الأربعاء، 2 ديسمبر، 2009

قراءة في (جثة في صرص)




بقلم: هدى حسين النجار

لهشام ادم اسلوب مميز، يتدفق في نصوصه المتتابعة، وان كان لكل نص نكهته الخاصة، نحاول هنا الخوض في العالم القصصي للكاتب من خلال بعض ما يوحي به نصه: جثة في صرص المنشورة على الرابط:
http://hishamadamme.blogspot.com/2009/10/blog-post_27.html

1. اللغة:
لغة هشام ادم شعرية موحية حافلة بالدلالات الظاهرة والضامرة، ضاجة بالجمال، لا تكتفي بالنقل الحرفي للمعنى، بل توغل في إضفاء الجمال عليه، فمثلا وصف الارض بعد المطر:
"كانت الأرض مُصابة بالرشح فخلعت ثيابها القديمة، وارتدت آخراً على الفور: مروج العشب المداري امتدت بأناقة، وأخرجت أعشاب الأراوله رؤوسها مندهشة"
وهذا لا ينفي وجود بعض التشبيهات التي لم استسغها شخصيا، ووجدتها عادية لا تحمل تفجيرا دلاليا، وإنما لها وظيفة تزيينية فقط، مثل:
"كما ترقد أخشاب السنديان على أكتاف الحطابين العائدين من الغابات النفضية في مواسم الشتاء" و"كحوتٍ أبيض وسيم يتمرّغ في ماء رئتيه المبذول في تنفسه على سطح محيط" فما الذي أضافه التشبيهان الأخيران لصورة الجثة المحمولة على الاكتاف، والجثة المتروكة على لوح زان تحت المطر؟

وترتبط بعض الألفاظ بثقافة الكاتب ومرجعيته اللغوية وقد تصعب على القارئ غير المطلع على اللهجات والبيئة السودانية ، مثلا قرناص، وروري، لكن لا بد من القول ان استعمال مثل هذه المفردات لا تشكل خللا في السرد إذ انها تشي بانتماء الكاتب لبيئة معينة ومحاولته نقل هذه البيئة بطقوسها، وهمومها ومفرداتها وتقاليدها وانساق تفكيرها، عبر تحميل المفردات طاقة دلالية تحيل على تلك البيئة، وهو انشغال لدى هشام ادم يوازي انشغاله بعميلة ايصال المعنى، فهو يثير لدى القارئ الرغبة في معرفة المفردات ودلالاتها، وهذا الامر يستبطن رغبة الكاتب في شد القارئ للاقتراب من عالمه الخاص ومن ثم البيئة السودانية.

هناك بعض الكتاب يضعون معاني المفردات المحلية اسفل النص، لكني اظن ان هشام ادم لا يحب القارئ الكسول، الذي يتلقى النص الجاهز، ويطمح إلى خلق القارئ الباحث عن المعرفة، والذي يهجس بالتساؤل.

2. موضوعة اللعنة وعلاقتها بالمرجعية الجندرية:
تُنجز القصةُ مفارقةً بين السرد والمخيال الشعبي في ما يخص موضوعة اللعنة، فالتصور السائد يربط اللعنة دائما بالجنس المؤنث مستمدا ذلك من مرجعية دينية/تاريخية، تقرن اللعنة الأولى بخطيئة حواء كما وردت في التوراة، وعلى الرغم من ان النصوص الإسلامية لا تؤسس لهذا الاقتران بين الخطيئة وحواء، إلا ان التصور السائد لدى الشعوب الإسلامية بهذا الخصوص اقرب إلى المرجعية التوراتية، وتفتتح القصة على مجموعة من الشائعات يتناقلها ابناء القرية من ضمنها:
"قال بعضهم إن لعنة سماوية حلّت على القرية بسبب امرأة أو بسبب زمرة من النساء"
إلى جانب اشاعة اخرى:
"بينما أصر قلة منهم على أن جفاف القرية جاء بعد دفنهم جثة ساحر أفريقي مجهول".

وياتي السرد ليدحض التصور الاول منحازا إلى التاويل الثاني، فسبب اللعنة هنا جثة رجل لا امراة ، تاتي هذه المفارقة وكأنها اشارة عابرة وليست جوهرا في القصة بيد ان الظن يذهب بي إلى انها تقنية واعية تتغيا انصاف المراة وتبرأتها من تهمة راسخة في المخيال العربي العام، وهي التسبب باللعنات، هنا يمكن تصنيف القصة على انها سرد نسوي اذ يذهب كثير من النقاد/الناقدات النسويات إلى كون الادب النسوي هو الادب المشتغل على اعادة الاعتبار للمراة وانصافها من الصورة السلبية النمطية التي لحقت بها عبر التاريخ، وهذا التعريف للسرد/الادب النسوي لا يأخذ بالحسبان جنس الكاتبـ/ـة بل ثيمات النص، وطرائق اشتغاله، وتٌصنّف كثير من النصوص التي كتبها الذكور في خانة الادب النسوي. طبعا قراءتنا هذه تنطلق من قصدية النص، او قصدية القارئة، لا قصدية الناص.

3. المكان:
تتبيء كثير من النصوص القصصية لهشام ادم مثل (سليلة الكاكاو، شهوة الموت في ليلة البدر نار، مارنيز، شركاء التوليب، وغيرها) في المكان السوداني -وطن الكاتب- وياتي وصف المكان حميميا يوحي غالبا بالسلام واليوتوبيا، بيد انه ليس وصفا جافا لتضاريس المكان بل يتطعم بالخيال الادبي فيلتقي القارئ البيئة السودانية عبر استحضار الاغاني والرقصات الشعبية والمفردات المحلية والطقوس (الحقيقية او المتخيلة) واسماء النبات والحيوان، مما يجعلنا امام روح المكان، لا جغرافيا المكان، وهذه التقنية السردية تقرب المسرود من القارئ وتخلق الفة بينهما من خلال الاقتران العضوي بين الانساني والجغرافي.

4. الزمان:
يجري القص غالبا بشكل خطي حيث يتطابق المبنى الحكائي مع المتن الحكائي بتعبير الشكلانية الروسية، وقلما نرصد تشظيا او تكسيرا للزمان كما هو شائع في السرد الحديث.

5. السرد الاسطوري:
يخلق هشام ادم عالما غرائبيا يتنامى ويتكامل في مسروداته المتتالية، وبحسب كاهلير فإن هناك نوعين من الاساطير: الاسطورة الهابطة: وهي اسطرة الادب بالاتكاء على اسطورة انثروبولوجية قديمة معروفة، والبناء عليها او معارضتها او الانحراف بها عن دلالاتها، وهذا النوع من الاساطير قابل للتكرار والاستنفاد، والاسطورة الصاعدة: حين يخلق الكاتب اسطورته الخاصة بجدتها وطرافتها من غير اتكاء على انموذج سابق ، وتنتمي اغلب اساطير هشام ادم لهذا النوع الثاني، يحضرني منها الان قصة (شهوة الموت في ليلة البدر نار) .

ينطلق الكاتب في (جثة في صرص) من المتخيل الواقعي: الجدب والجفاف إلى المتخيل الاسطوري عبر استحضار عدة عناصر اسطورية، منها: اللعنة والجثة والمطر، فاللعنة فكرة اوجدها الانسان البدائي كتعليل غيبي لقسوة الطبيعة وربط هذه القسوة بخطيئة بشرية، وجثة الساحر هي صلة سردية اسطورية تتوسط واقع الجدب وفكرة اللعنة من جهة، وواقع الخصب المنشود من جهة اخرى، وتنماز الجثة بخصائص فوق عادية ترسخ اسطوريتها مثل امتلاكها سبعة اذرع، ولنلاحظ ان العدد سبعة يرتبط دينيا وانثروبولوجيا بالغيبيات، ومثل عدم تحللها وكون دماءها لا تزال سائلة لم تجف، ثم الاختفاء المفاجئ غير المنطقي للجثة في ظروف غامضة، وياتي المطر كمهيمن دلالي في القص ففضلا عن ارتباطه بفعل الاغتسال اكثر من مرة فانه يحضر كمؤشر على رفض السماء لاحراق الجثة، ومؤشر على ذهاب اللعنة بعد اخراج الجثة من باطن الارض، ثم انه دال على ان ما تستحقه الجثة ليس الانطمار تحت التراب بل الاغتسال المنعش تحت ماء المطر، وهنا مفارقة يخلقها الايحاء بقدسية الجثة التي كان يُعتقد فيها السحر والخطيئة، اذ ان حلول الخصب بعد تطهير الجثة اشارة إلى كونها مقدسة ومباركة.

هذه العناصر الاسطورية الثلاثة: اللعنة والجثة والمطر ترتبط في حبكة متماسكة بؤرتها ثيمة بحث الانسان الازلي عن علل الظواهر والتساؤل القلق عن كيفية حدوث الاشياء واختلاق الانسان لاسباب غيبية مسؤولة -بزعمه- عن الظواهر في حال عجزه عن اكتشاف العلة العلمية ، وتتوقف القصة على تمسك الانسان بآثار الاشياء دون الغوص الفعلي في حقائقها ، فاهل القرية يتمسكون بفكرة اللعنة بوصفها سببا للجدب ثم يتمسكون بفكرة ان سبب اللعنة هو وجود الجثة، ويتمسكون بمكان لوح الزان المسحول فيبنون له قبة، غير جادين في محاولة تحديد اسباب الجدب، وهوية الجثة، ومعرفة مصيرها وأين اختفت وما سبب اختفائها وهل لها علاقة فعلية بالجدب ثم بالخصب، الشخصية الوحيدة التي لم تكتف بالاثر الظاهر بل عُنيت باكتشاف مكان الجثة الحقيقي بدل اقامة القبة مكان لوح الزان هي شخصية قرناص، بيد ان معرفته جاءت معرفة لدنّية لا معرفة علمية وكان بالامكان تفجير السرد عند هذه الشخصية وتغيير مساره نحو الانعتاق من سلطة الخرافة والجمود إلى البحث العلمي عن الحقائق، لكن لم نر ذلك.

وبعد..
اللجوء الى الاسطوري لم يكن ارتدادا ساذجا للبدائي بل هو غوص سردي يرصد الكاتب من خلاله الانسان في انساق تفكيره، وسلطة الخرافة عليه، كما يرصد تشابك العلائق بين الانسان وبيئته، والانسان ومرجعياته المختلفة، وظواهرالبيئة ومسارات الفكر الانساني.

وثمة اشارة اخيرة إلى ان الخصائص التي ذكرناها في اسلوب الكاتب مرتبطة عضويا بالبنية الاسطورية التي يشتغل عليها، فاللغة الشاعرية هي غالبا لغة الاساطير القديمة، تعضدها يوتوبيا المكان الساحر، والتسلسل الزمني الخطي، اذ يندر جدا الارتداد او التناوب او غيرها من انساق السرد في المسرودات الاسطورية المتوارثة، ومن هنا نرجح ان تكون هذه التقنيات مقصودة بحرفية من قبل الكاتب.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق