الخميس، 18 مارس، 2010

رؤية حول إضراب أطباء السودان

إن نحن حاولنا إزالة الغبار المتراكم حول موضوع إضراب بعض أطباء السودان لمحاولة فهم حقيقي لأبعاد المشكلة وتداعياتها، فإننا سوف نقف على مطالب إنسانية ومبدئية ودستورية عادلة جداً، وقد نتجادل حول المطالب في جزئياتها الثانوية، ولكن ليس حول كُلياتها العامة على الإطلاق؛ فمن أبسط حقوق المواطن في أيّ دولة أن تتوفر له فرص العمل المناسبة لمؤهلاته، وأن يكون أجره الذي يتقاضاه متناسباً مع ما يُقدمه من عمل وإنتاج من ناحية، ومع متطلبات المعيشة من ناحية أخرى.

تتمحور مطالب الأطباء المُضربين في سبع مطالب أساسية تتمثل في: [1] توظيف العاطلين من الأطباء لخلق موازنة بين أعداد الأطباء والمرضى. [2] توفير المناخ المهني المناسب الذي يُمكّن الطبيب من أداء عمله بالكفاءة المطلوبة. [3] مجانية العلاج. [4] سداد المتأخرات المالية المستحقة للأطباء. [5] رفع مرتبات الأطباء لمجابهة ظروف المعيشة. [6] توفير الحماية للطبيب في بيئة عمله. [7] تأهيل الأطباء وتوفير وسائل البحث العلمي والإلكتروني ليظل الطبيب مواكباً للمستجدات في مجاله.

يتخذ إضراب أطباء السودان الآن منحىً خطيراً، ويدخل مرحلة حرجة إلى حدّ التصادم المباشر مع الحكومة، متزامناً في ذلك مع مرور البلاد باحتقان سياسي وأزمة حقيقية أنتجتها تداعيات الانتخابات، والخلافات الواسعة والمُربكة التي تشهدها الأحزاب والقوى السياسية المختلفة المتنافسة على السُلطة؛ الأمر الذي يجعلنا غير قادرين على إغفال الجانب السياسي من تحرّك الأطباء وإصرارهم على تصعيد الموقف في هذا التوقيت بالتحديد، والتساؤل عن أخلاقية الإضراب في مثل هذا القطاع الحساس والذي يتعلق بصحة الناس وحياتهم، فهل يُمكننا المغامرة بمثل هذه القيم الإنسانية العليا، من أجل مطالب حتى وإن كانت مشروعة وقانونية؟ هذا الأمر يحتاج منا إلى إعادة النظر والوقوف أمامه طويلاً، فما ذنب المرضى وذوي الحالات الحرجة ليكتووا بآلام المرض تارة وبآلام الظرف السياسي والمعيشي تارة أخرى؟

ورغماً عن حقوقية المطالب التي يرفعها بعض الأطباء؛ إلا أنها -بهذه القراءة- لا تعدو كونها واحدة من حبائل قوى المعارضة السودانية وشراكها التي تسعى بواسطتها لنسف الانتخابات، عن طريق إشعال فتيل أزمة وهمية ذات جذور حقوقية وإنسانية، وبذلك يتوفر لها الدافع القوي للتصادم مع الحكومة؛ وبالتالي نسف العملية الانتخابية برمتها. وليس جديداً على المعارضة السودانية تبني القضايا ذات الواجهات الإنسانية والحقوقية، في محاولة لتلميع نفسها، وكسب ثقة الشارع السوداني، دون أن يُسفر تبنيها لهذه القضايا عن أية منجزات ملموسة على أرض الواقع، أقول هذا الكلام ونحن نتذكر قصة الطفلة سيلفا الكاشف وقضيتها مع قوانين النظام العام؛ فماذا فعلت المعارضة لحل مشكلة هذه الطفلة المسكينة غير أنها تمسحت بحمايتها دفعاً بنفسها إلى واجهة العمل الوطني والإنساني؟ لا شيء على الإطلاق.

إن القراءة المتوفرة لديّ من كل ما جرى ويجري في السودان في الآونة الأخيرة تجعلني أقول إن قوى المعارضة في السودان تعيش حالة من الذعر فرضتها وقائع المشهد السياسي وأحداثه المتسارعة والمطردة، وحالة الفوضى التي تشهدها هذه الأحزاب سواء فوضى داخلية [داخل الأحزاب] أو فوضى بينية تتمثل في تهافت الاستراتيجيات التي يقوم عليها تحالفات قوى المعارضة والناجمة بدورها عن تضارب المصالح والرؤى، وضمور الفاعلية في خلق الأهداف والخطط بعيدة المدى.

ورغم تعقيد المشهد السياسي السوداني في الوقت الراهن، والذي يحول دون إمكانية وضع تنبؤات معقولة للمستقبل؛ إلا أنه يُمكننا بوضوح قياس الفوضى والطفولة السياسية التي تعيشها قوى المعارضة في مقابل التنظيم الاحترافي العالي الذي تتمتع به الحكومة؛ حتى في خرقها للقانون الدستوري والأخلاقي والقيمي، ولاشك أن المعارضة واعية ومدركة تماماً لهذا الفرق الشاسع بينها وبين الحكومة على مستوى العمل السياسي والتخطيط الاستراتيجي، ولكنها –وحتى اللحظة- غير قادرة على تجديد آليات صراعها مع الحكومة بحيث يتلاءم مع هذا الوعي وهذا الإدراك، وتصر على ممارسة دورها الكلاسيكي بغباء مستخدمة آليات لا تملك القدرة على تجديدها أو حتى توظيفها بالشكل المناسب، ليكون الصراع بينها وبين الحكومة كصراع البدائي مع إنسان الفضاء!

ولأن المعارضة مُدركة تماماً لحقيقة هذا الاختلاف بينها وبين الحكومة؛ فإنها على الدوام ساعية إلى عرقلة العملية الانتخابية؛ فهي تعلم علم اليقين أن نتائجه ستكون وبالاً عليها، ولكي نحسن الظن بهم فإننا لن ندعي أنهم خائفون من ضياع السُلطة من بين أيديهم، ولكننا سنقول: إنهم خائفون من العار الذي سوف يُلحقه بهم التاريخ؛ لأنهم كانوا السبب في ضياع الديمقراطية والشرعنة لهذه الطغمة الحاكمة بكل الغباء السياسي الممكن، ولقد شهدنا من قبل عدة محاولات للمعارضة حاولت عبرها نسف الانتخابات ولم تنجح، فجاءت معركة الأطباء هذه كواحدة من هذه المحاولات، وما أحداث بداية ومنتصف ديسمبر 2009م عنا ببعيدة.

رؤيتي الواضحة للأحداث أن المؤتمر الوطني سوف يفوز بالانتخابات لا محالة، فهو الحزب الأكثر تنظيماً، والأكثر إقناعاً للمواطنين، والأكثر التصاقاً بالشارع السوداني، والأكثر قدرة على الإنجاز الفعلي والنظري في كافة المجالات؛ رغم كل ما نعرفه عنه من فساد وجرائم لا يُنكرها إلا أعمى بصر وبصيرة، وقد رأينا كيف تتعاطى الحكومة مع الأحداث الخارجية والداخلية برزانة وحنكة حتى في أكثر المواقف حرجاً؛ رغم علمنا اليقيني بما يشهده المؤتمر الوطني من اختلافات وتباينات وانشقاقات داخلية؛ إلا أنه ظل –ظاهرياً- محتفظاً بقدر كبير من الرزانة ورباطة الجأش، مستفيداً حتى من التحركات الموجهة ضده داخلياً وخارجياً؛ الأمر الذي تفتقده بقية الأحزاب والتنظيمات السياسية التي يتسم سلوكها السياسي بالعنترية وردود الأفعال غير الناضجة وغير المدروسة.

إن ما يحدث الآن على الساحة هو: إما أن يكون محاولة للحيلولة دون فوز المؤتمر الوطني بالانتخابات عبر الحيلولة دون قيام الانتخابات نفسها، أو تمهيد لسلوك سياسي لمرحلة ما بعد الانتخابات يتسم بالعنف أكثر من أيّ شيء آخر؛ فبالإضافة إلى ما تعانيه أحزاب المعارضة من إشكاليات حزبية هيكلية وتنظيمية وتنسيقية فإنها تعي تماماً بواقع عزلتها عن الشارع السوداني، وأزمة الثقة واللتان تجعلان المعارضة لا تعوّل كثيراً على أيّ حراك ثوري تدير دفته وتمرر من خلاله أجندتها الخاصة كما في السابق، ولكن تظل الآمال على الدوام معلقة على فرضية [حتمية التغيير] وشعاراته، حتى وإن كان هذا التغيير سوف يأتي على كف عفريت المصادفة والتصيّد لزلات الحكومة والتي لم تكن خافية على الشعب يوماً ما.

إن حقوقية مطالب الأطباء تشوبها الطابع السياسي الذي خرجت به؛ حتى ولو رغماً عنها، وأعتقد جازماً أن هذه الشائبة سوف تطيل أمد المطالبة إن لم تضيّعها من أساسها، كما تشوبها رعونة التوقعات عبر التصعيد الذي لا أراه منطقياً على الإطلاق؛ فليس بوسع هذه المطالب أن تنال حظها من الاهتمام إلا في ظل دولة القانون وحقوق المواطنة، وبالتالي فإن الوقت الملائم لطرح هذه القضايا هو بعد الانتخابات وليس قبله، ولا أرى أيّ حنكة في تصعيد الموقف مع الحكومة التي تصر على استمرار الانتخابات في موعدها رغم كل العراقيل والنداءات من بعض الجهات بذلك، فيبدو أن الحكومة باتت متعطشة لتحقيق حلمها في الخلاص من جلد الحكومة الانقلابية والدخول في جلد الشرعية الذي سوف يُطيل عمرها إلى أمد أطول مما قد نتوقعه.

ليس بالإمكان المطالبة بمجانية العلاج [مثلاً] في وقت هكذا، ونحن هنا لا نتكلم عن حقوقية المطلب أو عدمه، ولكننا فقط نتكلم عن التوقيت، فهل ثمة دولة قانون ودستور حتى نطالبها بمطالب دستورية وحقوقية؟ وهل بقية الحقوق الدستورية متوفرة حتى لا يتبقى أمامنا إلا حقوق الأطباء ومطالبهم؟ أعتقد أن جُل المطالب التي يُنادي بها الأطباء هي من أبجديات الديمقراطية ودولة المواطنة غير المتحققة في الوقت الراهن، وعليه فإن الجدير بالإتباع هو تكثيف الجهود من أجل إنجاح العملية الانتخابية والحيلولة الديمقراطية دون وصول المؤتمر إلى السُلطة الشرعية؛ مما يُمهّد الطريق نحو دولة ديمقراطية تتحقق فيها كافة المطالب الحقوقية ويُعاد النظر فيها إلى القوانين ويُراعها فيها تغيير ما يلزم من تشريعات ودساتير من شأنها أن تجعل إحلال هذه المطالب أمراً مُتيسراً دون اللجوء إلى المصادمة المباشرة مع الحكومة، ولاشك أن بقية المطالب سوف تأتي تبعاً لذلك بشكل تلقائي.

إننا في السودان نشكو من انعدام الحقوق المواطنية والدستورية، وثمة مشكلات أكبر من مشكلات الأطباء، فهم –وإن كنا نقدّر لهم ما يمرون به- ليسوا سوى شريحة واحدة من شرائح الشعب المتضررة من انعدام الحريات وسيادة القانون وغياب الدستور؛ وأعتقد أن سعينا لإنجاز مطالب الأطباء الآن هو كتدريس أتكيت الطعام والمائدة مع انعدام الغذاء والطعام! فلتقم الانتخابات ولنحاول فيها أن نكثف جهودنا لإسقاط النظام كأولوية، وبعدها بإمكان الجميع المطالبة بحقوقهم ضمن دولة تعترف أساساً بهذه الحقوق. العاملون في قطاع القضاء والمحاماة، والعاملون في قطاع المصارف، والعاملون في قطاع التجارة، والعاملون في قطاع الصناعات الخفيفة، وليتقدم العاملون في سلك التعليم بمظالمهم ليطالبوا بإعادة المفصولين، وتحسين رواتبهم لتتناسب والوضع المعيشي، وتطالب بتوفير وسائل التعليم وبيئته وتجديد وترميم المنشآت التعليمية، وتطالب بتغيير المنهاج التعليمية، ومجانية التعليم، ومجانية الكتاب المدرسي وغيرها العديد والعديد من المطالب المنهوبة في ظل دولة لا تعترف لا بحقوق المواطن ولا كرامته.

وفي الختام فإنني أتوجه برسالة إلى الدكتورة ناهد محمد الحسن التي أعلنت إضرابها عن الطعام، فبعد تحيّتي لوقفتها الشجاعة والقوية، والتي بكل تأكيد نفتقر إليها، وتعيد إلى ذاكرتنا الخاملة دور المرأة السودانية الرائد والفاعل في الحياة العامة والسياسية؛ إلا أنني أرى أن إعلانها الإضراب عن الطعام -رغم أنه وسيلة حضارية وديمقراطية عالية القيمة- إلا أنني أرى أن هذه الخطوة غير مُجدية إلا في الدول التي تولي اهتمامها الكبير بالإنسان وحقوقه وكرامته، ويُسيء ضميرها العدلي مثل هذا السلوك من أحد مواطنيها، ولكن دولتنا هذه لا تكترث بمثل هذا السلوك ولا تعترف به، فهي دولة تجوّع شعبها عن قصد؛ فهل يُضيرها أن يجوّع أحدهم نفسه بإرادته؟ دولة تقتل مواطنيها وترتكب ضدهم أبشع الجرائم الإنسانية؛ فهل يُضيرها أن يُشرف أحد مواطنيها على الموت بإرادته؟ إنها –سيدتي- وقفة شجاعة، ولكنها للأسف ليست في الوقت أو المكان المناسبة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق