الأربعاء، 10 فبراير، 2010

رسائل تفتح بمعرفتها فقط (15-16)

الرسالة الخامسة عشر:
هاهنا الحزن يأخذ شكل إنسان .. أو طير بلا أجنحة .. أو يغدو شبحاً يحوّم في زريبة الجسد المترهل. يدخل في شكل تثاؤب ويخرج في شكل تجاعيد. الحزن يا حبيبتي لا يعني بالضرورة البكاء ولا يشترط اقفهرار الوجه. هو إنما شيء كالروح يسكن في دواخلنا ويتغذى على ملامحنا، شيء يراهن على سنوات العمر واستقامة الظهر. عندما ترى الأشياء ببعدٍ واحد ولون واحد ولا تجد في تلك الأشياء ذات الرائحة ولا الطعم. الحزن والألم أخوة في الرضاعة. الحزن يدخل على الوجوه الواجمة بكامل أناقته ويجلس القرفصاء. يمدد رجله اليسرى، له طعم الزنجبيل برائحته الغريبة وطعمه اللاذع غير القابل للذوبان.

لا يفوق حزني الآن شيء إلاّ شوقي إليك، ولا يعبرني شيء غير ملامحك المبتسمة (كما هي) بصورتها الكاملة والملوّنة، وبقية الأشياء – كما قلت – تبهتُ أو تذوي. تتصاعد الأنفاس ساخنة أو فاترة من رئة أنهكها النيكوتين وأتربة العاصمة.

ذهبت إلى العاصمة بالأمس، لم أخبر أحداً بذلك، تفاجئوا بي وأنا أمامهم. حتى أنا لم أخطط لذلك إلاّ متأخراً. الطريق الصحراوية من هنا إلى العاصمة مدّت لسانها الإسفلتي في وجهي وكأن العاصمة تهرب مني. لا عليكِ .. فالحزانى سوداويو الرؤية دائماً. كانت الطريق طويلة على غير عادتها، ورغم أني اعتدت فيما مضى على هذه الرحلة شبه الأسبوعية إلاّ أنها كانت رحلة بائسة هذه المرة. ولأول مرة لم أعد مكترثاً بارتقاب اللافتات المرورية التي على الطريق، لم أهو حساب المسافة وهي تقصر كلما اتجهت غرباً. الشيء الوحيد الذي كنت أفعله بانتظام هو تعاطي التبغ و (قزقزة) التسالي.

الجميع بخير والحمد لله. أبي كان نائماً عند وصولي، هذه عادته دائماً ينام كالعصافير بعد صلاة العشاء والغريب أنه لا ينام إلاّ على أريكته الحصرية وهو يشاهد (الجزيرة) أو (العربية) مؤخراً. والدي روتيني قح، لا يوتره إلاّ أن يطرأ على برنامجه اليومي طارئ.

أمي كانت تصبغ شعرها بالحناء بعد أن وضعت كيس النايلون على يديها مستخدمة فرشاة أسناني القديمة ورغم احترازها الشديد إلاّ أنها – في كل مرة – تضطر لتغيير ملابسها بعد أن تتسخ بالكامل. أختي الصغرى كانت على وشك النوم فاستيقظت لسماع صوتي، ما زالت تعاني من الاكتئاب المسكينة. أفرحها جداً أني أهديتها رواية لحنّا مينا وفي منتصف الكتاب تقريباً وضعت لها عملة ورقية من فئة الخمسمائة ريال. كم أشفق عليها كثيراً .. ليست هي الوحيدة التي أشفق عليها، إنما أشفق على كل الفتيات اللواتي في مثل سنّها. هذه البلاد يا حبيبتي تقتل فينا أشيائنا الجميلة، تقتل فينا حاسة تذوق الحياة والتمتع بها. ما ذنبها وهي ذات الثلاثين خريفاً أن تصبح كامرأة في الخمسين، لا تكاد تقدر على شيء. كلنا في الهم مطحونون يا حبيبتي .. غير أني لا أبالي بنفسي كثيراً فأنا بدأت أعتاد على ذلك. ولكنها – أختي – لا تستحق، فهي فتاة طيبة تحب المزاح كثيراً.

يسمونها (فنديقة) لأنها قصيرة كالفندي. والفندي في لغتنا وتد مدبب في أوله يستخدمه المزارعون والنساء لربط بهيمة الأنعام. غير أنها عندما كانت صغيرة حرّفت – ببراءة الأطفال – اسمها من (فنديقة) إلى (فنّيبة) فأصبح اسمها إلى يومنا هذا، وهي أقصرنا قامة وأطولنا ابتسامة ووداعة، لها الله هذه الفنّيبة ليتني أستطيع مساعدتها ولو بالقليل. لا تعلمين كم شعرت بالسعادة الغامرة وهي تخلط ابتسامتها الأنثوية الجميلة بدمعة أخوية رقيقة عندما اكتشفت النقود بين صفحات الرواية. أحسست عندها أنني أضفت إلى عمرها عامين أو يزيد.

في الصباح .. بينما والدي يتجهّز لصلاة الجمعة، أسرّت لي أمي بشيء، فقد أخبرتني وهي لا تكاد تقلع عن الفرحة الطازجة أن أختي التي تزوجت مؤخراً ..قد تحمل في بطنها جنيناً عن قريب!! هي لم تخبر أبي ولا حتى شقيقتي .. ولكنها تدري أنني سوف أفرح بهذا الخبر أيما فرح .. عندها لا أدري .. تذكرتك عندما أخبرتني عن مكالمتك بها وكيف أن صوتها الذي بنكهة البن التركي كان يوحي لك بصداقة وشيكة بينكما، وكأن هذا كان بالأمس فقط. ربما كان ذلك هو أكثر ما أفرحني في رحلتي الأخيرة إلى العاصمة، وما عداه كان روتينياً لا يحمل الجديد.

عني .. فأنا بخير. ولا ينقصني شيء إلا رؤيتك الغالية والتي أتمناها على الدوام. كوني بخير حبيبتي .. فأنتِ الجانب الوحيد المضيء في هذه اللوحة المسماة (حياتي). كم أتمنى يا حبيبتي أن لو أستطيع أن أفرحك كما أفرحت شقيقتي. كم أتمنى أن أراكِ لا تغادركِ الابتسامة. كم أتمنى أن لو أقدر أن أختطف النجوم من السماء – هكذا عنوة – وأجعل منها خرزات قلادة تعلقينها على جيدك البض. كم أتمنى أن لي ملك سليمان وعصا موسى إذاً لسخرتهما فيما يجعلك سيدة العالم، مليكة على عرشٍ لا تلمسه الأيدي، ولا تطاله الأمنيات. ولكنها تظل محض أمنيات .. ألا قطع الله اليد القصيرة.

إلى خطاب آخر حبيبتي .. وفي انتظار ردك على هذه الرسالة. لك من التحايا ما يليق بك.


الرسالة السادسة عشر:
وما زلت يا حبيبتي في دوائر الأحزان أمارس هواية النساء العواجيز، أفلت بكرة خيط ملوّنة ثم أعود ألملمها مرة ثانية. أنسج كنزة من الصوف بحجم كف ثم أعود أحرر الصوف من العقدة. وبين كل فتلة وأخرى نفس شهقة مرعبة لا تخرج إلا عندما تكتمل الدورة التنفسية! الأفق صار أقرب من جدار غرفتي الصغيرة، هذا يعني أنني في نهاية العالم أو مبتداه. أنا لم أعد كسابق عهدي على أي حال. تتناوشني مناقير الذكريات تنهش جلدي وتترك اللحم! لست أدري على وجه الدقة ماذا أريد.

قبل أيام أوقفني شرطي بينما أنا أعبر الشارع إلى الجهة الأخرى عائداً من عملي بعد العاشرة مساءّ سألني عن هويتي، فناولتها له في برودٍ روتيني، وضع الهوية إلى جواره ثم قال لي: "اركب معنا." إنها سفينة نوح التي لا تحمل معها من كل جنسية إلا زوجاً واحداً. أردت أن أسأله عن السبب أردت أن أعترض، ولكنني ركبت معهم بكل خشوع، فلا طائل من الكلام ولم تكن لي رغبة في (المناكفة) فأشرطته اللامعة التي يعلّقها على كتفه كفيلة بأن تنهي الحوار لصالحه.

نحن يا حبيبتي في هذه محض (أجانب) رغم أننا أفصح منهم لساناً. وفي مخفر الشرطة جلست على كرسي خشبي طويل أزرق اللون. مخفر الشرطة عالم مجنون تماماً كعالم الخارجي، غير أنه أشد دكنة أو زرقة. بعد ساعة مرّ عليّ أحدهم (شرطي فضولي) سألني بلهجته التي تشبه إلى حد بعيد صوت اصطكاك باب حديد قديم: "وش عندك؟" فرفعت رأسي – في خشوع - : "لا أدري!" حاول الشرطي أن يستشف من ملامحي علامات استخفاف غير أنّه لم يجد غير وجه بائس حزين ومتعب، فانصرف.

بعد ساعة أخرى؛ جاء (كبيرهم الذي علّمهم السحر) دخل فوقف الجميع، إلا (الأجانب) قال بصوتٍ آمر: "أدخلهم الواحد تلو الآخر." ولأن (الأجانب) مصنّفون في هذه البلاد حسب أبجدية اللغة العربية فقد كنت أولهم. دخلت عليه لأجده شاباً لا يتجاوزني إلا بسنتين على الأكثر. رفع عينيه دون أن يرفع رأسه وسألني نفس السؤال بنفس النبرة الحديدية: "وش عندك؟ "فأجبته نفس الإجابة، غير أنه أعاد السؤال، فأخبرته أنني كنت في طريقي إلى البيت عائداً من عملي، فالتقطتني سيارة الشرطة دون أن أعرف سبباً لذلك. عندها أمر بالشرطي وسأله عن مخالفتي فقال له: "إقامته منتهية!" تفحّص الضابط هويتي جيداً فلم يجدها كذلك .. فقال بكل سماجة: "الله يهديك بس .. التجديد في الورقة من الخلف"

سلّمني الضابط هويتي وهو يقول بذات السماجة: "اتوكل ع الله يا زول!" هكذا؛ بكل هذه البساطة؟ كانت الساعة تدق الواحدة صباحاً، وأنا لم أنم ولم أرح جسدي منذ أن استيقظت صباحاً عند الساعة السابعة. عقدة الحكاية أنه كان عليّ أن أعود على قدمي حيث يندر مرور عربات الأجرة في ذلك المكان.

أتعرفين ماذا يعني هذا يا حبيبتي؟ يعني أننا في هذه البلاد محض دمى لها أوراق ثبوتيّة، وقتنا لا قيمة له عندهم، كرامتنا لا قيمة لها عندهم، نحن أنفسنا لا قيمة لنا عندهم. وجدتني عندها أتدحرج في دائرة حزنٍ أكبر. اكتشفت في نهاية الأمر أن الشرطي (أصلحه الله) كان يمسك بهويتي بالمقلوب فلم يتمكن من قراءة التاريخ الصحيح. لابد أن اللوم يقع عليّ دون شك كان يجب أن أعطيه الهوية من الجهة الصحيحة.

عدت إلى غرفتي لا ألوي على شيء .. حتى أنني لم أشأ أن أتذكر تفاصيل ما حدث، كل ما أردت أن أفعله هو أن أضبط ساعتي وأنام حاضناً صورتك التي أنزلتها من الجدار فوق سريري. في الصباح كان كل شيء يعيد ترتيب نفسه: الألوان .. الروائح .. الوقت .. الطقس .. زجاج نافذتي الذي شاب بفعل الرطوبة .. كل شيء إلاّ أنا وأنت داخلي! قلت في نفسي: "طالما أننا لا نتغيّر فهذا يعني أن عنصر الإناسة داخلنا مازال يعمل ولم يتعطّل بعد." فحمدت الله سراً وخرجت.

عن الخبر السار الذي وعدتك به، فلقد ضاع الحلم كما يضيع الزبد في الماء يا حبيبتي .. وبلغة المحاكم (يظل الحال على ما هو عليه وعلى المتضرر اللجوء إلى القضاء) ولا راد لقضاء الله! لا بأس فمازال عنصر الإناسة حياً يرزق داخلنا .. ولن يخبو الأمل حتى تفارق الروح هذا الجسد.

تحياتي إلى أسرتك الكريمة وإلى الجميع .. وإليكِ قبلاتي الحارة والأشواق الطازجة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق