الأربعاء، 27 أبريل 2011

القنقليز ... عبثية المكان وفوضى الزمان

بقلم: أحمد عبد الباري
أنا لست بناقد ولا فنان ولا أديب، فقط أنا قارئ "عادي" تستفزني الكتابات والأشعار الجميلة. اعترف بداية أن باعثي الأول لقراءة رواية "القنقليز" ومحاولة نقدها لاحقاً نقداً منهجياً بعيداً عن الانطباعية والذاتية، كان نابعاً من تخصيص كاتبها هشام آدم لقريتي "العيكورة" مكاناً ومسرحاً لشخوصها. وكان من الممكن أن لا أطلع على هذه الرواية أبداً لأن تتبع الحركة الإبداعية في السودان أصبح هواية تجاوزها زمان أهل السودان الذين طحنتهم كلاكل الأعوام وبرتهم طوارق الأيام وأصبح ترفاً فعلياً بالنسبة للكثيرين فالغالبية منا إما مهمومين بتوفير نصف احتياجات أسرهم المعيشية وإما أنهم في قطيعة مع هواية لا يدخل في حساباتها مصطلح مفهوم الربح والفائدة. لقد فقدت الحركة الإبداعية السودانية إذاً أحد أهم عناصرها وهو المتلقي الذي حذفته معطيات زماننا الصعب من المعادلة كلياً وأصبح المبدع يعزف وحيداً ألحاناً جنائزية في مسرح مظلم وصامت. كما أن مشكلة " الطبع" في السودان والتي يحلو لكثير من الكتاب إطلاق كلمة " النشر" عند الإشارة إليها تقف عائقاً أمام الكثير من المبدعين. أري أننا حتى ولو كنا لا نعاني من مشكلة "طبع" فإن مشكلة " النشر" بمعني الترويج والدعاية والنقد تظل مشكلة قائمة رغم أنها لا تحتاج إلى قدرات مالية كبيرة وحشد طاقات.
قرية العيكوة
تقع قرية العيكورة مسرح أبطال الرواية على الضفة الغربية للنيل الأزرق في منتصف الطريق بين مدينتي مدني والحصاحصيا. وهي قرية لا يُعلم تاريخ تأسيسها على وجه الدقة والتحديد إلا إن أكثر الأقوال ترجح قيامها منذ أيام السلطنة الزرقاء. وفي حقيقة الأمر نالت قرى الجزيرة خصوصاً تلك الواقعة على ضفتي النيل الأزرق من حدود ولاية الجزيرة الشمالية مع الخرطوم وحتى نهاية حدودها جنوباً مع ولاية سنار قسطاً وافراً من التعليم وشهدت نمواً اقتصادياً وثقافياً كبيراً ودينامية وحراكاً اجتماعياً ملحوظاً اسهم فيه بقدر كبير مشروع الجزيرة وشارع الخرطوم – مدني والمورث الثقافي الضخم لهذا الحوض الفكري الشاسع. في هذه القرى كما في قرى وسط السودان عموماً يمكن لأي شخص إن أراد تشكيل حـــــكومة " تكنوقراط" كاملة من أي قرية يشاء. هذه الحقيقية الأكيدة والماثلة جعلتني شخصياً مقتنعاً بأن التكوينات السكانية لوسط السودان وخصوصاً الجزيرة وصلت درجة من الوعي و النضج الاقتصادي، والسياسي و الثقافي، والفكري والديني، والوطني انصهرت فيه وذابت كل مشوهات التقدم والرقي مثل الجهوية والقبلية والاثنية التي تعاني منها أو تستصحبها في جميع تعاملاتها مع الآخر أجزاء أخرى كبيرة من السودان. ومثالية النضج هذه، جعلت الآخر يسعي إليهم سعياً، كما جعلتهم في غنى عن تقديم أنفسهم للآخر. هذا المخزون الثقافي الضخم رضع من روافد متعددة جعلت منه الكيان الأكثر قرباً لمعطيات الدولة السودانية الحديثة. كيان ذاب فيه كل شيء في بوتقة واحدة، لذا فلا غرو أن يكون سكان وسط السودان والجزيرة من أكثر المجموعات السكانية قبولاً للآخر وهضماً لثقافته والتفاعل معه.
رؤية الكاتب هاشم آدم لهذا الكيان السكاني الضخم
للكاتب هاشم آدم رؤية خاصة ونقد محدد تجاه المخزون الثقافي لوسط السودان والجزيرة على وجه الخصوص، وهي رؤية كانت- كما سوف نعرف لاحقاً- لها اسقاطاتها المتعددة على روايته " القنقليز" سواء على مستوى النص أو مكان وزمان الرواية (Setting)، رؤية إستعلائية ظلت تمارسها الانتلجنسيا الصفوية لشمال السودان والتي تقيم بالمركز "الخرطوم" على الكيانات السكانية الأخرى سواء على مستوى الوسط أو الهامش. دعونا من هذا التنظير وهاكم هذا الاقتباس لرأي هشام آدم عن المخزون الثقافي الناضج والضخم لوسط السودان وجزيرته الخضراء. هذا الرأي منشور لمن يريد الإطلاع على موقع سودانايل على الانترنت.
اقتباس: (ولكن أعني بذلك تلك الرؤية التغزلية التي يتعامل بها الأدباء السودانيون تجاه ثقافة سودانية جغرافية بعينها وهي ثقافة أهل البطانة والجزيرة على وجه التحديد، في محاولة منهم لإيهام القارئ السوداني والعربي أن الثقافة السودانية لم تنتج أنضج من هذه التجربة الثقافية المتفردة في لغتها ومفرداتها. فالمتتبع لنصوص الأدب السوداني وحتى على مستوى المسرح والدراما يجد التشدق والالتصاق الواضحين بهذه الثقافة والتي لا تعدو أن تكون واحدة من روافد الثقافة السودانية واسعة التعددية، وبالتالي لا يصح القول بتمثيلها لها.) أهــــ.
على خلفية هذا الرأي يجب أن نتساءل لماذا اختار الكاتب هشام آدم قرية العيكوة وهي تقع جغرافياً في قلب هذا الكيان الضخم، مسرحاً لشخوص روايته؟ وكيف أثر هذا الاختيار على دينامية شخوصه ومفرداتهم الخطابية وطرق عيشهم وتفاعلهم وأحزانهم وأفراحهم على خلفية تراثهم الثقافي الضخم ؟

هشام آدم
_ الميلاد، القاهرة عام 1974م
_ نشأ وتربى بالمملكة العربية السعودية
_ انتقل أواخر العام 1994م إلى بلده الأصلي السودان، حيث درس الآداب بجامعة الخرطوم وتخرج في العام 1998م.
لجنة التحكيم
كانت لجنة التحكيم لنيل جائزة الطيب صالح للرواية مكونة من السادة:
_ د. صفية نور الدين
_ أ- نبيل غالي
_ د. أحمد صادق
محاولة نقدية منهجية لرواية القنقليز
اختيار المكان الزمان أو الــــ- Setting- لأي نص إبداعي تحكمه عوامل عديدة تحددها نوعية النص، روائي مسرحي، سردي تاريخي ألخ... فإذا كانت الرواية خيالية- Fictional – فينبغي على الكاتب الالتزام بحقائق التاريخ والجغرافيا رغم خيالية شخوصه الذين يتحركون في إطار مكاني وزماني محدد اختاره الكاتب بمحض إرداته ليوصل فكرة محددة إلى المتلقي. لم يلتزم كاتبنا هنا بتصوير جغرافيا المكان تصويراً حقيقياً، بل كان تصويره بعيداً عن واقع المكان، كما كان بعيداً كل البعد عن حقائق الزمان. خذ مثلا: (ويحل الظلام أرجاء القرية التي لم تدخل الكهرباء أرجاء واسعة منها بعد) أهـــ. (الفصل 11) ، (فملامح القرية لم تتغير كثيراً. نفس البيوت الجالوصية الفقيرة، غيطان البرسيم والباذنجان البائسة، وحظائر الحمير والمواشي المبنية من الطين والمسقوفة من خشب السدر الهش وسعف النخيل اليابس، ونفس الأرض الترابية يتمدد عليها خط طويل متعرج ومنهوك، هو طريق مرور العربات الوحيد بالقرية) أهـــ (الفصل 14) وهكذا... فالأمثلة التي تدل على عدم الأمانة في نقل جغرافيا المكان نقلاً حقيقياً كثيرة ويصعب إيرادها كلها... تكمن خطورة عدم الأمانة في الوصف الحقيقي للمكان في أن الروايات تعتبر أحد أهم المصادر التاريخية التي يلجأ إليها الباحثون في تقييم حقبة ما، فإذا وضعنا في الاعتبار أن باحثاً ما جاء بعد عشر سنوات ينقب عن حال قرية العكيورة في "زمان" الرواية فسوف يحصل بلا شك على معلومات مغلوطة. خذ مثلاً، الدقة في الوصف التي اعتمدها الروائي تشالز دينكز في روايته (فصة مدينتين)، لباريس وسجن الباستيل، حيث جعل منه مزاراً يحرص كل من يزور باريس على زيارته، وخذ مثلاً، ارنست هيمنجواي الذي خلد مقاهي هافنا وحاناتها لدرجة جعلت الكثير من القراء يتوقون إلى تناول أقداح الجعة في تلك الحانات والمقاهي ليستصحبوا سحر أبطال وشخوص روايات هيمنجواي، وهذا الاستهلال البارع اصطلح على تسمتيه ب(عبقرية المكان). كما أن كاتبنا لم يلتزم هنا أيضاً بالحقائق التاريخية لتلك الفترة الزمنية التي ترجع إلى العام 1988م حسب استنباطنا لما ورد على لسان شخوص الرواية. حيث ذكر "اليأس رزقة" أن طلاقه من أكيج بائعة الخمر البلدية " العرقي" كان في العام 1991م، وحيث أن بطل الرواية شرف الدين كان قد غادر إلى الخرطوم دون أن يكون لـــــ (أكيج) أي زوج وإذا وضعنا في الاعتبار أن شرف الدين رجع من الخرطوم للعيكورة بعد تسع سنوات فهذا يعني أن أحداث الرواية تدور في العام 1988م أو العام 1987م أي قبل مجيء الانقاذ. ومن المعروف أن الهجرات والخروج الجماعي للجنوبيين بدأ بعد إعلان الانقاذ للحرب المقدسة والجهاد في أوائل تسعينيات القرن العشرين حيث بدأت هجراتهم الكثيفة في الانتشار داخل الشمال والوسط وخصوصاً ضفاف النيل الأزرق الغربية حيث أقاموا وشادوا حاناتهم ورواكبيهم كخليات نحل حيث كانوا يبيعون الوهم ويتشروا بثمنه الحليب. شهدت هذه الفترة خروجاً كبيرا لقبائل غرب السودان عموماً وبصفة خاصة قبائل الكبابيش وهي فترة أمحل فيها القوم واحتبس المطر. عليه نصل إلى محصلة مفادها أن الكاتب هشام آدم كان يبحث عن قرية تكون أماً بديلاً أو كياناً لقيطاً يحمل هم روايته، ولربما كان قد سمى قرية باسمها في شمال السودان إلا أنه عدل عن الفكرة خصوصاً أن هناك الكثير من العبارات التي وردت في الرواية تؤكد أنها كانت لقرية بشمال السودان عدل عنها الكاتب لأسباب نجهلها ربما يكون أقربها هو عدم اتهامه بالسير في طريق الطيب صالح ومحاكاته، إلا أن المفارقة تمكن في أن الطيب صالح نفسه بم يسم أي قرية في جميع رواياته، وحتى رواية " موسم الهجرة إلى الشمال" رمزت للمكان بالقول( على قرية عند منحنى النيل). خذ مثلا: (وقرر على الفور أن يشتري لها جوالين من البلح الجيد صباح الغد، قبل أن يتذكر أن موسم البلح قد انقضى منذ شهرين) (الفصل 21) فمن المعلوم أن ليس للبلح ثمة مواسم بوسط السودان ولا يدخل البلح في المتخيل الثقافي لاهل الوسط، كما يدخل القطن والقمح واللوبيا مثلاً، كما أن هناك الكثير من الدلالات التي تؤكد عدم قدرة ماعون قرية العيكورة الثقافي على احتمالها.... (مكوث شرف الدين تسع سنواات بالخرطوم)، وهي غربة طويلة جداً في ظل الموروث الثقافي الذي يحتم على أهل القرية الذين يعملون خارجها بالمشاركة الفعلية في كل المناسبات. وفي كل الدواوين الشعرية لشعراء الجزيرة لم نجد قصيدة واحدة مبنية على الحنين للأوطان كأشعار أهل شمال السودان إذ أن أهل الجزيرة ملتصقين بأرضهم التصاقاً حميماً يمنعهم من الإقامة الطويلة أو الدائمة بالعاصمة أو مدن السودان الأخرى. على مستوى النص عمد الكاتب إلى استخدام اللغة العربية الفصحى في مواقف كانت تستلزم منه استخدام لغة أهل الأرض وكمثال على ذلك:(الرفاش) وهو يعني في اللغة (أداة الحفر)، ويضرب بذلك المثل نحو قولهم: (من الرفش إلى العرش) أي التدرج الفجائي من مجرد عامل إلى ملك أو وزير أو أمير، وكان من الأجدر به أن يستخدم كلمة (الواسوق)، كما إنه استخدم كلمة (الغيطان) ويعني بها (الحواشات) والتي ربما تعكس مدى تأثره بثقافة الدلتا المصرية، وغيرها الكثير من العبارات التي تؤكد إخلاص الكاتب لمبدئه المتمثل في ضرورة عدم التشدق بعامية وسط السودان والبطانة كأداة للتعبير وتؤكد تأثره بالبئية المصرية وانفصاله عن واقع السودان بصفة عامة وهو انفصال لا يد له فيه إذ أنه عاش بعيدا عن وطنه الذي عاد إليه شاباً. لقد أثر اختيار العيكورة مسرحاً للرواية سلباً على نسيج (الحكي) الذي من المفترض أن يقوم على النمط الثقافي لأهل القرية، إذ لا يعقل أن ينزو "شرف الدين" على محبوبته "وقية" كما ينزو التيس على معزته، ويجامعها على مقربة من بيت أخواته البنات وفي اليوم الأول من وفاة أمه. هذا التصرف رغم "خياليته" يعتبر بعيداً كل البعد عن مورثات أهل الجزيرة.
مزالق الفصحي
كما أسلفنا فقد أخلص الكاتب لمبدئه المتمثل بعدم التقيد بعامية وسط السودان والبطانة كأداة تعبيرية واسعة الانتشار. لذا فقد عمد إلى استخدام الفصحى كأداة قادرة على التعبير عن الأحاسيس الماورائية والغوص في المعاني والمكنونات وسبر أغوارها، إلا أن اللغة العربية الفصحى مليئة بمزالق شتى قد تنسف النص وتخرجه من سياقه وتؤدي إلى صورة شوهاء عكس ما قصده الكاتب إذا استخدمت دون تعمق وتمعن وتدبر، كما سنورد هنا.
كلمة (حصور) مثلاً، التي اعتمدها الكاتب ككلمة مفتاحية في فهم شخصية شرف الدين بطل الرواية والتي قصد بها الكاتب أن شرف الدين قرر أن لا يتزوج فقط، تعتبر كلمة خاطئة بكل المقاييس وسوف تؤدي إلى هدم النص وبالتالي الرواية برمتها. كلمة حصور تعني حسب قاموس (لسان العرب): ( الحصور هو الذي لا يأتي النساء ويشتهيهن)، أي أنه الذي لا يتزوج مطلقاً ولا يزني. أما في "المعجم الوسيط" فقد شُرحت كلمة (حصور) على النحو التالي: (الحصور: الممتنع عن الإنغماس في الشهوات) وفي التنزيل: (إن الله يبشرك بيحي مُصدقاً بكلمة منه وسيداً وحصوراً) أهـــ. عليه فإن كلمة حصور المفتاحية هي أقرب إلى معنى كلمة -Puritan))- أي المتطهر- وهو وصف لأتباع مذهب التطهرية- Puritanism))- الذي انشق عن البروتستانتية في العصر اليزابيثي في القرن السادس عشر. إذ كان من الأفضل للكاتب أن يستخدم كلمة (عازب) أو (معزابة) وتعني الرجل الذي طالت عزوبته حتى ما له في الأهل (الزواج او الزوجة) من حاجة (لسان العرب) أهــ. فلو قدر لهذه الرواية الولوج إلى فضاء العالمية أي إذا قُدر لها أن تترجم إلى لغة أخرى فسوف يقع مترجمها في حيرة وربكة، إزاء كلمة حصور هذه. لأنه سوف يدرك أنها تعني التطهر والعفاف وعدم الانغماس في الشهوات ثم يكتشف بعد قليل أن بطل الرواية منغمس في شهواته لدرجة الذوبان في ذاته واتحاده معها.
الوجودية والحرية
يبدو تشرب الكاتب الواضح وتأثره بالفلسفه الوجودية، حيث قام البناء الهيكلي للرواية على هذا المبدأ المتشعب العصي على الفهم. إذا عالج الكاتب بحرفية عالية وإتقان مبهر ووصف عميق مشكلات المسئولية والحرية، والقلق، واليأس، والاغتراب، والموت، والعبث، والجدوى واللامعقول التي تشكل جوهر الوجود الإنساني بوصفه ذاتاً فاعلة ومتفاعلة في محيطها الإنساني العام. خطوط سورين كيركجور، وفريدريك نيتشة، وديتسوفسكي وبييركامي وجان بول سارتر واضحة المعالم في هذه الرواية. تحديداً عالج الكاتب مشكلة الحرية والاختيار وفلسفة الموت والعدم بعمق شديدين.
-لماذا يموت الناس؟
- على الأرجح ، لأنهم لم يعد لديهم ما يقولونه أو يفعلونه!
- لا أظن ذلك.
- ولماذا لا تظن ذلك؟
- لأن جزءاً مني يشعر بالسعادة كذلك.
- حقاً؟
- أجل، الموت شيء مخيف لنا، ولكنه شيء مريح للأموات، أفلا نسعد لراحتهم؟
- معك حق. (حوار فلسفي عميق حول ماهية الموت بين شرف الدين ووقية- الفصل -20).
وفي حوار آخر لشرف الدين مع وقية حول حرية اختيار الحزن:
- ألا تمنح نفسك فرصة أن تحزن عليها لو قليلاً؟
- لقد منحتها الفرصة الكافية، أبديت حزني منذ أن وطأت أرض العيكورة، وحتى دُفنت في سلام، فماذا بعد؟
- إنها أمك؟
- وهل تنكرت لها؟
- لم تكن تحبها إذن؟
- أحبها؟ لا أحد يحب أمه مثلي، ولكنها ماتت الآن.
- أفلا تُبدى بعض الاحترام لموتها؟
- هي تستحق الاحترام، ولكن موتها لا يستحق ذلك، لعلها سعيدة الآن قبل أن يتهمها أحدهم بقتل عمتي عديلة حرقاً. هل تحاولين التهرب مني؟
- لا ولكني حزينة من أجل أمك.
- إذن هل بإمكانك تؤجلي حزنك حتى نفرغ من هذا؟ ما زال للعمر متسع للحزن ولكني اللحظات الجميلة تنقضي بسرعة (الفصل 19).
هذا الحوار يشبه إلى حد كبير موقف الموظف البسيط في رواية (الغريب) لبيير كاميه الذي (يطلب منه الآخرون أن يحزن على أمه بالطريقة التي يراها المجتمع).
خاتمة
سلبيات الرواية
- عدم الدقة في الوصف الحقيقي للمكان والزمان (عبقرية المكان).
- استخدام مفردات عربية فصحى غير صحيحة.
- عدم استخدام مفردات عامية من بيئة المكان في المواقف التي تتطلب ذلك.
- عدم احتدام وتصاعد الصراع بين الخير والشر. أو عدم وجود هذا الصراع أصلاً.
- بطء الحوار والحركة. (عدم وجود دينامية).
إيجابيات الرواية
-عالج الكاتب إرتداد وانسحاب شرف الدين أمام الواقع إلى ذاتة القلقة وعقدته الأبدية الناتجة عن تعرضه (لانتهاك جنسي) في المعتقل وتقمصه وتلبسه لشخصية (حسن البلولة) الخيالية والمتوهمة، وإدمانه للكحول التي كانت تعمل محفزاً لهرموناته الجنسية وبالتالي نزاوته البوهيمية التوهمية، التي خلقت له هلوسة بصرية زائفة بمحسوس غير موجود بروعة نادرة.
- الجرأة في معالجة (تابوهات) القرية، والخروج الصارخ على تراتيب التفكير الجمعي الذي يقدس الإمامة الدينية، والأمومة وقيم القرية، وكلها مقدسات وتخوم غير قابلة للملامسة والمصافحة، بصورة درامية سردية غاية في الجمال وبلغة عربية "رصينة" استطاع بها الغوص في لجج فلسفية عميقة تعجز مفردات اللغة أحياناً عن التعبير عن مكنوناتها.
- البعد الفلسفي العميق المتمثل في استفسارات الموت والعدم والحياة والأسئلة الحائرة للبطل.
- تصوير شرف الدين كشخصية فنانة مرهفة توحدت في روحه النزعة الاختيارية- الميتافيزقية بعاطفة القلق الإنساني في مجتمع قروي بسيط.
- تنازع الخير والشر ومدافعاته غير موجودة في هذا الرواية لذا نرى في الختام بعد أن نكتشف أن شخصية (شرف الدين) لم تكن سوى شخصية لإنسان مريض يرقد بمستشفى التجاني الماحي لمدة تسع سنوات كاملة قرر مدافعة الشر الذي تمثله السلطة والمعتقل بإضافة قناع مبتسم إلى قائمة كمالياتة. ما أورع أن يدفع البسطاء الشر بقناع مبتسم.

هناك 4 تعليقات:

  1. لله درك تحدثت فاوجزت ونقضتة فاقنعت انها الحقيقة مثل هشام ادم وامثالة يشوهون صوه البسطاء من بلادي مع العلم بان هشام لم يولد ولم يتربي في السودان فما كان من الا ان شوه صورة القرية بخبالية المريض (لله درك يا عيكورة من قرية حالمة تنام علي ضفاف النيل)

    ردحذف
  2. أعتقد أن هذا المقال ... نقد الرواية بصورة موضوعية جدا .. و أعتقد فعلاً أن هشام آدم لم يتقيد بالموروث الثقافي لمنطقة الجزيرة ( و أنا من هناك ) ... و أعتقد أنه كان الأحرى أن يستخدم الدارجة في بعض الحوارات .. لكن على كل حال .. الرواية جميلة جدا ... و أعتقد أن هشام آدم عنده قدرة متفردة على رسم شخصيات روايته بعمق .. و وصف التفاصيل الدقيقة للخيال الإنساني ... و بصورة شخصية لا أجد في غياب الصراع بين الخير و الشر مأخذاً على الرواية ...

    ردحذف