الأحد، 10 أبريل 2011

قراءة نقدية في رواية: فِركة

بقلم: هشام آدم 
"فركة" الرواية الممنوعة من النشر من قبل لجنة المصنفات السودانية، هي رواية للروائي السوداني طه جعفر الخليفة الحائزة على جائزة الطيّب صالح للإبداع الروائي في دورتها الثامنة 2009 – 2010 ومن المفارقات الغريبة أن يتم مصادرة رواية حائزة على جائزة لها صيتها وسمعتها كجايزة الطيّب صالح، وربما لم تكن "فركة" هي الأولى، فقد صادرت لجنة المصنفات –من قبل- رواية "الجنقو – مسامير الأرض" للروائي السوداني عبد العزيز بركة ساكن، وهي الرواية الفائزة بنفس الجائزة مُناصفة في دورتها السابعة 2008 - 2009 وهو ما يُسلّط الضوء على هذه القضية (قضية الرقابة على المصنفات الأدبية الحائزة على جوائز ذات سمعة وتقدير) ويجعلنا نطرح تساؤلات كثيرة حول المعايير التي تستند إليها لجنة المصنفات مما تغيب على لجنة الجائزة نفسها، وبالتالي تساؤلات حول أبعاد هذه الشقة في التقييم وموضوعيته من عدمها، وما يُمكن أن ينتج عن هذه الشقة من وضع لجان التقييم والتحكيم والتصنيف في المحك، طاعنةً في مصداقيتها وموضوعيتها من أساسه؛ إذ لا يُعقل أن تصادَر رواية اجتازت معايير أدبية شديدة الصرامة والحيادية كالتي تضعها لجان تحكيم الجوائز ذات السمعة، إلا أن تكون هذه المعايير ليست بذات قيمة تذكر لدى لجنة المصنفات، وبالتالي الطعن في موضوعية لجنة المصنفات ودورها ووظيفتها في المجمل.

على كُلٍ فهذه الرواية التي نحن بصدد التقديم لها، لهي رواية تعج بالتفاصيل المحلية السودانية الممهورة بسحر الكجور والأجواء السحرية الآسرة. وهي من الروايات التي تؤكد على استشراء مدرسة الواقعية السحرية في الأدب السوداني والتي وضع لبنتها الأساسية بكل اقتدار الروائي الكولمبي العالمي "غبريال غارسيا ماركيز" (1972) في تناوله لواقع أمريكا اللاتينية، مُحدثاً بذلك نهجاً سردياً جديداً في فن الرواية، ثم تبعه على ذات النهج عدد كبير من أدباء أمريكا اللاتينية ثم بعض الأدباء الأوربيين من أصول أفريقية، ثم توغلت هذه التقنية إلى الرواية العربية بشكل عام. إلا أنني –في الوقت نفسه- أعتبر "فركة" رواية كلاسيكية بجدارة، فرغم استخدام الكاتب للأجواء السحرية، وتداخل الأزمنة داخل الرواية، إلا أن التكنيك الذي استخدمه في السرد تكنيك كلاسيكي يعمد إلى محاولة فصل مشهدين مكانيين (أو أكثر) والسير بهما بشكل متوازٍ في وتيرة زمانية واحدة، بحيث تقدم بعض المشاهد ما يحدث لفركة ورفيقاتها في الأسر، وتقدم مشاهد أخرى ما يحدث لأبيها وأمها في القرية، وعلى الرغم من اختلاف المشهدين مكانياً إلا أننا نجد رابطاً موحداً يجمع بينهما ألا وهو اختطاف فركة، وهي الوحدة الشعورية التي تجمع بين المشهدين، ويجعنا قادرين على تصوّر ما يحدث في كل مشهد مكاني على حدة، وربما يلجأ بعض الروائيين في الإيحاء بانفصال المشهدين المكانيين شعورياً، حتى يُفاجئنا أخيراً بروابط وعلاقات خفية بين شخصيات كل مشهد مكاني، ومن ثم دمج المشهدين في مشهد واحد متكامل. وهنا نقف على بعض الخوروقات في هذا التكنيك، وسوف نناقشها فيما سيأتي من هذه القراءة النقدية.

التكنيك الذي استخدمه الكاتب في هذه الرواية هو الفصل بين المشهدين الروائيين مكانياً والربط بينهما موضوعياً، بحيث يُمكنه الانتقال –بين كل فترة وأخرى أو فصلٍ وآخر- بين المشهدين، دافعاً بأحداث المشهدين زمانياً إلى نقطة واحدة مشتركة؛ بأن ما يحدث في المشهد المكاني الأول يحدث (تزامناً) مع ما يحدث في المشهد المكاني الثاني، وهو أسلوب كلاسيكي، هجره عدد كبير من الكتاب الشباب، وانتقلوا إلى أبعاد سردية موغلة في التداخل والغموض، ولقد كانت لدى الكاتب هنا فرصة لاستغلال الغموض الذي تم تخليقه في النص بسبب الأجواء السحرية والكجور، لتخليق نمط فنتازيا يُساعده على كسر هذه الكلاسيكية، ولكنه لم يفعل وسوف نتطرق إلى ذلك لاحقاً.

تدور أحداث رواية "فركة" في مدينتين: "كاسي" الواقعة على جبل التروج والتي تقطنها قبائل الكواليب، و"شندي" في الوسط العربي، وليس في إمكاننا أن نجزم بكون الفضائين المكانين للرواية فضائين جغرافيين بالضرورة بقدر ما يمثلان إشارات لفضاء ثقافي يتناول أحد الأمور التي تجاوز عنها التاريخ السوداني الحديث، وغض الطرف عنها إلا فيما خلا إشارات خجولة كانت الحاجة (وليس التوثيق) هي الداعية إليها. وهذه واحدة من النقاط المثيرة للجدل في فن الرواية؛ إذ أن الرواية كفن سردي هو واقع مجازي يستمد قوته من الواقع الفعلي، ولكن يختلف البعض في مدى قدرة الرواية أو إمكانية أن تكون الرواية مرآة حقيقية لنقل الواقع كما هو، وهم بذلك يخلطون بين فن الرواية وفن التاريخ أو السيرة الذاتية واللتان ترتبطان بالواقع الفعلي ارتباطاً كاملاً وغير منفصل. أما الرواية فهي لا تهتم بنقل الواقع (الحدث-الأحداث) وإنما بنقل تداعياتها وتتبع مآلاتها عبر خلق وقائع موازية للواقع الفعلي، وهذا ما يجعلنا نفرّق بين التاريخ كعمل مهني احترافي موضوعي، والرواية كعمل أدبي ذاتي إلى حد بعيد، أو على الأقل في جانب من جوانبه، وفي حين بالإمكان محاكمة المؤرخ عندما لا يتحرى الصدق والدقة في نقل التاريخ، فإنه لا يُمكننا محاكمة الروائي عندما لا يتحرى الأمانة في نقل الواقع، لأنه –في الحقيقة- لا ينقل الواقع من حيث هو سرد تاريخي، وإنما من حيث هو تأثير ثقافي وفلسفي يرمي بثقله في مخيلة الكاتب في المقام الأول، وعندها قد نتفق معه حول ذلك أو لا نتفق، هذا أمر آخر.

تناولت الرواية قصة صيد الأرقاء الزنوج وبيعهم في أسواق الجلابة العرب من قبائل الرباطاب والجعل والشوايقة وبعض قبائل البطانة التي مارست عادة الاسترقاق لسنوات طويلة واشتهروا بها في حقبة زمانية محددة، هي حقبة السلطنة الزرقاء "الفونج". وذكرتنا قصة "فركة" قصة "كونتا كنتي" التي رواها الكاتب الأمريكي من أصول أفريقية (أليكس هايلي) (1921 - 1992) في روايته العبقرية "الجذور" والتي تناولت طرائق صيد العبيد وكيفية ترويضهم والتعامل معهم وإعدادهم ليصبحوا –فيما بعد- عبيداً "صالحين". لا أحاول القول بحدوث تناص أدبي ما، بين قصة كونتا كنتي وفركة، ولكن مما لاشك فيه أن أيّ نص روائي يتطرق إلى قضية الرق والرقيق لابد أن يتقاطع ويتشابه بطريقة أو بأخرى مع القصص الأخرى المشابهة، ففي غالب الأحوال تكون الأحداث هي نفسها، والعذابات التي يواجهها العبيد عند اصطيادهم وترويضهم والمعاملة السيئة التي يجدونها على أيادي أسيادهم هي نفسها، ولكن تختلف مآلات كل قصة وتفاصيلها الداخلية، ففي حين نجحت فركة في العودة إلى ديارها، بعد محاولة واحدة يتيمة وفاشلة للهرب كما جاء في الرواية [ص87] كانت العودة في "الجذور" ليست سوى حلم راود بطلها "كونتا كنتي" بعد أن أظنته المحاولات العديدة والجادة للهرب، والتي كان من جرائها أن بترت قدمه، ثم نسي فكرة الهروب واقتنع بواقعه الجديد حتى تزوّج وأنجب ونجح أحفاده –فيما بعد- في نيل حريتهم أخيراً دون أن يفكروا في العودة إلى ديار أسلافهم مُجدداً.

وإن نحن نظرنا إلى الأمر من هذه الزاوية، فإننا نجد أن "فركة" رواية انهزامية، أو في أفضل حالاتها رواية تعبّر عن مفهوم الثورية السلبية، ففيها الكثير من الركون إلى الحلول الميتافيزيقية والسحرية والتي تسلب الإرادة الحربة، ففركة لم يصدر عنها خلال سنوات اختطافها أيّ سلوك ثوري يرمي إلى تغيير واقعها في الأسر؛ بل نجدها في الرواية مستجيبة لعمليات التجميل وتعلّم الخدمة والذهاب إلى السوق، على أن الأمر لا يخلو من لمحات سريعة وغير واثقة تجدد في بعض الأحيان، فنراها حاولة الهرب مرة واحدة، كما أنها رفضت الانصياع لسيّدها حسان ود المك ولم تستسلم لرغباته الرعناء، كما أنها رفضت الاستسلام لسيّدها المك نفسه، وهو ما سوف نأتي على ذكره باستفاضة، ولكنها في المجمل الأعم كانت لا تحاول مقاومة الواقع نفسه، وإنما كانت تحاول فرض سياج يجعلها سريعة التأقلم على الواقع بالطريقة التي تراها مناسبة وأخلاقية، وهو ما يجعلنا نسمّي ما كانت تقوم فركة بالثورة السلبية، فلم تشهد الرواية أية مشاهد صدامية من الممكن توقعها في قصة كهذه، ففركة في الحقيقة لم تلجأ إلى إحداث التغيير في واقعها، بل ظلت محافظة على فعل المقاومة، دون أن تكون لهذه المقاومة أية مآلات أخرى غير المقاومة نفسها، لتكون –بذلك- المقاومة السلبية نسقاً ثورياً بحد ذاتها، ثم إن اعتمادها على الكجور والحلول الميتافيزيقية يُعزز هذه السلبية بصرف النظر عن مدى وثوقيتها في هذا الكجور واعتباره كمُعتقد مُقدس لا يُمكن المساس به.

ومن ناحية أخرى فرواية "الجذور" تتناول عمليات تشويه عرقية متمثلة في خلق نسل هجين وأخلاط تمت عبر وطأ الأسياد البيض للإماء السوداوات والإنجاب منهن، وكيف أن هؤلاء المواليد الجدد ينخرطون في تلك الديار ولا يرون لهم دياراً أخرى غيرها، بل إن كثيرين منهم لم يكونوا يعترفون بأصولهم الأفريقية، فكانوا لا يعرفون شيئاً عن أفريقيا غير أنها بلد أجدادهم فقط، وهي بذلك تتناول عمليات الرق العابرة للقارات والتي كانت تتم بين أفريقيا وأوربا أو أمريكا، بينما تتناول فركة عوالم الرق الداخلي، واستعلاء الجنس العربي على الجنس الزنجي في بلد واحد، ولهذا فإن هؤلاء الأرقاء كانت لديهم معضلات أكبر من تلك التي كانت لدى الأغيار، فالرق هنا ليس مُبرراً باللون والسحنة فقط بل وباللغة أيضاً، فهو رق ثقافي أكثر منه رقاً تجارياً أو عرقياً حتى؛ إذ أشارت الرواية إلى رق غير عرقي كما في قوله: "الحمّالون والمراكبية خليط من الأرقاء والعرب، جميعهم يتكلمون بلسان واحد ولهجة واحدة، إذ آخى بينهم العمل. الأرقاء ينحدرون من أصول مختلفة، وكذلك الأحرار"[الرواية: ص55]

وربما كان ذلك سبب منع رقابة المصنفات من نشر رواية "فركة" داخل السودان؛ فهي تشير إلى هذا الجانب إضافة إلى تسليطها الضوء على جانب معتم من تاريخ الدولة السودانية في العهود الإسلامية التي من المفترض أنها جاءت لتعلي شأن الإنسان ومساواة العربي بالآخر حتى وإن تكلّم العربية، وهذا ما ألمح إليه الكاتب في عدد من المواطن، منها على سبيل المثال: "اللغة التي علّمها إياها أبوها، كانت كلاماً عن الدين والجنة والنار، وكلاماً عن أناس مثل النبي الكريم وزوجاته وأصحابه، وكلاماً عن الصلاة والصوم ومكارم الأخلاق. فركة زاوجت بين نوعين من كلام العرب؛ كلام العرب الذي علّمها إياه أبوها، وكلام النهاضة الذين يقتلون ويخطفون ويُقيدون ويعذبون ويصلون على موتاهم ويلقون بابن عمها المقتول في التراب لتأكله السباع وهوام الأرض"[الرواية: ص42-43] وهنالك إشارات كثيرة في الرواية لمثل هذه المقابلات التي تؤدي إلى نفس المعنى تقريباً. وإن نحن وضعنا الروايتين: "فركة" و "الجنقو" الممنوعتين من النشر من قبل لجنة المصنفات، لمحاولة تخمين أسباب المصادرة من التشابهات الموجودة بين الروايتين، نجد أن كلتا الروايتين تناولاتا المسكوت عنه في التاريخ السوداني، وأنهما سلطتا الأضواء على طبقة المهمشين والأغيار في الثقافة السودانية، ففي حين تناولت "الجنقو" حياة عمّال الحصاد المهمشين ومآسيهم، تناولت "فركة" حياة العبيد والأرقاء ومعاناتهم مع الرق والاستعباد. كذلك فإننا نجد أن كلتا الروايتين تعاملتا مع الثقافة السودانية وأنزلتاها كما هي دون محاولات التجميل والتحايل، لاسيما فيما يأتي على لسان الشخصيات الروائية من كلمات يتم تداولها في الذاكرة السرية لرجل الشارع البسيط مثل كلمة "شرموطة" وغيرها، مما قد تراه لجنة المصنفات على أنه كلام خادش للحياء العام. وكذلك فإن كلتا الروايتين تقدمان نماذج مغايرة لتلك النماذج الافتراضية لدولة المشروع الحضاري، ولاشك أن أيّ محاولة لتشويه هذا النموذج أو الطعن فيه سوف يمس –مباشرة- بسياسات الدولة العليا، وفي هذا الحال فإن دور لجنة المصنفات لا يخرج عن كونه دوراً سياسياً أكثر منه أدبياً أو ثقافياً.

جاءت الرواية في 154 صفحة من القطع المتوسط، وهي بذلك تدخل ضمن فئة الروايات القصيرة، وهو ما يغلب على الروايات المعاصرة، حيث بدأت الروايات الطويلة بالاختفاء شيئاً فشيئاً، ولم يعد بمقدورنا قراءة رواية من 500 صفحة أو أكثر كما في بعض الروايات الطويلة في يوم واحد أو جلسة واحدة، كما فعلت بنا رواية "فركة" وبعض الروايات القصيرة الأخرى. الأمر الذي يجعلنا نقول -بشيء من التحفظ- إن الرواية العربية استفادت من الإيقاع المتسارع للعصر الذي نعيشه، وهو عصر يفرض علينا هذا الإيقاع السريع، ويفرض هذا الإيقاع سطوته على كل ما حولنا، بما في ذلك الآداب والفنون بكافة أشكالها وأنواعها.

جاءت رواية "فركة" مليئة بالتفاصيل الموغلة في المحلية، وهو ما يكشف لنا تمتع الروائي بحصيلة معرفية وافرة وواعية من ثقافة الأجواء التي تناولها في روايته، وهي ثقافة الوسط المركزي: ثقافة أهل البطان والقبائل المستعربة، المتحدثة بلسان عربي وبعضها الذي يعتقد أن له جذوراً راسخة في الثقافة العربية، أو أن لهم أسلافاً قادمين من الجزيرة العربية. وللوهلة الأولى قد يُخيّل للقارئ عند قراءة اسم الرواية أن كلمة "فركة" في الرواية هي المُرادف اللغوي للقرمصيص السوداني المعروف والمُستخدم في المناسبات الخاصة كالزواج والختان، كما قد خطر لي شخصياً، ولكن "فركة" في الحقيقة ما هي إلا شخصية روائية ربما أخذت اسمها من الأيقونة الثقافية المعروفة، وهو أمر شائع عند بعض القبائل السودانية التي تستخدم بعض الكلمات المعروفة كأسماء مثل: "نفرين" و "قرشين" وغيرهما من الأسماء ذات الدلالات المادية الأخرى، وغير المادية مثل: "اشتراكية" و "تعبان" وغيرهما.

شخصيات الرواية:
تزخر الرواية بالأحداث والتفاصيل والشخصيات، ولكن الملاحظ أن قلة من الشخصيات الروائية في هذه الرواية هي من يُمكن اعتبارها شخصيات محورية، على الرغم من التعمّق في ذكر بعض الشخصيات التي لا يُمكن عدّها من الشخصيات المحورية، فشخصية مثل شخصية سلطان ود شريف ود رحال (والد فركة) لا يُمكن اعتبارها شخصية محورية، ورغم ذلك فإننا نجد الكاتب قد استفاض في الحديث عنه وعن تاريخه، وكذلك عدد لا بأس بهم من الشخصيات الأخرى التي تناولها الكاتب بالشرح والإيضاح، رغم أنها لم يكن لها تأثيرات واضحة على مجريات الأحداث داخل الرواية، فنراه يسهب في توصيف "كادوقاي – والدة فركة" فيقول: "كادوقاي فاتنة وجميلة رغم امتلاء جسدها فهي طويلة أصاب صدرها قليل من الترهل، فسالت الأثداء على صدرها كقطرات الماء على الزجاج، حول فمها تنبت نونات جميلة عندما تبتسم. ابتسامتها تفرح الحاضرين، امتلاء جسدها جميل يجعل جسمها القوي يتربرب بغنج ودلال"[الرواية: ص5] رغم أن شخصية كادوقاي لم تكن من الشخصيات الأساسية في الرواية، هذا إن لم نصنفها على أنها من الشخصيات السلبية في الرواية، مستندين في حكمنا هذا على ما جاء على لسان الراوي نفسه: "وهناك في كاسي كادوقاي ربطت على يدها اليمنى عصابة من الدمور، وأعلنت الصوم عن الطعام (...) كادوقاي لم تسمع كلام أحد"[الرواية: ص21] ولها مشاهد تتضح فيها سلبيتها بأشكال أكثر وضوحاً. وحسب قراءتي الشخصية للرواية فإن الشخصيات المحورية في الرواية كانت "فركة" وحدها لا غير، وأن بقية الشخصيات الأخرى كانت شخصيات هامشية، إلا إذا استثنينا شخصية: الزاكي وعوض الكريم (النخاسين) على اعتبار أن وجودهما في الرواية كان مؤثراً في إحداث عقدة الحكي والأحداث ورفع وتيرتهما، وهنالك شخصيات كان لها تأثير نفسي جوهري للغاية كشخصية "ست فضيل" التي احتضنت "فركة" وتولت تعليمها الخدمة وتزيينها وإعدادها لسيّدها المك.

ومما يُمكن ملاحظته في هذه الرواية: فقر التوصيفات الجسمانية لبعض الشخصيات الأساسية في الرواية، بحيث يصعب على القارئ وضع تصوّرات ذهنية كاملة لهذه الشخصيات رغم تأثيرها الكبير داخل الرواية وفي مجريات الأحداث، فشخصية مثل شخصية الزاكي وعوض الكريم باعتبارهما شخصيات محورية، من حيث أنهما النخاسة اللذان تمكنا من صيد فركة وبعض العبيد، لم يفرد الكاتب لهما توصيفاً جسمانياً يُمكن الاعتماد عليه في رسم تصوّر خيالي لهما، وكذلك شخصية المك الذي قام بشراء فركة، وكان من المتوقع أن يُسهب الكاتب في سرد تفاصيل وصفية وافية عن المك، وبالتالي تم تهميش دور هذه الشخصية التي كان يُتوقع منها الكثير، لكننا وجدناه يُسهب في الحديث عن زوجاته (زوجات المك) واللواتي لم يكنّ شخصيات ذات تأثير ملحوظ وفاعل في الرواية، كما نجد في قوله: "أهل ستنا (زوجة المك الكبرى) من العبدلاب في قرّي"[الرواية: ص77] وكذلك في قوله: "ستنا؛ زوجة المك، من بنات الشيخ عجيب المانجلك، وهي امرأة غارقة في العز وريّانة"[الرواية: ص104] وكذلك في قوله: "ستنا؛ زوجة المك الأولى، امرأة هادئة، وجمالها عريق، أنجبت للمك بناته: زنوبة ونورا وابنه حسان"[الرواية: ص107] كذلك وصفه لستنا في قوله: "في جولاتها هذه عادة ما تلبس جلباباً مصنوعاً من القطن يتدلى حتى منتصف الساقين (...) شعر رأسها ممشط في حوالي الاثنتي عشرة ضفيرة غزيرة تنشر على عنقها لتغطي حتى منتصف الظهر، على صدرها ينبسط عقد الشبيكي المنظوم على أسلاك ذهبية (...) على ساعديها سواران من ذهب مزيّن بفاروزات العقيق الأحمر التي تلمع بدلال على ساعديها المملتلئين بالعز والنعومة، على ساقيها حجول ذهبية مزينة بنقوش متنوعة، عادة ما تنتعل كركباً أبنوسياً رقيقاً أو حذاءً جلدياً بسيور متخالفة (...) كان وجهها مدوّراً وممتلئاً وجميلاً، وفمها واسع على نحو ما، وشفتاها حمراوان وممتلئتان، وأسنانها بيضاء، وفي عيونها جمال مًدخر منذ آماد بعيدة، تضع ستنا فوق أنفها نمشة صغيرة من الكحل بأربعة أركان، ونمشة طويلة على منتصف الأنف، وثالثة على منتصف الذقن. النمشات السوداء وهدوء الشفاه، وضمور الخصر، وانشطاف البطن، تجعل من الصعب على أي إنسان تقدير عمرها، ويحس الجميع إن شبابها دائم"[الرواية: ص108-109]

الأمر الذي يجعلنا نتساءل عن سر الاهتمام بتوصيف الشخصيات غير المحورية وترك الشخصيات المحورية تبدو كأشباح وخيالات أو أطياف (على حد تعبير القاصة رانيا مأمون) وما سر هذا الزهد في الوصف الجسماني، حتى على مستوى الشخصية المحورية نفسها (فركة) فالوصف الذي جاء عن فركة كان –دائماً- في معرض التغزل بجمالها الأنثوي لإبانة ما تحمله من إغراء وفتنة، وهو ما يُمكن أخذه على الكاتب حيث لم يتمكن من التخلّص من ثقافة الجلابة حتى في معرض نقدهم تاريخياً، وهو في وصفه لفركة (حتى على لسانها) إنما يُركز على النواحي الجنسية لديها: أفخاذها، عجيزتها، صدرها، حلمتي صدرها ... إلخ. وهو ما يجعلنا لا ننظر إلى فركة كإنسان يجب أن ننتبه إلى معاناتها، بل كأنثى مثيرة لا يحفز النظر إليها إلا فعل الاشتهاء حتى ولو كان الناظر إليها أنثى أخرى، كما في قوله على لسان حال إحدى زوجات المك: "علمت ستنا إنها أمام شابة قوية الشكيمة ومكمّلة بجمال جسدها وعز أهلها"[الرواية: ص106] وكذلك في قوله: "فخطت (أي فركة) خطوتين مقتربة من قدمي ستنا التي لم تقل شيئاً وظلت تنظر إلى فركة بدهشة وإعجاب، وتتأمل اكتمال أنوثتها وشبابها، لدرجة أنها عندما طافت بنظراتها على أثداء فركة النافرة، قالت بسهوم: "ما شاء الله". الخجل والارتباك جعلا الدوائر داكنة اللون حول حلمتي نهدي فركة تتكرمشان برفض. أمرتها بالوقوف، فوقفت فركة، ستنا لم تقل شيئاً غير: "ما شاء الله، الله يحفظك يا بتي" ...."[الرواية: ص106-107] وكذلك في قوله: "فركة لم يكن يُزينها شيء غير جمال أكيد ورثته من أمها كادوقاي، وعز عزيز وشمم أخذته عن أبيها، ولا يستر جسمها غير سيور الرحط. نفور ثدييها المتأهبين للقفز عن صدرها، استواء بطنها، وحسن خصرها المُضمّر المجنون، نعومة فخذييها، وامتلاء ساقيها بدلال وتيه"[الرواية: ص90] وربما يلحظ القارئ النفس العروبي في هذا التوصيف، إذ أن تلك هي مواصفات الجمال العربية، وبهذا فقد فضح الكاتب خلفيته الثقافية ولم يستطع التحايل عليها أو التخلص منها، وهو ما ساهم في إفقاده الكثير من المصداقية لدى القارئ.

وللإنصاف فإن القارئ ربما يلاحظ مما سبق أن الكاتب لديه ملكة مُدهشة في الوصف الحسي المكاني، والذي يجعل القارئ يشعر بإلفة من نوع شديد الخصوصية مع المكان، فهو يستغرق في وصف المكان حتى أن القارئ لا يكاد يجد صعوبة في تخيّل المكان وتصوّره وكأنه ماثل أمامه، ولن أعطي أمثلة على ذلك لأن الرواية في أغلبها زخرت بهذا النوع من الوصف التفصيلي، ولكن فقط نشير إلى وصف الرواية لبيت "ستنا" زوجة المك الأولى [ص77-79] وغرفتها الخاصة[ص104-105]، وكذلك وصفه لقرية كاسي وبيوتها. [ص6-7]

من الشخصيات الروائية التي كان لها أثر عميق في نفس القارئ، ولم يكن لها تأثيرها الفاعل في قلب مجريات أحداثها: شخصية "تيّة ود موسى ود شريف ود رحّال" ابن عمّ "فركة" هذا الشاب الفتي الذي أُلقي القبض عليه ضمن مجموعة الفتيات المختطفات، وكان من الواجب عليه حمايتهن، ولمّا لم ينجح في ذلك لكثرة الجلابة وسلطة عتادهم، أقدم على قتل نفسه بشنقها حتى الموت. كانت تلك اللحظة العابرة من تاريخ الرواية لحظةً شديدة العمق والتأثير، وربما لم يُغفل الكاتب توصيف هذا الشاب –ولو على حياء- إكراماً لهذه اللحظة بعينها، ورغم ذلك فإنه لم يلجأ إلى إعطائنا توصيفاً جسمانياً كاملاً لهذا الشاب، وإنما توصيفاً مادياً أو ثقافياً كما فعل بكثير من الشخصيات الذين يستغرق في توصيف أرديتهم وزينتهم، دون أن يلج إلى توصيفهم الجسماني؛ فنجده يذكره في قوله: "وقف سلطان ود شريف يُرحب بالجلابة، لم يكن مع سلطان غير ابن أخيه "تيّة"، كان ابن أخ سلطان ود شريف برداء قصير وصدر عارٍ إلا من عقد من أسنان الأسد"[الرواية: ص10] وجاء ذكر لحظات موت تيّة (هذا الفتى الشجاع) في بضع أسطر، حيث نقرأ: "هناك، مع الزاكي وعوض الكريم، تيّة كان مربوط القدمين بوثاق من حبل السّلم، ويده اليسرى مثبتة على ظهره بحبلٍ آخر شديد الألم على جسده الذي مزقته الجروح. في غفلة من النهاضة أمسك تيّة بطرف الحبل وربطه ولفه على عنقه كأنشوطة، وظل يسحب طرفها إلى أن انسكرت عنقه ومات."[الرواية: ص27] إن قرار الانتحار بالنسبة إلى تيّة كان المرادف الطبيعي للحياة مع الاحتفاظ بأنفة النفس وكرامتها، إذ لا سبيل له إلا الموت إن لم يكن قادراً على حماية فتيات القبيلة، كما أن الموت بالنسبة إليه كان قراراً شجاعاً في مواجهة الرق والعبودية للأغيار.

إن قرار موت تيّة كان من أجمل وأعمق اللقطات الدرامية التي توقفتُ عندها في الرواية، وسبقت ذلك ما لقيه تيّة على يدي الحُراس من ذلة ومهانة وربطه من يديه وجرّه وراء الفرس، مما يُعزز لديه رغبة الموت على الحياة المُذلة والمُهينة، ورغم صغر سنّ هذا الفتى إلا أن الكاتب نجح –ببراعة- خفية أن يوحي لنا بأنه كان أكبر من عمره بكثير تصرفاً وسلوكاً وجسارة، فرغم أنه أصر في أكثر من موضع على تبيان صغر سنّه كما في قوله: "وتيّة صغير لم يُكمل أسبار حياته ولم يتزوّج"[الرواية: ص28] إلا أنه يُشير إلى عكس ذلك في قوله: "غادرت القافلة لتترك تيّة هكذا في العراء، بلا قبر يليق برجل عمّهُ سيّد العشيرة"[الرواية: ص28] فهو رجلٌ إذاً بمواقفه وسلوكه وشجاعته وجسارته، وهو ما حاول الكاتب الإشارة إليه بطريقة خفية، لامساً بيد النقد اللاذع معاييرنا المعروفة والمألوفة عن الرجولة، ليقول لنا: "الرجولة شيء آخر لا يتعلق بالجنس ولا بالعمر؛ فقد يكون الطفل رجلاً، بل وتكون الأنثى رجلاً بلا أدنى ريبة" وعلى أية حال، فإن افتراض كلمة "رجل" كتوصيف لما هو خيّر أو أفضل لهو نابع من ثقافتنا الذكورية التي نتمرغ فيها بكل حبور!

الحبكة السردية:
"فركة" هي فركة ابنة سلطان ود شريف ود رحال، وأمها كادوقاي من زعماء قبيلة الكواليب وأشرافها، كانت في الثالثة عشر من عمرها عندما بدأت قصتها مع الرق، تدور أحداث الرواية حول جماعة من النخاسة (النهاضة) القادمين إلى منطقة كاسي على جبال التروج، تحت غطاء تجارة التوابل والأقمشة، استطاع هؤلاء النخاسة بالمكر والحيلة صيد عدد من العبيد (مجموعة من الفتيات بالإضافة إلى فتى يُقال له "تيّة" هو ابن عمّ فركة) والسفر بهم إلى شندي لبيعهم هناك. ثم تسترسل الرواية في ذكر مشقة السفر وتداعياته من دلامي وجبل الداير وعبر صحراء باجة أم لماع، وما لقيه العبيد والنخاسة على حد سواء خلال هذه الرحلة من مشقة قام بتصويرها بفنية عالية ودقة مدهشة تجعلنا نعايش هذه الرحلة بأدق تفاصيلها وأن نستشعر المعاناة التي مروا بها. يستقر الأمر بالنخاسة في رواكيب سوق شندي عابرين مًشرع كبوشية حيث يتم بيع فركة إلى المك، ثم تسترسل الرواية في ذكر ما لقيته فركة على يد حسان (ابن المك) ومن زوجاته الثلاث، ثم تنتهي الرواية بعودة فركة إلى قريتها بمساعدة سحرية من "أبو لمبة" الذي ينقلها جواً إلى جبانة العائلة حيث يرقد جثمان والدها سلطان ود شريف ود رحال (الذي توفي بعد خطفها بسبع وعشرين ليلة) ومتعلقاته من أدوات كجور والفأس والعصا والسوط وبخسات القرع وفروة من جلد الجاموس. لتتحقق بذلك نبوءته التي تنبأها لزوجته "كادوقاي" أم فركة: "فركة سترجع، ولن ينتظرها منا إلا أنت، وستسقط أسنانك الأربع السفلية، وعندما تعود فركة سيكون لك في ذلك الحين ولد وبنتان."[الرواية: ص18-19]

استخدم الكاتب في سرد الرواية تقنية الراوي العليم (Second Person) وهي تقنية مستخدمة بكثرة، ويحبذ كثير من الكُتاب استخدام هذه التقنية لأنها توفر مناخاً سردياً غنياً ومساحة كبيرة للخيال والاقتحام غير المُخل لبعض التفاصيل النفسية والشعورية للشخصيات الروائية، دون أن يكون بإمكاننا الاعتراض على ذلك في كثير من الحالات، وربما كانت واحدة من صعوبات هذا النوع من السرد: إهمال العنصر المتعلق بالقارئ، واجتهاده الشخصي، والتغول على مساحات خياله الخاصة، بحيث يُقدم الكاتب –دون أن يدري- مفاتيح الحلول والأفكار والأحكام القيمية والتفاصيل للقارئ، فيجعل من القارئ عنصراً غير فاعل في عملية القراءة الإبداعية، على الرغم من أن واحدة من مميزات الرواية الحديثة أنها تجعل من القارئ عنصراً مشاركاً وفاعلاً في خلق الأفكار والأحداث داخل الرواية، بل وتتيح له حرية إطلاق الأحكام القيمية على شخوص الرواية كيفما شاء، بحيث تتيح له مساحة هامشية واسعة يُعمل فيها خياله، ويكون لهذا الخيال أثره البالغ في تحديد مسارات الرواية ومآلاتها الختامية، وبالتالي وضع تصوّرات نهائية للعمل الروائي من حيث جودته أو عدمه.

قدم لنا الكاتب عملاً روائياً مُدهشاً في تفاصيله وأحداثه وشخصياته، ولكنه –على الرغم من الاحتفاء بهذه التفاصيل- إلا أنه تسرّع في وضع خاتمة للرواية بطريقة صادمة ومُحبطة، أو على الأقل لم تكن مرضية للقارئ الذي كان يتوقع الكثير من التفاصيل والأحداث، ففي سردية الكاتب حول مصير فركة في بيت المك جاء الانعطاف المفاجئ نحو النهاية غير المتوقعة اعتباراً من الصفحة (149) والتي حملت فقرة لم تكن متوقعة على الإطلاق، حيث يقول الراوي: "لم تصل فركة إلى منزل ست فضيل المضاف إلى بيت المك الكبير حيث تعيش ستنا، كبرى زوجات المك، عندما غادرت فركة مجلسها أمام المك لتنادي خرت الفارس التي مزقتها المخاوف، هتف من خلف الحائط هاتف بين أنوار مبهرة، قائلاً:
جيتك من بعيد يا بت الجبال العاتية
جيتك مرسال نادهاتي ليك الخاوية
من جبلك تفوت ساعات المذلة الخاتية
بسيف الترك الحدر رقاباً عاتية

هكذا ناداها (أبو لمبة) بأنواره التي تخادع من لا تحميه الأسبار، ولا تنظم حياته طقوس الكجرة. فركة ستسافر بها عطورها، نعومتها، هناء زينتها البراقة في أنوار (أبو لمبة) التي تخلب الأبصار وتطشش العقول الراجفة"[الرواية: ص149-150]

ودون أن نتساءل عن الكيفية التي تعرّفت به فركة على أبو لمبة، حيث أنه كان يهتف إليها من وراء حائط، مما يجعل الرؤية مستحيلة ومتعذرة حتى مع عبارة مثل "هكذا ناداها أبو لمبة بأنواره ...."، فإن هذه الخدعة السحرية التي أوجدها الكاتب (إن لم نقل أُضطر إليها) كحل لعقدة الرواية لم تكن موفقة على الإطلاق، لاسيما وأن هذه الخدعة كان بالإمكان أن تحصل منذ وقت طويل من زمن وأحداث الرواية؛ طالما أنها لا تخضع لمقياس منطقي وزماني، وطالما أننا لم ننس أن أبو لمبة لم يأت إلا بفعل كجور أقامه والد فركة "سلطان ود شريف" منذ الأيام الأولى لغيابها، ثم تبعه كجور أخيه موسى ود شريف ود رحّال مُباشرةً، فكان من الممكن أن يتسارع إيقاع الكجور السحري أسرع من ذلك بدلاً من الانتظار لسنوات حتى حدوثه، تماماً كما حدث مع روح تيّة (ابن عمها الفتي) التي تحوّلت إلى ثعبان انتقم لموته بلدغ حارسين وحصان. فما الذي أخر أبو لمبة طوال هذه المدة، حتى مات والدها، وتزوّجت أمها بآخر وأنجبت منه ثلاثة أطفال!

وفي هذا الصدد فإنه يجدر بنا تناول ثيمة أساسية في الرواية، متعلقة بالحبكة، فهنالك تداخلات زمنية مُربكة ومُعقدة متعلقة باختطاف فركة وغيابها عن القرية، ففي موطنٍ ما من الرواية نقرأ: "استمر عذاب كادوقاي سنيناً، وكذلك عذاب كاسي بعد هجمة الجلابة الأخيرة"[الرواية: ص26] وفي الصفحة المقابلة مباشرة نقرأ: "هناك؛ مع الزاكي وعوض الكريم، تيّة كان مربوط القدمين بوثاق من حبل السّلم ...."[الرواية: ص27] أي أنه في وقت السرد الحكائي في الجملة الثانية لم يكن تيّة (ابن عم فركة) قد توفي بعد، ورغم ذلك توحي الجملة الأولى باستمرار العذاب لسنوات، هي في الحقيقة ليست سنوات السرد ولكن سنوات واقعية، وكأن الراوي قفز خارج ذهنه، وخارج متن السرد، ليُدلي بشهادة تقييمية سابقة على سياق السرد فيقول بأن عذاب قرية كاسي امتد سنوات من بعد هجمة الجلابة التي اختطفت فيها فركة، ولكن دون أن نعلم ما إذا كان هذا العذاب استمر في كاسي حتى بعد عودة فركة أم لا، لأنه من الواضح أن فركة عادت فعلاً إلى قريتها وأهلها بعد سنوات من اختطافها.

كذلك إذا حاولنا معرفة المدة الزمنية التي استغرقتها الرحلة من جبل التروج إلى رواكيب شندي فإننا سوف نقف على رأيين: 14 و 15 يوماً، فنقرأ مثلاً: "تسعة أيام منذ أن بارحت القافلة السهول الخضراء في أنحاء جبل الداير، سافروا متسللين ....."[الرواية: ص34] وكذلك: "فركة حسبت المدة، وأحست بطول زمان السفر، هي الأطول في حياتها بهذا النوع من العذاب، تسع شموس أشرقت عليها وظلام الطريق مازال حالكاً...."[الرواية: ص35] فتلك تسعة أيام إذن، ثم نقرأ على لسان إحدى شخصيات الرواية: "ويجب على كل منكم الاقتصاد في شرب الماء، لأنها ستكون خمسة أيام من العطش وعدم الماء" وبإضافة الأيام الخمس إلى الأيام التسع، فإننا سوف نكتشف أن الرحلة استغرقت 14 يوماً من كاسي إلى شندي، ولكننا نجد للراوي رأياً آخر، ففي موطن آخر نقرأ: "تستطيع فركة أن تقول (...) وأن تقول: المسافة بيني وكاسي سفر الألم لا في المكان؛ ألم يستمر خمسة عشر يوماً، خمسة آلاماً منها في باجة أم لمّاع"[الرواية: ص42] ثم يعود ليؤكد أنها أربعة عشر يوماً في موطن آخر، فنقرأ: "... جلب إلى الأذهان ذكريات كل الأهوال التي حدثت منذ أربعة عشر بوماً..."[الرواية: ص44] هذا الأمر مُربك قليلاً، لاسيما إذا أخذنا في الاعتبار ما ذكره الراوي في موطن آخر عن المسافة التي تفصل قافلة العبيد عن سوق شندي عندما قال: "فالمسافة بينهم وسوق شندي أقل من يوم"[الرواية: ص48] وكان ذلك –بالتأكيد بعد أن قطعت القافلة مسافة طويلة من قرية كاسي؛ فهنالك يوم مفقود في الحبكة أو هي في أفضل الأحوال بضع ساعات.
ثم إننا –كقراء- لم نفهم ما إذا كانت فركة نجحت فعلاً في التعوّد على الأسر والاسترقاق أم أنها كانت طوال سنوات بقائها في بيت المك منفصلة عن واقعها المكاني ومرتبطة بواقع حالم تركته في كاسي حيث أهلها وعشيرتها، لاسيما أننا نقرأ تلميحاً وتصريحاً بالأمرين معاً، فمرة نرى فركة مستسلمة للتبرج والزينة التي كان الغرض منها تجميلها في عيون الباعة والأسياد، كما في قوله: "شرعت ست فضيل بعد ذلك في إجراءات الدلكة والدخان المتناوبة ونتف الشعر وتزيين شعر الرأس"[الرواية: ص86] ومرة نراها في انفصال تام عمّا يجري حولها، ومسافرة بخيالها ووعيها إلى قريتها كاسي، كما نقرأ في قوله: "بعد سبعة أيام من دخولها إلى هذا المكان، صحت فركة من نوم عميق بعد إفطار دسم مع ست فضيل، استيقظت والدمع يملأ وجهها، ولم يكن أمامها في المكان غير عمّتيها وأمها وزوجتي أبيها، كنّ حول فراشها يبكين ويولولن ..."[الرواية: ص86] وربما يغلب طبع التمرّد العنيف على الأرقاء، لاسيما في الأيام الأولى للاسترقاق، ولكننا نجد أن فركة تساهلت كثيراً مع عمليات تنظيفها وتجميلها ومسح جسدها بالدهن والزيوت العطرية التي كان من شأنها منحها امتيازاً في أعين الأسياد، ونجد في الرواية ما يؤكد تصالح فركة مع واقعها الجديد في عدة مواطن:
"هدأت روح فركة بعد زمان، واستقر صمتها في مصالحة مؤقتة مع المكان الغريب ..."[الرواية: ص114]
"استلقت فركة على الفراش وتكوّن حولها عالم من الصمت والانتظار والترقب، نامت، واسترخت عضلاتها ووجهها، فأشرقت الابتسامات القديمة بأنوار الرؤى ..."[الرواية: ص117]
"وهنا في شندي، في بيت المك، بعد أن تدربت فركة على خدمة البيت، وبعد أن اتسعت ذخيرتها من مفردات كلام العرب، أصبحت تخرج مع ست فضيل والأخريات إلى السوق وأحياناً في رفقة زنوبة ونساء بيت المك في زياراتهن إلى بيوت شندي في الحيين، فريق (تحت) وفريق (فوق) جولاتها في السوق كانت محدودة (...) كانت تجد في السوق متعة في مراقبة السحنات لمختلفة لرواد السوق وذلك التنوع العريض في أزيائهم وملامحهم (...) وأصبح صبرها أقل عذاباً من ذي قبل"[الرواية: ص131-133]

ورغم أننا نقرأ في مكان ما من الرواية: "ولفركة الآن في هذا المكان أكثر من خمسة أسابيع، وأعمال التزيين الإجبارية مازالت مستمرة"[الرواية: ص91] إلا أن هذا لا يعني رفض فركة لعمليات التجميل، فنحن لا نعلم على وجه الدقة على من كانت أعمال التزيين إجبارية؛ فهل كانت إجبارية على فركة نفسها، بحيث تم إجبارها على الخضوع لعمليات التجميل، وهو ما يجعلنا نقرر أنها كانت رافضة للأسر وغير مُتصالحة مع فكرته حتى عودتها إلى القرية، أم أن ست فضيل هي من كانت مُجبرة على تولي مهام تجميل فركة دوناً عن بقية الخادمات الأخريات، وهو ما يجعلنا نقرر أنها بطريقة أو بأخرى كانت قد اعتادت الأسر والرق، وتصالحت مع واقعه ولو بصورة جزئية.

من الإرباكات المتعلقة بالحبكة ما نجده في بداية الرواية، فيما يتعلق باللحظة التي تم فيها الغدر بفركة وصديقاتها واصطيادهن، فهل كانت فركة ورفيقاتها ذاهباتٍ لشراء الأقمشة من الجلابة، أم كنّ يبحثن عن ثمار القرع البري والدليب؟ وفي هذا الشأن نقرأ في صفحة واحدة ما يلي: "كادوقاي أرسلت فركة ومعها عدد من البنات برفقة تيّة لجلب الأقمشة بعد أن وفر لها سلطان ود شريف ثمنها من الجلود والعاج"[الرواية: ص14] هذا المقطع يُعطينا إشارة إلى أن فركة كانت في طريقها لشراء الأقمشة من الجلابة (الزاكي وعوض الكريم) ولكن وفي نفس الصفحة وفي فقرة أخرى نقرأ شيئاً آخر: "كانت مع فركة سبعة من رفيقاتها، كن يبحثن في الخلاء عما يفيد من ثمار القرع البري والدليب الناضج، ويتوقفن لحصب أشجار الهجليج والتبلديات ..."[الرواية: ص14] الأمر الذي جعل لحظة صيد الفتيات لحظة هلامية وغير واضحة الملامح، لاسيما إذا وضعنا في اعتبارنا ما ذكره الراوي في صفحة سابقة عندما قال: "اتفقوا على خطة، ولكن الحظ وفر لهم الجهد ومنحهم فرصة نادرة، لم يحلموا بها"[الرواية: ص13] فإذا اعتبارنا أن عنصر الحظ تدخل في تلك اللحظة، فإننا –بالتأكيد- سوف نميل إلى تصديق أن فركة ورفيقاتها كُن يبحثن –بالصدفة في تلك الأثناء بالتحديد- في الخلاء عن ثمار القرع البري والدليب ويحطبن أشجار الهجليج، فهذا مما يُدعم عنصر الصدفة المقترن بالحظ كما جاء على لسان الراوي في [ص13] ولكننا في مكان آخر نقرأ: "بجلستهم في السوق أدرك النهاضة ألا سبيل لخرت الرقيق بالقوة، وعلموا ألا سبيل إلى القنص إلا بالخداع؛ لأن فتيان القبيلة كُثر، ومنهم من يتجوّل مُسلحاً"[الرواية: ص11] وفي هذه الحالة فإن اتخاذ بيع الأقمشة والبهارات كغطاء مُخادع يجعل من فرص الصدفة أمراً مُستحيلاً، بل يجعل الأمر يبدو مُدبراً ومخططاً له، وهو ما يتنافى مع نظرية الصدفة التي تحدثت عنها الراوية في مكان آخر، فتُصبح أمامنا رؤيتان للحظة القبض على فركة ورفيقاتها، ولا نعلم جزماً أيّ من هاتين الرؤيتين هي الصحيحة، إلا أن تكون فركة ورفيقاتها قد ذهبن للخلاء بحثاً عن ثمار القرع البري بعد أن فرغن من شراء الأقمشة، وهذا ما لم يذكره الراوي صراحة.

ثم إننا نلاحظ أن الكاتب تعامل مع الجسد ومفهوم العري بخلفية عروبية، لا يُمكن أن تنطبق على الثقافة التي خرجت منها فركة على الإطلاق، وكذلك الحال في التعبير عن مقاييس الجمال الأنثوي حتى عندما يتكلّم بلسان حال البطلة نفسها، متناسياً الخلفية الثقافية التي جاءت منها فركة والتي –بالتأكيد- تختلف عن ثقافة العربي ومعاييره الخاصة بالجمال والجنس والجسد والعذرية ومفهوم العري، وما يصح منه وما لا يصح. وقد نجد هذا الجنوح الثقافي في وصفه لفركة في قوله: "فركة ناهد وفرعاء، وفي وجهها خفر، وفي طرفها نعاس يوحي بالدلال، جسمها ذو سمت معدول وبناء قوي، عجيزتها تدفع بردائها القصير إلى الأعلى فيبدو أقصر من الخلف، صدرها عارٍ وأثداؤها منتصبة ونافرة ترتعش مع خطوها الرقيق، شفاهها مكتنزة وممتلئة بابتسامات وادعة، وأسنانها في بياض وانتظام مبدع، يحزز عقد الخرز المخاوي الفخم؛ بلونيه الأزرق والأسود، عنقها الجميل، لون بشرتها أبنوسي لامع، مع نعومة رائقة تراها الأعين قبل أن تتحسسها الأكف، شعرها بني بلون الكاكاو، ممشط في حوالي خمسة عشرة ضفيرة غليظة (مكوفت) في نهاية كل ضفيرة خرزة بنية اللون يقسمها خط أبيض مغوبش بصفرة ناعسة، يقسمها إلى نصفين. الخرزة أسطوانية الشكل رقيقة التصميم ومناسبة الحجم، تحزز الخرزة نهاية الضفيرة، فيبدو الشعر أسفلها بسبايب منفوشة بجمال فاتر. بريق شعرها مع لمعان الخرز ينشر ألواناً في النهار، تصيب الشمس بابتسامات مفاجئة، مع كل التفاتة وخطوة، وحتى مع اهتزاز لرأسها أثناء الكلام، تتراقص ضفائرها باهتزازات تسمع موسيقاها نسائم الضحى الهادئة، فتتشبع بعبير الزهور الجبلية"[الرواية: ص12]

إن هذه الوصوف الحسية لمحاسن فركة، لهي وصوف نابعة من أخيلة عربية وهي قريبة مما نجده في شعر الحقيبة، وحدّ علمي فإن منظر الأثداء العارية لا يُغري الزنوج، ولا يُثير فيهم أيّ شيء، بل إن مفهومهم للعري وثقافة الجسد يختلفان عن مفهوم الأعراب، والمتأثرين بهم ثقافياً بحكم التماس الجغرافي أو الاختلاط المباشر، كما أن اللون الأبنوسي هو لون قد يُثير سكان الوسط، ولكن هل يُثير الزنوج هذا اللون أم أن ما يثيرهم هو السواد الداكن؟ ومما يُلاحظ في الرواية أن فركة نفسها تنسجم نفسياً مع هذا المفهوم الثقافي فتسارع إلى تغطية جسدها حتى لا يراها الأغيار وكأنها على علم مُسبق بما يُثيرهم وما لا يُثيرهم منها، كما أن اتساقها مع كماليات نساء الأعراب في الرواية (زيوت – دهون – عطور - دلكة) هو –أيضاً- مما يثير الدهشة والاستغراب.

ومن الإرباك الذي تحدثه الرواية كذلك، التناقض حول معرفة سلطان ود شريف باللغة العربية من عدمها؛ إذ نقرأ في إحدى المواطن: "سلطان ود شريف ود رحال له علم بالقرآن ويعرف كلام العرب"[الرواية: ص9] وكذلك قوله على لسان كادولاي: "إن اللعنة التي نزلت بكادوقاي سببها انشغال سلطان ود شريف ود رحال سنيناً بتعليم بنته فركة كلام العرب"[الرواية: ص22] فهو على ذلك عارف باللعربية ومُلم بها لدرجة تعليمها لابنته، ولكن ورغم ذلك نجده يحتاج إلى ترجمان بينه وبين النهاضة القادمين لبيع الأقمشة والتوابل، فنقرأ: "سلّم الزاكي (أحد الجلابة) بلسان المترجم على سلطان ود شريف ..."[الرواية: ص10] وكذلك قوله: "المترجم تكلم مع سلطان ود شريف وابن أخيه، ثم قال للزاكي: (إنهم يطلبون منا الانتظار حتى يرجع الناس من مزارعهم)"[الرواية: ص11] وهو مما يُثير الدهشة، فسلطان ود شريف لم يكن بحاجة إلى ترجمان بينه وبين الجلابة العرب، من حيث هو عارف بالعربية ومتحدث بها، فلم كانت الحاجة للمترجم إذن؟


اللغة:
اللغة التي استخدمها الكاتب في روايته لغة عالية وسليمة، رغم عدم خلو الرواية من بعض الأخطاء الإملائية والنحوية والصياغية في مواطن قليلة جداً، تكاد تكون نادرة ومنعدمة، فعلى سبيل المثال نقرأ: "الزاكي أراد الفتيات أن يبدون بملامح جاذة للمشترين"[الرواية: ص48] والصحيح (أن يبدين)، وكذلك في قوله: "وصلت المركب إلى الشاطئ المعاكس"[الرواية: ص57] والصحيح (وصل المركب) أو (وصلت المراكب)، وكذلك قوله: "نزل الجلابة في مكان أخضر ..." والصحيح (في مكان مُخضر)، وكذلك قوله: "وعلى صدر وكتف أيّ منهم توب مخلوف"[الرواية: ص10] والصحيح (كُلٍ منهم)، وكذلك قوله على لسان الزاكي: "علينا إن نقطع البحر عند كبوشية فقط ..."[الرواية: ص19] وكذلك قوله: "نجحت ست فضيل بمساعدة بعض العبيد في الإمسام بها وإعادتها إلى غرفتها"[الرواية: ص87] رغم أن هذا الخطأ هو خطأ طباعي ولاشك، بدليل أن ذات الكلمة كُتبت صحيح في مكانٍ آخر من ذات الفقرة، ولكن لغة الكاتب –بصفة عامة- لغة سليمة، تتسم بالجنوح نحو التقطيع الموسيقي إلى جُمل قصيرة، ومتداعية، ما يُعطي الإحساس بالتكامل والتدفق السلس، مع ملاحظة أنه –غالباً- ما يبدأ جمله السردية الفعلية بتقديم الاسم (الفاعل) على الفعل، وهي منتشرة وكثيرة في الرواية كما في قوله:
"النهاضة يتراوحون حول جبل التروج"[الرواية: ص5]
"النهاضة الآن متنكرون في زي جلابة"[الرواية: ص7]
"سلطان ود شريف ود رحال له علم بالقرآن ويعرف كلام العرب"[الرواية: ص9]
"سلطان ود شريف ود رحال، في واحدة من أصعب لحظات تيهه عندما نزلت عليه الأرواح، حاول عبور باجة أم لمّاع"[الرواية: ص9]
"المتنكرون في هيئات الجلابة، الآن في طريقهم إلى كاسي."[الرواية: ص9]
"الزاكي من مجلسه ذاك رأى فركة، أعجبته وأضمر لها شراً كثيراً"[الرواية: ص11]
"كادوقاي أرسلت فركة ومعها عدد من البنات برفقة تيّة لجلب الأقمشة"[الرواية: ص14]
"أولاد شريف ود رحال سلاحهم ليس كثيراً"[الرواية: ص17]
"كادوقاي لم تنجب غير فركة ..."[الرواية: ص21]
"كادوقاي فكّت عصابة الدمّور عن يدها"[الرواية: ص25]
"فركة ورثت جمالها عن كادوقاي"[الرواية: ص26]
"فركة سمعت الكثير من كلام العرب في هذا السفر المهلك"[الرواية: ص30]
"فركة تعذبت وكال الغبار رأسها"[الرواية: ص31]
"فركة بدورها آوت إلى الظل"[الرواية: ص53]
"فركة كانت هناك مع مستورة"[الرواية: ص71]

ورغم ذلك فإننا نقف على بعض الحالات التي لم يلتزم فيها الكاتب بهذا المنحى على الدوام فنجده يُقدم الفعل على الاسم كما في:
"غادرت النساء، أختاه وزوجاته، المكان، وأخرجن كل ممتلكات ومتعلقات سلطان من بيوتهن"[الرواية:ص25]
"تحاور الأبناء واتفقوا على البقاء أمام الكهفإلى أن يخرج إليهم"[الرواية: ص24]
"غادرت القافلة لتترك تيّة هكذا في العراء"[الرواية: ص28]
"أحست فركة بالأمر، وطافت بعيونها المتعبة من على ظهر البيعر، بحثت عن سبب الجلبة والصياح"[الرواية: ص28]
"يمتلك الزاكي وعوض الكريم زرايب في كل من شندي والمخيرف"[الرواية: ص29]
"لم تعجب موسى ود رحال حالة كادوقاي"[الرواية: ص97]

كما أننا نلحظ اهتمام الكاتب بالتشكيل على نحوٍ يُقلل من فرص الخطأ في نطق بعض الكلمات التي ربما يُشكل علينا قراءتها دون تشكيل؛ لاسيما تلك التي تحمل دلالات ثقافية مُحددة، وهذا حرص يُشكر عليه الكاتب، ويندر إيجاده في كثير من الروائيين الشباب (أعني اهتمامهم بالتشكيل)، كما تتميّز لغة الرواية بأنها لغة وصفية (كما تقدم) زاخرة بالنفس الشعري والموسيقى الداخلية المتناغمة في أحيانٍ كثيرة مع الحالة الشعورية للشخصيات الرواية أو الأحداث. ومن إحدى أهم الملاحظات التي خرجت بها من قراءتي لرواية "فركة" هي: خلوها من الحوار إلا في مواطن قليلة، مع توافر الجمل الحوارية مثل:
"إن ما أرجع سلطان ود شريف هو ثعبان كبير، أب دفان في حجم أصلة، زجره عن محاولة عبور صحراء باجة أم لمّاع القاتلة" [الرواية: ص9]
"جئنا بالملح والقرنقل والخرز والدمور وأقمشة هندية"[الرواية: ص11]
"إنهم يطلبون منا الانتظار حتى يرجع الناس من مزارعهم"[الرواية: ص11]
"أمانة ما فرخة سمحة!"[الرواية: ص13]
"عليكم بسقي جمالكم وحميركم من الحفير أسفل الجبل عند الصباح"[الرواية: ص14]
"أنا ما مارق من هنا إلا يوم التلاتا"[الرواية: ص70]

وحين أقول "ملاحظة" فإنني أرجو ألا يتم تصنيف ذلك ضمن قائمة الأخطاء، ففكرتي عن الحوار داخل النص الروائي ليست توفيقية إلى ذلك الحد الذي يجعلني أشعر بالاستياء أو الاستغراب المتشائم عندما لا أجد جمل حوارية في نص روائي. والحقيقة أنني أؤمن أن الراوية لا يجب أن تهتم بالحوار بذلك القدر الذي يوليه كثير من النقاد، فالحوار –رغم محاسنه الكثيرة والمعلومة- إلا أنه يأخذ كثيراً –حسب رأيي الشخصي- من جماليات السرد، كما يُقلل من قدرة الكاتب على إيصال الأفكار الخاصة بالشخصيات الروائية عبر السرد، وهو ما يُميز الرواية عن أي فن سردي آخر في رأيي. الرواية محاولة لتتبع الأحداث ومآلات هذه الأحداث بصرف النظر عن الشخصيات وعن مقولات هذه الشخصيات، فما يهمني كقارئ للرواية هو الموقف الأخلاقي للشخصيات الروائية من الأحداث والأفكار المبثوثة في الرواية، وهذه بالإمكان التعبير عنها بطرائق أخرى خلاف الحوار؛ فالحوار عنصر أساسي في فنون أخرى كالمسرح مثلاً، ولكن تتضائل الحاجة للحوار عندما يكون سلطان السرد قادراً على الإيفاء بمتطلبات القراءة الإبداعية السردية، وإلا فإنني أرى أن الحوار في الرواية (الاعتماد الدائم عليه) دليل على ضعف قدرات الكاتب السردية بطريقة أو بأخرى، وقد أكون مخطئاً في ذلك.

ومن الملاحظ كذلك أن أجزاء من الحوار تكون باللغة العربية الفصحى، بينما تكون الأجزاء الأخرى من ذات الجملة الحوارية باللهجة المحلية، وهو ما يزيد من الإرباك، وكان يجدر بالكاتب الالتزام بنسق لغوي واحد في متن الجمل الحوارية نفسها، بحيث لا تكون أجزاء منها بالفصحى، والأجزاء المتبقية بالدارجية كما في الأمثلة التالية: "قالت لهن: "اسمي مستورة" وسألت:"إنتن من وين؟" ردت فركة قائلة:"نحن من كاسي" عقبت المرأة:"أنا كاسي ما بعرفها" ثم أومأت إلى الفتيات وهي تسأل فركة:"هل يعرفن كلام العرب؟" ردّت فركة:"لا" قالت مستورة: "وإنت كلام عرب عرفتيه من وين؟" قالت فركة: "من أبوي""[الرواية: ص61] وقوله: "قالت مستورة بهدوه كامل: "ده رحط وعليكن أن تلبسنه""[الرواية: ص62] وكذلك قوله على لسان "فاطمة" صغرى زوجات المك: "أنا بكلم سيدي المك بأني أريدكِ أن تكوني يا فركة مرافقة لي وخادمة في بيتي"[الرواية: ص91] وقوله على لسان موسى ود شريف ود رحّال: "الولد بيتعوّض، أما الأخ فلا، وأقزل لك يا أختي كادوقاي: فركة سترجع إذا ثبت أنها حيّة"[الرواية: ص93] نماذج أخرى كثيرة، لا مجال لحصرها في هذا المقام.

لم تخل لغة الرواية من النفس الشعري والخيال المُصاحب والمتوافق تماماً مع الأجواء العامة لفضاء الرواية المكاني، وأوضح لنا الكاتب قدراً كبيراً من المقدرة على مجاراة هذه الأجواء السحرية بنسق خيالي مُوحٍ ومثير، وهو ما أعطى الرواية بُعداً إضافياً لا يُمكن تجاهله. فنقرأ على سبيل المثال: "لم يسمعهن غير الخلاء، وجسد الجبل الأخرس، الذي ردّ عليهن أصواتهن راجعة، بقهقهة الصدى المجنونة"[الرواية: ص15] فصوّر لنا صوت الصدى الذي يُعيده الجبل لأصوات الفتيات بصوت قهقهة شامتة ومجنونة، وكأنه يُريد أن يقول إن الجبل كان نوعاً ما، متواطئاً مع الجلابة، أو ضد الفتيات. وهكذا يبدو كل شيء عندما تحل الكوارث والمصائب على المرء فيرى أن العالم كله متواطئ ومتورط في كربه. وكذلك نقرأ: "بعد قليل من عودتهم تناسل في فضاء القرية العويل والبكاء المُر"[الرواية: ص18] في هذه الجُملة يصف لنا الراوي ما حلّ بالقرية بعد يأسهم من العثور على فركة ورفيقاتها وتيّة الذي كان بصحبتهن، فيصوّر لنا البكاء والعويل ككائنات مجهرية تتناسل بطريقة عشوائية في فضاء القرية، إذ يبدأ بكاءٌ ما في مكانٍ ما من القرية، ثم بعد حين يخرج بكاء آخر من مكان آخر غير بعيد، وهكذا حتى ليبدو الأمر كأنه تناسل لاجنسي للبكاء والعويل، وهو تصوير بليغ ومُؤثر للغاية، وكذلك نقرأ: "دخلوا عليه جميعاً، نظر إليهن بعيون منهكة ونظرات فارغة كنظرات الميّت"[الرواية: ص18] في هذه الجملة يتكلم الراوي عن كادوقاي وبرقي وكادولاي اللآئي بحثن عن سلطان ود شريف في كل مكان ووجدنه أخيراً في بيت زوجته كمكامة. كان ذلك بعد غياب فركة عن القبيلة، وفشل شباب القرية ورجالها في العثور عليها وعلى رفيقاتها، وكذلك ما جاء في الرواية على لسان موسى ود شريف ود رحال موجهاً كلامه لكادوقاي: "فركة ستعود، ولكن عليكِ بالاهتمام بنفسك، وعليك بانتظارها وانتظار سعادة قدومها، عودتها ستفرحنا جميعاً، لكن يجب ألا ننسى أن السعادة لا يتم انتظارها؛ لأن السعادة ليس مصيراً أو مكاناً في المستقبل، السعادة هي الطريق نفسه،"[الرواية: ص97] وهي واحدة من تجليات الكاتب الفلسفية والتي حاول ألا يُكثر منها، ولا أدري إن كان ذلك بقصد أو دون قصدٍ منه، وهو مفهوم متقدّم للسعادة، وهو يُشبه إلى حد بعيد الفلسفة البوذية ورؤيته الفلسفة عن الأخلاق والجمال.

نجحت الرواية في عرض بروتايب لشريحتين عرقيتين وثقافيتين بكل مكوناتهما الحسّية وغير الحسّية، وكان من المفيد توفير قدر أكبر من المقاربة بين هاتين الشريحتين، ما كان ليعطي للرواية ثراءً وحيوية؛ إلا أن الكاتب استعجل كثيراً في ختم الرواية بتلك الطريقة السحرية المفاجئة؛ إذ كان بالإمكان استغلال وجود فركة في شندي وفي بيت المك لخلق مفارقات مدهشة وخلاقة، يلفت بها الكاتب أنظارنا إلى نقاط اختلاف والتقاء بين هاتين الشريحتين، ومكامن قوة أو ضعف كلٍ من هاتين الثقافتين. لقد كانت فرصة جيّدة ومواتية له للاستفادة من المنحى السحري المتوفرة في الرواية لخلق أجواء أكثر إثارة فقط لو أنه أطال أمد الرواية ولم يتسرّع في ختمها بتلك الطريقة الصادمة. فمن المفارقات الغريبة والمُثيرة للتساؤل أن ست الفضيل (كبرى وصيفات "ستنا" زوجة المك الأولى) قضت أعواماً في تجهيز فركة للمك، وهو ما لا يُمكن اعتباره أمراً منطقياً ثم إن المك ظل طوال هذه السنوات مالكاً لإربه منها رغم إعجابه بها منذ أن رآها في سوق العبيد حتى |أنه دفع قيمتها ألف دولار إسباني مُزايداً بذلك على السعر الذي اقترحه ود الشايقي، كما جاء على لسان الراوي: "قال المك: "السداسية م رحط، تلك الطويلة، كم سعرها؟" وكان يقصد فركة. رد الزاكي: "بكم تريدها؟" قال المك: "بمائتين" هنا قال ود الشايقي: "أنا سآخذها بخمس مئات" المك لم يُرد أن يُطيل في مماحكة غير منتجة مع ود الشايقي، فقال: "أنا بدفع فيها عشر مئات" سأل الزاكي بين مصدق ومكذب قائلاً: "ألف يا سيدي؟" ردّ المك بإيجاز: "بألف" ناول أحد عبيد المك أكياس الدولار الإسباني أبو عمود إلى الزاكي"[الرواية: ص74]

وإذا عرفنا مكانة المك في شندي ومقدار ما دفعه ثمناً لفركة والاستمتاع بها، نجد أن ما فعله معها بعد سنوات من التجهيز والإعداد لم يكن متوافقاً مع هذه المعطيات، وهو ما يجعلنا نتساءل عن سر إقحام شخصية المك في هذه القصة إذا لم يكن سوف يُغيّر من مجريات الأحداث، أو يُحدث انقلاباً في مسار السرد والحكي، إذ نجده يتصرّف بنبل غير متوقع من أمثاله تجاه رفض فركة لمعاشرته، فنجد الراوي يقول: "هنا أدركت فركة أن المك يُريدها كما أرادها أولئك الأرذال. كان جالساً قبالتها، في ملامحه حزم مترقق تحفه الرغبات من كل جانب. هذا الإدراك دفع فركة إلى ضم فخذيها وحزم عجيزتها واستقرارها في الجلوس. قال المك: "تعالي يا البنية!" علمت فركة أن تحركها عن مكانها سيحل رباط عزم عجيزتها، وأدركت أن خطواتها تجاه المك ستحرك فخذيها، فتتبدى عبر سيور الرحط الذي بالكاد يستر عريّها، فأحجمت عن التحرك واستقرت في جلوسها منتظرة ما سيتم. أحس المك برفض فركة للتحرك، خاف عليها من غضبه. انصرف المك إلى نفح هواء من المنخارين والفم، انداحت معه رائحة المريسة والعسلية وأريج الشواء، تاهت حول المك دوائر من الشك، وانعقدت بالقرب من رأسه عمامة ريبة، وكساه شال التردد. شرع يحدث نفسه ويُمنيها ويزجرها؛ الفتاة جميلة، وجسدها ساحر وأنيق، وتفوح من جنبات جسدها عطور وعطور من اختلاط روائح الدخان وطبقات الدلكة المكشوطة بقشة النال الناعمة التي غيّرت ليونة الدهن لونها، تذكر المك فتيات كثيرات مررن بفراشه، وجمّلن مساءاته الراغبة، وتذكر زوجاته وكل النساء اللائي أعجبنه واشتهاهن سراً أو في العلن ، لم يجد بينهن من تشبه فركة أو تقارب بأفراح جمالها غضب نظرات فركة الرافضة الآن للمجيء للجلوس بجواره. مقام المك لا يسمح له بتكرار الطلب فأحجم!"[الرواية: ص147-148]

وإن نحن أخذنا إدراك فركة برغبة المك فيها بعين الاعتبار، وكذلك مشاعر المك التي عبّر عنها الراوي بقوله: "خاف عليها من غضبه" وما يُمكن استخلاصه من قصة ست فضيل التي تم اغتصابها قبل بلوغها وإرغامها على شرب المريسة لتحمّل آلام المُعاشرة في مثل تلك السن؛ فإننا سوف نجد إحجامه عنها غير مبرراً على الإطلاق، بل إننا سوف نزداد دهشة إذا عرفنا أن فركة أمضت سنوات طويلة في بيت المك فقط من أجل هذه اللحظة التي انتهت بنبل غير متوقع، وغير منطقي. لتجعلنا نتساءل عن مُراد الكاتب من الإشارة إلى نبل المك، وكذلك نبل ستنا (زوجته الأولى) والتي تعاملت مع فركة منذ اللحظات الأولى بأمومية واضحة لا تشوبها شائبة الرق والعبودية، وموقفها النبيل من قصة تعرّض فركة للتحرّش الجسدي من قبل ولدها (حسّان)، وعلى أية حال فإن "فركة" تظل رواية مُدهشة الأجواء والتفاصيل، وتستحق القراءة.

هناك 16 تعليقًا:

  1. هُشام آدم ..
    تحليلك عميق جداً للروايه , شرّحتهـــا تشريح كامل وشامل ما شاء الله ..
    شُكراً ليك كتير ياخ .

    ردحذف
    الردود
    1. بعض فوائد قراءة الروايات:


      1 - تنمية القدرة على التخيُّل.

      2 - اكتساب مفردات لغوية جديدة.

      3 - استخلاص دروس مُستَفادة.

      حذف
  2. نقد جيد يا هشام .. فقط في المرة القادمة ارجو ان لا تقطع في اخطاء النقاد بكشف مستور القصة حتى لا تفسدها على القاريء العادي الذي يبحث عن الحكاية البسيطة في العمل الروائي! قدم العمل بصورة نقدية لا تكشف احداث القصة بتفصيل ، ونهايتها بتفصيل يفسد متعة الاطلاع عيها فيما بعد .. انت روائي وتفهم مثل هذه الاشياء.
    تحياتي

    ردحذف
  3. الأخ الكريم والاستاذ الفاضل هشام آدم تحية طيبة والله بعد القريتو دا مافي تعقيب نقد وتحليل اثلج صدري تسلم ياغالي والحمد الله العترته فيكم ... عشان علاقتي بالنت ضعيفة جدا جدا لكن اديني كم يوم وحأعمل حساب واخش معاكم طوالي يارب تقبلونا كبار في السن لكن بنجادل شوية شوية . ... عندي كم سؤال كدا .. ياخ في التمنينات كان مكتبة في امدرمان جنب المجلس الله يرحم ايام زمان وفي مكاتب في البوستة غير الفريشة هل الناس دي لسة محتفظة بي الرونق ولا اتلاشت الملامح ... الثاني : ياخي الكريم في روايه زمان وقعت في يدي والحارقني انها لاكانت بي غلاف لا بي رقم متسلسل يعني صعب اجيب ليك اسم الكاتب واسم الرواية نفسي اقراها تاني المهم بطولة الرواية دي فكي وواحدة اسمها اسيا اسلوب قريب القامة الطيب صالح لكن مامتأكد وفيهو حكاوي شبيه القصة اعلاه لكن هو متحرر شوية لو عرفته الاسم ارجوا انك تزودنا بيهو وتتحفنا بالنقد والتحليل .. مشكور ودمتم بود

    ردحذف
  4. شركة طيوب لتسليك المجاري تعد الشركة الاولي بالمنطقة الشرقية لتسليك المجاري وشبكات الصرف وبالوعات الصرف للمطابخ والحمامات باستخدام افضل الاجهزة الحديثة وامهر العمالة المتخصصة والمدربة علي تسليك مجاري المياه وسبكات الصرف وفق القواعد الاساسية لتسليك المجاري فتعد شركة طيوب لتسليك المجاري خير صديق لراغبي تسليك مجاري المياه فلديها افضل شركة تسليك مجاري بافضل جود وارخص الاسعار بجميع مدن ومحافظات المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية فلدينا الخدمات الاتية

    شركة طيوب لتسليك المجاري
    شركة طيوب لتسليك المجاري بالقطيف
    شركة طيوب لتسليك المجاري بالدمام
    شركة طيوب لتسليك المجاري بالخبر
    شركة طيوب لتسليك المجاري بالجبيل
    شركة طيوب لتسليك المجاري بالاحساء
    طيوب للمجاري
    طيوب لتسليك المجاري بالقطيف
    طيوب لتسليك المجاري بالمنطقة الشرقية

    ردحذف