الأربعاء، 27 أكتوبر، 2010

حوار في جريدة التيار السودانية


مُعد الحوار: موسى حامد
أعلنت لجنة تحكيم جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي فوز كلٌّ من الروائي هشام آدم والروائي طه جعفر الخليفة بالجائزة الأولى مناصفةً عن روايتيهما (قونقليز) للأول و(فِركة) للثاني. التقينا بالروائي هشام آدم بعد فوزه بالجائزة مباشرة ودار الحوار بيننا عن فوزه بالجائزة وعن روايته الفائزة. وهشام آدم الروائي له عدد من العناوين الروائية منها ما صدر عن دور نشر عربية مثل (ارتكاتا)، (السيدة الأولى) و(أرض الميت). وله عددٌ من المخطوطات قيد النشر منها (كراج)، و(بتروفوبيا) وبالطبع (قونقليز) الرواية الفائزة في هذه المنافسة. فإلى إفاداته.....

* فوزك بجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي يعني من جملة ما يعني تعميدك روائياً يستحق أنْ يُقرأ، كما يعني إضافتك لجملةٍ من الروائيين الجيّدين – على رأي لجان التحكيم - الذين فازوا من قبل بالجائزة، هذا ما رأيناه فكيف ترى فوزك بالجائزة؟
إذا كان ذلك رأي لجنة المُحكّمين، فأنا شاكرٌ لهم هذا الرأي، وإنّه لشرفٌ كبير لي أنْ أكون بقامة روائي كـ بركة ساكن أو الصويّم أو يعقوب بدر عبيد، ولكني قد لا أوافقكَ الرأي كثيرًا في اعتقادكَ بأنّ فوزي بالجائزة يُعتبر تعميداً لازماً باستحقاقي للقراءة، هذا الأمر ليس دقيقاً إلى حدٍّ كبير؛ لأنه يعني أنّ أولئكَ الذين لم يُحالفهم الحظ بالفوز حُرموا من هذا الاستحقاق، وهذا ليس صحيحًا. الأمر باختصار أنَّ ثمة روايات توافقت وتماشت (مُصادفةً) مع المعايير التي ارتضتها لجنة المُحكّمين، في الوقت الذي لم تكنْ بقية الروايات متوافقة مع هذه المعايير، ولولا ذلك لكانت النتيجة مختلفة عمّا أُعلنت. وعن نفسي فإنّني أعتبرُ فوزي بالجائزة تعبيراً عن إعجاب وتقدير أعضاء لجنة التحكيم فقط، وهو تقدير أعتزُّ به كثيرًا ويُسعدني دون شك، ولكن بشكل شخصي، ولا يجعلني مفروضاً على القارئ السوداني بالإطلاق. هذا الفوز يمنحني فرصة جيّدة لتعريف القارئ السوداني بما لديّ، ولو كانت معايير لجنة المحكمين مختلفة أو ربما لو تغيّرت لجنة المُحكمين لكنَّا الآن نُبارك لروائيين آخرين. ولاشك أنَّ التقدير الإيجابي أمرٌ ضروري ومطلوب للإحساس بالإنجازيّة ومن ثمَّ الاستمرار.

* قالت اللجنة المحكِّمة في تقريرها عن رواية (قونقليز) الفائزة أنَّ الراوي :(عالج ببراعة تراجيديا الشخصية المحورية (شرف الدين) وذلك عبر تقنية التجريد والتأمل لتتشكّل صورة ناطقة لانتصاراته وانكساراته في معاركه الإنسانية والسياسية. نجد أنَّ الكاتب قد تبنى تقنية استرجاع الماضي من منظور لحظة آنية ليجد نفسه غارقاً في رتابةٍ ومللٍ لحظة زمن اجتماعي باهت. امتزجت الواقعية و الفنتازيا بأُسلوب سهلٍ ممتنعٍ وصيغة سردية غير معقَّدة.). هذا قول اللجنة تُرى ماهي الفكرة الأساسيّة التي دارت حولها الرواية أو ناقشتها؟ - تُرى ما هي الفكرة "الأساسية" من حياة أحدنا، أو قصة حياته بالأحرى؟
لا شيء اسمه فكرة أساسية في الرواية، هذا الأمر ينطبق إلى حد كبير على الفن الشعري حيث وحدة الموضوع والفكرة التي تقوم عليها القصيدة، ونعرف أنّ ثمّة وظائف أو موضوعات شعرية: مدح، غزل، هجاء، فخر إلخ في الشعر، ولكن الرواية – باعتبارها واقعاً حياتياً موازياً- فهي مجموعة من الأفكار والرؤى التي تتداخل وتتسق مع أحداث أو وقائع الرواية، وكل حدثٍ وراءه فكرة قد نُدركها أحياناً، وقد لا ندركها في أحيان أخرى. وتقييم وتصنيف هذه الأفكار بشكل مُجملٍ لا يخلو من الذاتية، فقد نرى الإنسان فنغبطه على حياته المترفة، ولكن تقديره الذاتي لحياته يكون سلبياً عكس ما نتوقّع. المُبدع مهمته تكمن في إبداع العمل حسب أدواته التي يملكها، وحسب معارفه: الاجتماعية والسياسية والأدبية واللغوية والعلمية، وتقييم هذا العمل واستخلاص أفكاره هو مهمة القارئ وحده. من الجيّد أن نترك النص يتحدثُ عن نفسه، أنْ يقرأ كل شخصٍ فيه ما يراه بحدسه وتجربته الشخصية، دون أن نقمعه بصورة أو فكرة مُسبقة، فالقراءة عمل إبداعي أيضاً لا يستقيم بلا حُرية. قد تكون لدي فكرة رئيسية كانت وراء هذا العمل فعلاً، ولكن ما قيمة هذا التقييم الشخصي أمام قيمة حُرية القراءة التي هي من الحقوق الأصيلة للقارئ؟ قد أقرأ نصاً أدبياً فأرى أنّ جوهره سياسي رمزي، في حين قد يقرأ غيري ذات النص، فيرى أن جوهره اجتماعي واقعي، وآخر يرى أن جوهره رومانسي عاطفي، وهكذا قد تتعدَّد الأفكار الأساسية داخل النص الإبداعي، وهو ما يهب النص حيويته وقوته. تدور أحداث الرواية في فراغين مكانيين (ريف العِيْكُورة - الخرطوم) وفراغين زمانيين (الماضي - الحاضر) وربما رأى فيها القارئ أفكار جديدة لم ترد في ذهني أثناء كتابة الرواية نفسها، فلماذا نحرم القارئ هذه المتعة وهذا الحق الأصيل له، فقرّاء الرواية فطنون ولا تنقصهم البراعة على الإطلاق.

* صدرت لك جملة من الروايات خارج السودان، ولك عدد منها قيد النشر، لكن عدد من المهتمين بالرواية والكتابة بشكل عام يغيب عنهم اسمك لأنهم لم يقرأوك بشكل جيد، كيف تقيم هذا الأمر؟ الإجابة على هكذا أسئلة لا تكتمل إلا بالعروج على مصاعب النشر وتخلُّفه؟ وهل في البال إصدار هذه الروايات في السودان أو توزيعها فيه؟
هذه واحدة من الدوافع الأساسية التي كانت وراء تقدّمي للجائزة، فبالإضافة إلى مكانة الجائزة نفسها، كانت رغبتي في الحصول على موطئ قدمٍ لي في المشهد الثقافي والأدبي السوداني هي الدافع الأقوى للاشتراك في هذه المسابقة. حاولت الاشتراك في المسابقة في دورتها السابعة والتي فاز بها الروائي المقتدر عبد العزيز بركة ساكن عن روايته (الجنقو .. مسامير الأرض) ولكن الرواية لم تكن مستوفية للشروط. من الصعب أن تُصبح معروفاً للغير، في الوقت الذي لا يعرفك فيه بنو وطنك. صدرت لي حتى الآن أربع روايات عن أربعة دور نشر مختلفة بين القاهرة وبيروت، وبعض هذه الروايات تم ترشيحها لجائزة البوكر العربية من قبل دور النشر نفسها، والحقيقة أنَّ واحدة من مشكلاتي الأساسية تكمن في استحالة توزيع هذه الإصدارات داخل السودان، ولكنني في الوقت نفسه لا أفكّر في التعاون مع دور النشر السودانية، فهي من ناحية مُكلّفة جداً مقارنة بدور النشر العربية، ومن ناحية أخرى فهي تكون حائلاً دون نشر هذه الأعمال خارج الوطن، وتكون المشكلة عكسية، وكأن القاعدة تقتضي إما أنْ أنشر خارج السودان مُستغنيًا عن التوزيع داخل السودان، أو أن أنشر داخل السودان مستغنيًا عن التوزيع خارج السودان، وكنتُ أتمنى أن ينجح اتحاد الناشرين العرب في حل مشكلات التوزيع التي يُعاني منها الكُتاب في الوطن العربي، وليس فقط في السودان، وأتساءل عن دور اتحاد الكُتاب السودانيين إزاء هذه المشكلة، ولا أعرف ما إذا كانت هنالك نقابة أو اتحاد للناشرين السودانيين أم لا؛ إذن لكان علينا مراجعتهم بخصوص هذه المشكلة، وغيرها من مشكلات النشر. كان لابد للوصول إلى هدف كهذا أن أحاول الارتباط بفعالية لها قيمتها داخل الوسط الثقافي السوداني، فالمشاركة بكتابة مقالات أو نصوص أدبية في الجرائد، رغم فائدته، إلا أنَّه يظلُّ غير فاعل كفاية، فقد يقرأ لي أحدهم نصاً إبداعياً أو مقالاً أدبياً في جريدة ما فتعجبه، ولكن يظل هذا العمل عاجزاً عن ربطه بي ككاتب يستحق المتابعة، لاسيما إذا أخذنا في الاعتبار أنني لستُ كاتباً راتباً في أي من الجرائد المحلية، وبالتالي فإن لهذا التأثير مدى قصيرًا للغاية، ولكن ارتباط اسمي بجائزة ذات مستوى مرموق محليًا كهذه الجائزة كان له أن يحقق ما أصبو إليه.

* وأنت منذ فترة طويلة مقيم خارج السودان ولك صداقات ومعرفة بأصحاب الاهتمامات الأدبية، كيف ساهمتم في نشر والتعريف بالأدب السوداني، أنا أعرف أن الأمر فردي هاهنا على اعتقادي أنه واجب مؤسسات غائبة، لكن كيف ينظر لأدبنا السوداني في الأمكنة التي تحركت وأقمت فيها مصر والسعودية مثالاً؟
المُبدع السوداني يُقابل بحفاوةٍ بالغةٍ في الأوساط الأدبية الأخرى، وهنالك إشادات كبيرة ومحترمة عن الأدب السوداني والكُتّاب السودانيين، ولا أدل على ذلك مما كتبته الأديبة ليلى البلوشي بعد قراءتها لكتابات بركة ساكن في مقالتها (الأدب السوداني أدب نضجته الشمس وغافلته الريح): "اعترف بأنني كنت أطلّ على الأدب السوداني من نافذة ضيقة ، لم يتجاوز ذوقي في عبوره سوى على أعمال الطيب صالح ، وحين انتهيت من قراءة كل أعماله ، وذلك مذ سنوات اعتقدت وكم كنت قاصرة المدى باعتقادي ذاك أن الأدب السوداني انتهى عند الطيب صالح (...) الصفة الاستثنائية التي يتمتع بها الأدب السوداني هي أنها متوالدة ، فما تكاد تفرغ من نص ما ، حتى تغوص في لهاث مستحكم لمتابعة نصوص أخرى للكاتب عينه ، ولا يهدأ اللهاث عند نقطة معينة بل يتجاوزها حين تتكشف حواراته عن أسماء أخرى في جغرافية البلد نفسه ، وكانت ذاكرة قارئها فقيرة حيال معرفتها" وكذلك ما كُتب عن أمير تاج السر، وعن مُحسن خالد وعن عبد الغني كرم الله وغيرهم كثير، ولكن –بالمقابل- هنالك افتقار للنصوص الأدبية السودانية بصورة عامة. هذه مشكلة كبيرة، فمعظم المثقفين العرب لا يعرفون من الأدباء السودانيين إلا الطيب صالح، وكانت مهمتنا (نحن أبناء هذا الجيل) تكمن في تجاوز عقبة الطيب صالح التي حالت دون تعريف الآخرين بإنتاجنا، بل وأخضعنا قسراً إلى معياره. نحن نريد أن نقول لهم إن هنالك غير واحد من الطيب صالح في السودان، وأنهم جميعاً يستحقون القراءة والإشادة والإعجاب، وأن رحم هذا الوطن خصب ومليء بالمبدعين الذين نفخر بهم. القارئ العربي نهم جدًا تجاه الأدب السوداني، فهو يُريد أن يعرف أي شيء عن السودان: ثقافته، حضارته، أدبائه، إنجازاته. ولتحقيق هذه الغاية كان لابد لنا من كسر طوق العزلة المفروض على المُبدع السوداني، وأن نقتحم مجال الآخر بكل قوة، فشاركتُ في المواقع الإلكترونية العربية المشهورة، فكانت البداية من موقع ديوان العرب، ثم موقع كيكا، ثم موقع الحوار المتمدن، وهكذا فإننا نطرح إنتاجنا الأدبي للآخر ويتم تدويله في عدة مواقع أخرى. هذا الأمر ساهم في تعريف القارئ العربي بنا، وبالتالي أصبحنا جزءًا من الحركة الأدبية العربية العريضة، فساعدنا ذلك على المشاركة الفاعلة في جميع المناشط التي يفتقر إليها الكاتب السوداني بالداخل، كالاشتراك في الفعاليات والمهرجانات الأدبية كمشاركة القاصة السودانية رانيا مأمون في ورشة العمل التي تقيمها جائزة البوكر العربية في دولة الإمارات، وكذلك المشاركة في الأنطولوجيات العربية، كأنطولوجيا القصة العربية التي تكفلت دار ليلى بطباعته ونشره بثلاث لغات: العربية والإنكليزية والرومانية، وكذلك ساهمت هذه المشاركات في أن يطلع المهتمون من غير العرب على إنتاجنا ومن ثم إبداء رغبتهم في الترجمة لنا كما فعل المستشرق البلجيكي البروفيسور إكسافير لوفان عندما ترجم لعدد من القاصين السودانيين (كان لي الشرف أن أكون أحدهم) مجموعة من النصوص إلى اللغة الفرنسية.

* أخيراً؛ أعرف أن مسؤولية ما ألقتها على عاتقك فوزك بهذه الجائزة المهمة؟
عندما نتكلم عن الكتابة الأدبية، فإننا نتكلم عن مستوى معلوم من المسئولية، وعلى هذا فإنني لا أشك على الإطلاق أن كل كاتب مُبدع يحمل مسئولية الكتابة على عاتقه، ويوليه أهمية بالغة، ولكن حصولك على جائزة كجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي، وهي أكبر جائزة على المستوى المحلي، لاشك أن هذا يُشعركَ بشيء من الخوف، وهذا الخوف في الحقيقة هو ما يعتقد بعضنا أنه إحساس بالمسئولية. يتوقع القارئ - حين يقتني رواية لروائي حاصل من قبل على جائزة كجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي- أن يقرأ كتابة في مستوى معين نخشى جميعاً ألا نكون فيه، ولهذا فإننا نشعر بأن الكتابة لم تعد أمرًا سهلاً على الإطلاق، وأنه يتوجب علينا، أن نراجع ما نكتب، وأن نجوّده حتى نقترب قدر الإمكان من ذلك المستوى الافتراضي المتوقع. ولاشك كذلك أننا ككتاب لنا احتكاك واسع بالساحة الثقافية العربية أن نستغل هذه المناسبة بشكل جيد وحكيم في تعريف الآخر بالحركة الأدبية داخل السودان، لاسيما إذا وضعت عباءة الطيب صالح على أكتافنا متمثلة في هذه الجائزة المقدرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق