلاكها للسلطة والصلاحيات التي تخوّلها لفعل أيّ شيء، مما يجعلها كالقنابل الموقوتة، وأعلن في نفس الوقت تضامني الكامل مع الأستاذ محمد إبراهيم نقد السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني، وأرفض أيّ رقابة بأيّ شكل على الضمائر وعلى المعتقدات. إن مجرّد تخيّل ما ستكون عليه أحوال السودان سواء في حال عودة الديمقراطية أو ضياعها لهو أمر يدعو للقلق بالفعل، فإن استطاعت المعارضة الفوز بالانتخابات فلا أقل من أن نتوقع نشوء معارضة قوية من قبل هذه الكيانات السلفية التكفيرية، وإذاعتها بلاشرعية الحكومة لاسيما إذا تمت علمنة الدولة، ولا نستبعد أن تقوم هذه الجهات بإعلان الجهاد ضد الحكومة الديمقراطية، وإن فاز المؤتمر الوطني الداعم لأسلمة الدولة وتمويل الجماعات الإرهابية والسلفية، فلا أقل من أن يختبأ المواطنون في بيوتهم، لأنها لن تكون سوى صومال ثانية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق