الثلاثاء، 11 يناير، 2011

قراءة نقدية في رواية قونقليز

بقلم: محمد النور كبر

في رد الإعتبار للتبلدي ، كواهب للحياة ، وليس رائحة الموت:
عن رأي لجنة التحكيم

ثمة ملاحظة عن تسبيب لجنة التحكيم في قرارها حول رواية (قونقليز لهشام ادم)، قالت اللجنة (قونقليز العنوان الدال على رائحة الموت)، وهذه الجزئية تحتاج التوقف و التأمل و المراجعة، لأنها اصبحت دمغة تقييم و تكييف لمجمل الرواية ، و معظم القراء و القارئات سيأخذ بها و يعتبرها مدخل لفهم احداث الرواية. و في اعتقادنا هي اشارة خادعة و مضللة.

القونقليز هو ثمرة شجرة التبلدي، و في المثيولوجيا و ذاكرة بعض المجتمعات السودانية (مثلا في كردفان) التبلدي يرتبط بالحياة، عكس الموت ، و يعد التبلدي واهب الحياة. في مجتمعات شمال كردفان ، وهي جغرافية يصيبها الجفاف و العطش كثيرا ، فالتبلدي مرتبط بتخزيين الماء ، و الماء هو سر الحياة . و الإنسان هناك يستخدم اوراق التبلدي الخضراء في نظامه الغذائي (مكافحا للموت جوعا) ، و يستخدم ثمرته في العلاج ، و يستخدم لحائه في صناعة الحبال و العناقريب ، و ظل شجرة التبلدي عنوان للضرا الكبير و هو مجمع الملمات فرحا أو كرها. باختصار التبلدي هو عنوان الخصب و العطاء ، و تلك اظنها من عناوين الحياة الكثيرة ، ولا علاقة لها بالموت من بعيد أو من قريب..!

استغربت لإشارة لجنة التحكيم بان رائحة القونقليز هي رائحة الموت ، أو سلب الحياة ، و تلك اشارة غير موفقة ، اضافة لكونها تشكل تزيد بصورة اعتباطية و تظلم فكرة الرواية الأساسية. فالقونقليز ليس بثمرة سامة حتى نقول انها تشبه الموت أو تدل على الموت ، او تسبب الموت.بل بالعكس ، ان كان المرض طريق مؤدي للموت ، فالقونقليز في بعض الأحيان يستخدم في علاج المرض ، أي محاربة الموت..!!

في الرواية اشارات كثيرة تذهب الى عكس ما ذهبت اليه فكرة لجنة التحكيم عن عنوان الرواية ، و في نفس الوقت تؤكد أن الرواية تستطبن التبلدي ( و ثمرته القونقليز) كمعنى معادل لمعنى الموصوف واهب الحياة. عنوان الفصل الأول (في عزاء القونقليز) وعمليا يبدا بفكرة ذهاب بطل الرواية شرف الدين الى حضور و تقبل العزاء في امه المتوفية ، و ان كان عنوان هذا الفصل لم يتحدث صراحة عن ان القونقليز، كواهب للحياة ، معادل للأم كواهب للحياة ، الإ ان الإشارة فيه تذهب لذلك. مثلا في الفصل الأول يقول الرواي في وصف فكرة الأم، واهبة الحياة عند بطل الرواية (ورائحتها القريبة من رائحة القونقليز) نفس الفكرة تكررت في الفصل الخامس (شئون عائلية) حيث يقول الراوي في وصف بطل الرواية (باحثا عن رائحة امه القريبة من رائحة القونقليز ) ، و ايضا تكررت في الفصل السابع و عنوانه (المتوتر) حيث يقول الرواي عن البطل (أو عن رائحتها التي تشبه رائحة القونقليز)

و الرواية قالت بصراحة عن فكرتها حول رائحة الموت ، و التي قطع شك لا علاقة لها برائحة القونقليز ،و يصف الراوي فكرة الموت عند بطل الرواية في اكثر من موضع . في الفصل الأول و عنوانه ( في عزاء القونقليز) يصف الرواي فكرة الرواية و فكرة بطلها عن الموت بقوله: (للموت عنده ، رائحة مزعجة و قريبة ، أو أشبه برائحة القطن المبلول)، و نفس الفكرة تكررت في الفصل الثامن ، و هو الأخير ، و عنوانه (ذكريات مشوكة) ، حيث يحدثنا الرواي و هو يصف قمة تصاعد مأساة بطل الرواية شرف بقوله (افاق شرف و رائحة القطن المبلول تملأ خياشيمه)

ونتساءل ببراءة: هل لا تعرف لجنة التحكيم رائحة الموت ، أم أنها لم تقرأ الرواية ؟


المثلي (كآخر) : تواصل مع رواية قونقليز لهشام ادم

رواية (قونقليز لهشام ادم) هي رواية في المسكوت عنه اجتماعيا و اخلاقيا ، و هي في نفس الوقت تدشن نفسها كرواية (نفسية) و (اجتماعية) بطريقة أو باخرى. تطرقت الرواية لفكرة الأخر الأخلاقي و الإجتماعي ، و ذلك عبر محاولتها مقاربة فكرة وجود البطل المثلي المتوتر السلبي الذي ينتهي به المطاف الى المؤسسة الصحية النفسية كواحدة من ادوات العقاب و الإقصاء كما حدثنا عنها ميشيل فوكو. و ان كانت الرواية قد اختارت مجتمع قرية العيكورة القروي المعزول ، فانها لم تفارق المجتمع السوداني الكبير ، و هو مجتمع ، في راينا ، متوتر جنسيا ، و يشكل الجنس هاجسا كبير في اذهان افراده (رجالا و نساءا). في مقاربتها لموضوعة الجنس ، ذهبت الرواية الى دحض الترابية الإجتماعية و فضح النفاق الإجتماعي الكبير الذي يصنع تراتبيته الخاصة با لتمييز بين نساء الجنس المنفلت و نساء الجنس المضبوط (اكيج دينق/ وقية عبد الباسط ) فالمجتمع السوداني يقبل بفكرة الجنس مع اكيج دينق ، اما فكرة الجنس مع وقية عبد الباسط يستهجنها على اساس تقسيمات مثل بنات الناس و غير بنات الناس ،و الرواية اتفقت مع فكرة بنات الناس في هذه النقطة لدرجة انها استماتة لتقنعنا في النهاية ان ما حدث مع وقية عبد الباسط هو مجرد وهم و خيال لأن وقية تزوجت قبل خمسة عشر سنة و ذهبت مع زوجها لبلد اخر بعيد. و خلاصة الفكرة أن التقييم الأخلاقي تجاه الجنس المقبول و الجنس المرفوض غض النظر عن فكرة الحلال و الحرام. و لكن الرواية تجاوزت ذلك ، و قدمت فكرة البطل عن رؤيته للكون ، و التي دشنتها بوعيه لذاته (وصديقه حسن البلولة/ ايضا الرواية استماتت في خواتيمها لتقنعنا بان البلولة هو مجرد خيال و انه هو البطل شرف الدين في نفسه حينما حاصره الأمن و انتحل ذلك الإسم) باعتبارهم هم الأخر. و مثل هذا الآخر لا مصير له سوى العزلة سواءا كانت اخلاقية أو اجتماعية أو عقابية. تحدثت الرواية عن البطل الذي يعيش في عوالمه الخاصة (فكرة القائمة الطويلة من المشتروات، فكرة الفشل العاطفي المتكرر ، فكرة العقاب من قبل الأب في جنية لم يعرف عنها مجتمع القرية ، فكرة الهروب الى الفضاءات الخارجية مثل حقول القصب..الخ). و في كل ذلك متابعة لتفاصيل الاخر الى ان يفصح عنها البطل اكثر من مرة.

ايضا الرواية تطرقت للمسكوت عنه في جانب اخر. فالبطل في الرواية يقول رأيه عن امه بصورة ساخرة تزعج كثيرا افكار و اذهان الكثيرين و الكثيرات من اهل المجتمع السوداني. في المجتمع السوداني نادرا أن يصرح فرد برأي سلبي (حسب منظومة القيم) عن الأم ، وان حدث ذلك يكون في الضمير أو في مجالس خاصة للغاية.

وجانب اخر من المسكوت عنه و تطرقت له الرواية ، هي مقاربتها لفكرة العنوسة في وسط الرجال. وهذه مشكلة اجتماعية لا يرغب المجتمع السوداني في التحدث عنها ، ولا يعترف بوجودها . طبعا الرواية حاولت مقاربة هذه الفكرة كمدخل استغلته في محاولتها مقاربة فكرة بطل الرواية عن الوجود الذاتي.

و ان كانت الثيمة الجوهرية لرواية (قونقليز) هي تقديم نموذج البطل المثلي (باعتباره اخر اجتماعي و اخلاقي) الإ انها وهنت فكريا و فلسفيا و جماليا ، و ذلك بتواطئها مع قيم المجتمع الموجودة. الرواية في بعض مفاصلها ذهبت الى الهذيان و التماهي مع فكرة المجتمع السوداني عن المثلي. فالذهاب الى المصحة النفسية ( كمؤسسة اقصاء) بررت له الرواية بانه مؤامرة في تقسيم تركة و ارث ، و لكن تفاصيلها تذهب الى اعمق من ذلك بأعتبار أن المثلي مريض نفسيا و يحتاج العلاج. و هذه الفكرة عكس فكرة اخرى قدمها الكاتب محسن خالد ، و هو اول كاتب سوداني يقارب فكرة البطل المثلي في رواية (تيموليلت). و اذا جاز لنا المقارنة ، فمحسن خالد قدم البطل المتمرد المعتد بذاته الذي ينحاز لوعيه الخاص و يجابه الحياة ، دون التدخل باسقاط قيم اخلاقية أو اجتماعية تنتهي بان تجعل من الإنسان المثلي انسان مريض يجب على الأسرة و المجتمع أن يذهب به الى المصحة النفسية (كمؤسسة للإقصاء). و في اعتقادي ان الإستهجان الذي جوبهت به رواية تموليلت من البعض في المجتمع السوداني لأنها حاولت ان تقارب فكرة البطل المثلي الإيجابي(كاٍنسان/ة عادي/ة) ، بينما جوبهت رواية (قونقليز) بالقبول لأنها قدمت البطل المثلي السلبي و الذي لا مكان له الإ المصحة النفسية (كمؤسسة للإقصاء)

هناك تعليقان (2):

  1. مبدع كعادتك يا ساتاذ هشام

    ردحذف
  2. فرغت الان من قراءة الرواية واعتقد انني ساعيد قراتها مرة اخري
    الرواية طرحت فكرة الانهيار النفسي الانسان بعد تعدي اجهزة القمع عليه .. تطرقت الي الاغتصاب في الغرف الفارغه .
    كذلك قدمت الروائي كمتحرر من قيود الدين والمجتمع المتطلع لخلق قيم انسانية ذاتية غير مغللة .
    تطرقت ايضا للصورة النمطية عن بائع الخمر دائما من عرق زنجي
    صب الروائي الكثير من ثقافات التشكيلي
    اعجبتني وادهشتني جدا في الانتقال من انسان واعي له رأي في كل القيم الاجتماعية الي انسان مريض متحكم به في الرواية .
    سأعود بعد القراءة التانية .....

    ردحذف