الثلاثاء، 26 يناير، 2010

رسائل تفتح بمعرفتها فقط (7-8)

الرسالة السابعة:
إلى التي تعبر نهر ذكرياتي إلى شاطئ اللحظة المثالية، تغرس في تلة القلب رايتها الخضراء في إشارة إلى الخصوبة. إليها وحدها تلك التي تعرف مواعيد اندلاق الندى كل صباح، ومواعيد انفلات الخيط الأول من النور. إليها وهي تعبر كل حدود المعقول واللامعقول بإيمانٍ يملئ رئتيها هواءً طيباً، ونفساً هادئاً هدوء نسائم البحر ساعة الغسق. إليها لأنها لا تعبأ حنجرتها بالفارغ من الكلام الذي لا يحفّز إلا على السعال المزمن.


حبيبتي .. وكل النساء اللواتي أعرفهن. عندما أصبح محض بدائي يتعلم كيمياء النار. إليها التي تعرف قدري وقدر نفسها عندي. إليها التي لا تحتاج إلى إثبات ولا إلى براهين ولا تقبل التحدي. أطلتُ عليكِ حبيبتي وأعرف أني مدين لكِ بقبلتين إحداهما بين عينيك والأخرى حيث تشتهين.


حبيبتي .. أشتاق إليك وأعرف أنني لست بقادر على تحمل وطأة جمرة الانتظار. ليس لي من السحر أن أفعل، ولكنني أحمل في قلبي من يقيني بك ما يصبّرني على هذا الشوق، فأعبر نهري كل يوم لأجدك في دمي، تزدان دنياي برائحتك، وصورتك التي أعلقها أعلى سريري حين تنفخ فيها الرغبة الروح تتجسد أمامي ملاكاً لا يُمس ولكنه يحوّم في المكان تاركاً لي بعض الابتسامات وذات الرائحة التي أشتهي.


أما بعد ،،،
وصلتني رسالتك الأخيرة، والوردة المجففة التي تركتها بعناية بين ضفتي الرسالة. عرفت عندها أنك تعشقين اللون الأحمر. قرأت الرسالة – كالعادة – أكثر من مرة، وفي كل مرة كنت أقـبّل الرسالة بعد انتهاء القراءة.


إن صحّ ما ذكرتِه لي، فإن جارتك التي تسكن الطابق العلوي ليست إلا محض كاذبة أو أنها ذات وجهين – في أحسن حالاتها - كيف يمكن أن تدعي صداقتها مع (مروة) وهي تذكرها لكِ بالسوء؟ كيف تقول عنها أنها كاذبة، وفي ذات الوقت تتظاهر أمامها بالمودة؟ أعرف الكثيرين من هذه الشاكلة يا حبيبتي. إنهم – للأسف – كثر. يتظاهرون بالطيبة ويصطنعون الرقي غير أن سواد قلوبهم ينعكس على أعينهم الماكرة. فلا تصدقي كل ابتسامة. أعتذر يا عزيزتي إذا كان وصفي لصديقتك قد أزعجكِ، فأنا أعرف أنكِ تحبينها، ولكن هل فعلاً ذكرت لكِ أن من هو في مقام أخيها الأكبر شخص تداري على عيوبه وتترفع عن ذكرها أمامك لأنها – فقط – لا تريد أن تشوه صورته أمامك؟ ماذا تتوقعين من إنسانة كهذه؟ أليست هي جارتك التي كلما خاصمت رمت بكل سوء على من تخاصمه؟


حبيبتي .. أخشى أن تعاملك ذات يوم بمثل ما تعامل به الأخريات، عندها أعلم تماماً أنكِ سوف لن تتحملي ذلك. فأنت أرق من أن تصدق أن تصبح الصديقة أفعى أمازونية تلتف حول فريستها وتظل تعتصره وتعتصره حتى تفارق الروح الجسد. صدقيني أخاف عليكِ منها يا حبيبتي. لا يغرنّك كلامها المعسول، ولا رقة وجهها .. حالما تستحيل إلى خفاش ليلي لا يتذوق إلا طعم الدماء. وأنصحك بأن تعيدي إليها الـBusiness card الخاص بطبيبها النفسي فأنا أكيد بأنها سوف تحتاج إليه قريباً.


عني يا حبيبتي .. أنا بخير. غير أني أصبحت لا أنام باكراً كما هي عادتي. ألم أقل لكِ أنني بدأت أعتدت على شرب القهوة التركية! بالأمس طرق بابي جاري الجديد. كان يبدو عليه الإرهاق. سألته عن غيابه، فأخبرني أنه ذهب إلى العاصمة بشكل طارئ. لقد ماتت حبيبته السيامية – أقصد من كانت حبيبته. وقبل دفنها نزعوا عنها الرموش الاصطناعية، والعدسات اللاصقة، والسيليكون، وزالت الصبغة عند الغسل. ودخلت قبرها على حقيقتها للمرة الأولى!


هل تصدقين أنه - رغم كل ما حدث – بكى عليها؟ لقد كانت عيناه تنضحان بالدموع، ووجهه الأسمر بدا شاحباً على غير عادته. غرقت الابتسامة في التجاعيد القاتمة، وأصبح ظلاً لإنسان شبه ميت. حزنت عليه لأنه لا يستحق هذا العذاب. وحزنت عليه أكثر لأنه آمن بالخمر مخلصاً له مما هو فيه. ظل طوال ليله يشرب، ويعزف على العود. لم يكن يرفع رأسه إلا ليحتسي كأسه على عجل، ثم يخفضه مرة أخرى على صدر عوده. بللت دموعه أطراف العود. ولكن أنامله كانت تعزف بشكل جيد.


بعد أن انتهى من عزف مقطوعته الحزينة، نظر إلي بعينين أشبه بمغارتين تسكنهما الأشباح، أطال النظر دون أن ينبس ببنت شفة، ثم أشار إلى الوسادة التي خلفي بإصبعٍ مرتجف، وغط في نوم عميق محتضناً عوده وكأسه الفارغة.




بالمنسبة: اتصلت بالأمس على مشرف رسالة الماجستير، واتفقنا على أن تبدأ الرسالة في الأول من يناير القادم. بحثت كثيراً عن رسائل مشابهة للرسالة خاصتي، غير أني لم أجد إلا رسالةً أو اثنتين. بالكاد يكفيان لثمان صفحاتٍ من مقدمة الرسالة (المبحث النظري)، غير أني سأستمر في البحث عن رسائل أخرى، حتى أني لم أدفع القسط الأول من رسوم الرسالة. هل تصدقين ذلك؟ جيد .. سوف يفيد هذا الوقت الإضافي في المزيد من البحث عن المراجع المناسبة.


والداي يبحثان عن منزل جديد، غير الذي يسكنانه. يقولان أن صاحبة المنزلة شمطاء ثرثارة. تحشر أنفها في كل شيء: عدد الضيوف ، صوت المذياع ، رائحة التركين حتى فاتورة الكهرباء التي لا تشاركهما فيه، لذا فهما يفضلان الرحيل على البقاء مع عجوز ثرثارة. وددت لو كنت معهما، إذن لساعدتهما في البحث؛ أليس هذا أمراً محزناً حبيبتي؟


ختاماً .. ألتقيكِ في رسالة قادمة بإذن الله ، متمنياً أن تكوني بخير دائماً .. وأبلغي أهلك الكرام التحية والسلام. قبلاتي الحارة





الرسالة الثامنة:
حبيبتي .. ربما أهمل مكتب البريد رسالتي الأخيرة فلم تصل. عرفت ذلك من خطابك الأخير. لم أقرأ اللوم بل قرأت العتاب. فالمتحابون لا يتلاومون بل يتعاتبون .. وغالباً ما ينتهي عتابهم بابتسامات تعبر الشارع الفاصل بين وجه. هذا إن لم تنتهي بقبلة حميمية.


لن أخبرك عن شوقي الذي أصبح متلازمة في كل خطاب. فهو معروف ضمنياً .. أليس كذلك؟ فقط أريد أن أقول: إنني أحتاجك. هذا الفارق الكبير بين الشوق والاحتياج كان هاجسي ليلة البارحة، عندما مر طيفك سريعاً ولم أستطع حتى أن أدقق في ملامحك. كرهت عقارب الساعة، وأضمرت في نفسي حقداً لأول من اعترف بالوقت وحاول أن يحدده. ألم يكن ليخمن أن الدقيقة قد تكون في حسابات العشاق أكثر من ساعة. من المؤكد أنه لم يحب قط في حياته.


وبعد ،،،
بالأمس .. نزعت صورتك المبروزة أعلى سريري الذي أنام عليه. وأمسكته بيديّ. قاومت كثيراً رغبتي في أن أقبّل الصورة. أتدرين لماذا؟ حتى أراكِ في المنام. قيل لي أن من ينام وهو عطشان يحلم بالماء. فعطشّت نفسي كي أرتوي من رؤيتك في منامي، وكان ما أردته. كنتِ ترتدين ذات الـتي شيرت الأسود مسرّحة شعرك تسريحة (الحصان) تجلسين على كرسي (هزّاز) في ركنٍ ما من غرفةٍ ما. تفاصيل الغرفة كانت باهتة جداً، غير أنك كنت واضحة لدرجة أنني كنت أشعر بصوت أنفاسك. آهٍ كم اشتقت إلى رائحتك يا حبيبتي.


تسلمت اليوم خطاباً من البنك، يطالبني بسداد قيمة البطاقة الائتمانية، يحذرونني فيه من إحالة المديونية إلى وكالة لتحصيل الديون على أن أتحمل أنا أتعاب المكتب في التحصيل! بداية غير موفقة ليوم لا يحتويكِ .. ولكن لا تقلقي سوف أسدد المديونية غداً أو بعد غد. فقط أنتظر اليوم الذي أخرج فيه باكراً من المكتب. تعرفين دوامي المزعج.


على فكرة ... بالأمس بعد صلاة المغرب ذهبت أنا وجاري السكير إلى (الكورنيش) في محاولة مني لأن أخرجه من حالته. كنا نسير على طريق مرصوفة بالطوب الملون وعلى جانبي الطريق الأنوار والشجيرات المقلّمة وبعض الأطفال الذين يقطعون صمت هذه اللوحة الزيتية الرائعة. كان يمشي ببطء شديد وعيناه لا تفارقان قدميه. فجأة توقف والتفت إلي ثم قال: أتدري ما الحزن يا هشام؟ قلت له: لا أدري. قال: الحزن هو مقدار الحرارة المناسبة والمطلوبة لكشف الحقائق المكتوبة بالحبر السري. ثم مضى في طريقه. بقيت واقفاً لفترة وأنا أفكر في كلامه. اكتشفته أنه فيلسوف حزين.


قررت ألا أستمر في شرب القهوة التركية، وبدأت فعلياً في هذه الخطوة. ولكن يبدو أن أولى المحاولات تبوء بالفشل دائماً، ولكني سوف أحاول حتى أقلع تماماً عن هذه العادة. نسيت أن أخبركِ: اشتريت شريط كاسيت جديد لمارسيل خليفة به بعض المقطوعات الموسيقية القديمة له (بساط الريح) هذا اسم الشريط. في المرة القادمة سوف أبعث لك طي المظروف نسخة من هذا الشريط؛ إنه جدير بالاستماع.


ما هي أخبار جارتك التي تسكن في الطابق العلوي؟ هل تصالحت مع زوجها أم ما يزالان على خلاف؟ ربما كانت من نوع النساء التي لا تحب الرجال، أهي كذلك فعلاً .. شعرت بذلك من إحدى قصصك عنها. لا أنصحك بأن تقومي بدور حمامة السلام بينهما، هذا الموقف قد يجعلك في ورطة كبيرة، قد يتهمك الاثنان بأنك منحازة للطرف الآخر؛ فلا تفعلي. دعيهما وشأنهما، إن أرادا صلحاً يوفق الله بينهما. فقط باركي لهما أية خطوة يختارانها دون أن تبدي حماسة لأي خيار.




كيف هي أختك الصغرى؟ ماذا تقول عن الوطن؟ يقال أن الشوارع قد تغيرت .. أهذا صحيح؟ لابد أنها حملت لك الكثير من الأخبار عن جدتك وعن بنات خالاتك هناك. لا يغادر بالي أنكما تمضيان الليل في الأحاديث الهامسة والضاحكة. ترى .. هل أخبرتها عني؟ بلغيها سلامي رجاءً إلى الخطاب القادم بإذن الله يا حبيبتي .. وسوف لن أنسى أن أرفق شريط مارسيل خليفة في المرة القادمة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق