الثلاثاء، 27 أكتوبر، 2009

جثة في صَرَص


لا أحد يذكر على وجه التحديد ما حدث للقرية قبل ألف عام، وكل ما يُقال لا يزيد كونه مُجرّد تكهنات تدعمها اختلاف الروايات، حتى أنه لا أحد يعلم سر اتفاقهم على الألف عام، ولكنهم جميعاً يذكرون أن القرية كانت قبل ألف عام مزاراً لطيور الكرك المهاجرة، ومسكناً لببغاوات الكوكاتو الجالبة للبهجة، وأشاروا إلى مجاري الأنهار التي يبست قبل ألف عام، تلك التي كانت تأتي من جبال راس داشن الأثيوبية صافية كوجه ملاك قشتالي في مواسم الغفران والأعياد التي تخص الإله.


قال بعضهم إن لعنة سماوية حلّت على القرية بسبب امرأة أو بسبب زمرة من النساء. وقال البعض إن أسراب الجراد النهم التي اجتاحت القرية في العام 1009م كان هو المتسبب فيما حلّ بالقرية، وقال آخرون إن دورة التاريخ لم تنصف القرية كما يجب، وأن سنوات المجد لم تدم للقرية أكثر من سبعين عاماً ثم انتقل سريعاً إلى مكان آخر؛ بينما أصر قلة منهم على أن جفاف القرية جاء بعد دفنهم جثة ساحر أفريقي مجهول.


هؤلاء راحوا يحفرون وادي صَرَص حيث يُعتقد أن جثته مدفونة في مكانٍ ما فيه. يخرجون كل صباح حاملين أدوات الحفر، وحافظات المياه، وجهاز التسجيل، يحفرون بهمّة غير مسبوقة وهم يستمعون إلى أغنيات نوبية لمحمد وردي أو شنان، وأحياناً كثيرة تأخذهم النشوة فيلتفون في حلقة ليست دائرية تماماً يؤدون الهمبيق بمزاجية متعالية، متناسين واجب الحفر ومآلاته.


لسبب ما كان ذلك اليوم القائظ يوم حظهم حين أحسوا بوجود جثة ما مدفونة بطريقة مختلفة عما اعتادوا عليها، لا وجود للحد أو قوالب حجرية. كانت الجثة المكتشفة ذات السبعة أذرع مدفونة بثيابها ولم تُلف في كفن كبقية الجثث الأخرى التي اعتادوا رؤيتها. ما أثار هلعهم أن الجثة راحت تنزف دماً طازجاً على الفور، وأحسوا أنه من الوشيك أن تستيقظ الجثة لتوبخهم على ذلك، فلم تكن تبدو على الجثة ملامح الموت القاتمة، كانت الجثة كجسد رجل أربعيني نائم في سلام وكأنه قرر الدخول في سبات طويل في هذه البقعة الرخوة من أرض الوادي.


أخذ الرجال الجثة بعد أن لفوا الجرح بقطعة قماش نظيفة وذهبوا بها إلى القرية. كانت الجثة المهولة ترقد على أكتافهم كما ترقد أخشاب السنديان على أكتاف الحطابين العائدين من الغابات النفضية في مواسم الشتاء وما أن اقتربوا من ميدان القرية حتى راحوا يُطلقون الروراي في إشارة للإنجازية، وتدفق الصرصيون على المكان.


وقفت النساء في الصفوف الخلفية وهن يسترقن النظر من وراء ثيابهن الملفوفة على أجسادهن السمراء الناحلة إلى الجثة الطازجة الممدة على الأرض، وراح الأطفال يتلصصون من وراء أجساد أمهاتهن ويتغامزون فيما بينهم، ووجدت الدواجن فرصتها في العبث بغرائر القمح والشعير دون أن ينهرها أحد أو يُعكر صفو فضولها الفطري.


ملامحه توحي بأنه أحد أفراد البني عامر، وملابسه توحي بأنه أدروب، ولكن طوله لا ينتمي إلى أحد ولا إلى شيء ما. أخافتهم الجثة وحيّرهم أمرها كثيراً وراحوا يُقررون ما يجب فعله بها. أصر بعضهم على إحراقها للتخلّص من اللعنة، ورأى البعض الآخر أن إحراق الجثة قد يكون سبباً في حلول لعنة أشد وطأة، وآخرون ذهبوا إلى ضرورة التأكد من هويتها قبل أيّ شيء آخر، ولم ير البقية أهمية لذلك مستندين على استحالة أن تكون جثة رجل عادي طازجة رغم بقائها مدفونة هذا القدر من السنوات، قال أحدهم: "هي جثة ملعونة على أية حال، وهذا سبب كاف لحرقها"


جمعت النساء أغصان الهشاب ولحاء السدر وبعض الغرائر البالية ووضعوها فوق الجثة ليضرموا فيها النار، لكن غيمة سوداء غير معتادة جعلتهم يتراجعون عن ذلك. وليلاً على أنغام زخات المطر على أسقف البيوت الزنكية تحدث البعض عن حماية السماء للجثة من الحرق، ورأوا في ذلك علامة يجب أخذها في الاعتبار.


على لوح من خشب الزان المسحول بعناية كانت جثة الغريب يغسلها مطر الشمال، كحوتٍ أبيض وسيم يتمرّغ في ماء رئتيه المبذول في تنفسه على سطح محيط. مسحت بقايا التراب العالقة عن وجهه وملابسه، وسالت على جسده كيرقات مشاغبة، وبعض الأعين الفضولية تراقبه من خلال ثقوب عشوائية في نوافذ البيوت. مهيبةً كانت الجثة وهي تستقبل المطر في سكون.


في الصباح، اشتد رفض الرافضين لإحراق الجثة، وانضمت إليهم ثلة من النساء، قالوا: "إذا كان دفن الجثة قد جعل اللعنة تحل على القرية قبل ألف عام، فإننا لا نأمن ما قد يصنعه إحراقها" وتناقلوا نظراتهم بينهم ككرات نارية مجنونة هازئة بالجاذبية، وكانت نظرات الأطفال الهادئة الوحيدة التي تحمّلهم مسئولية اتخاذ القرار. وقبل حلول المساء كان الغيمة السوداء تتسلل من مكان قريب لتنذر بيوم ماطر آخر.


على مدار أسبوع كامل لم تنقطع السماء عن إدهاش الجميع بكرمها غير المعتاد، فكانت تُمطر كأنها لن تفعل ثانيةً، أو كأنها تفرغ حمول السنوات المنصرمة ديناً مُستحقاً لأهالي القرية. وتوقف الجميع عن مراقبة الجثة وهي تغتسل بمياه المطر، وانهمكوا في فرحهم الجم بما حلّ عليهم من نعماء مفاجئة. وفي أول هدنة اكتشفوا أن الجثة لم يعد لها أثر في المكان على لوح الزان المسحول بعناية. قال البعض: "لقد عادت الجثة إلى حيث يجب أن تكون، لقد كانت جثة مسحورة بالفعل".




كانت الأرض مُصابة بالرشح فخلعت ثيابها القديمة، وارتدت آخراً على الفور: مروج العشب المداري امتدت بأناقة، وأخرجت أعشاب الأراوله رؤوسها مندهشة، وشاهد أهالي القرية للمرّة الأولى أزهار الأرنيكا والأكاسيا. كل شيء في صَرَص تغيّر فجأة حتى النهر المتدفق من رؤوس جبال راس داشن دبّ فيه الحياة، وراحت نساء القرية يُعبئن الجرار والأواني النيكلية من النهر كما تمنين طويلاً، خشين أن يجف النهر ثانيةً دون أن يتمكن من تحقيق أمانيهن القديمة.


قال البعض في سُخرية: "لقد أكرمتنا اللعنة لأننا لم نحرق الجثة!" وصلى الرجال شكراً لله لأنهم لم يفعلوا. لا يعلم أحد أين اختفت الجثة، ولم يهتموا لذلك وانشغلوا بأمر القرية التي تغيّرت كُلياً خلال شهر واحد. قال عُمدة القرية: "ربما كانت القرية أجمل من هذا قبل ألف عام!" ولكن أحداً لم يكترث. ثم جدّوا في بناء قبّة وسط القرية حيث كان لوح الزان المسحول وأسموها "قبّة الشيخ زان"


قرناص، عديم الذكر، ظلّ ملتزماً بصمته الساخر وهو يرى حال القرية وأهلها بعد اختفاء الجثة، قال في سرّه: "ياللجثة!" همسَ في أذن عُمدة القرية، فهمس في أذن الذي يليه وتناقلوا الهمس كما تتناقل الناس أخبار النميمة في الجلسات السرية، ثم نهضوا فجأة، يتقدمهم قرناص بطوله غير المُبشر بخير، وأشار إلى مكان ما فحفروا فإذا بجثة الشيخ زان ترقد بسلام وقد ارتسمت على وجهه ابتسام طارئة ووسيمة.

هناك 3 تعليقات:

  1. الفاضل
    هشام ادم
    ان التواجدهنا لهو نوع من الترف الذى لا يجب ان يشغله اى شىءاخر ...وكالعادة بدات بالمعلومات الجديدة التى تضاف الى من مخزونك ..فكان البحث عن صرص الذى جوعها قرص واميرهاحرص لايخاف فرس ..
    طبعا هذه المعلومة من قوقل ولكن هذا ليس هو السبب الذى جعلنى اهتم باسمها ولكنى اتذكر انى سمعتها واان بارض رومى البكرى قبل سنوات كثيرة
    حيث كان الذهاب الى هنالك بلا طريق مثل شريان الشمال اليوم ..حيث الرطانة(( واكوندوا)) وتلك البلاد الجميلة والاثار الرائعة التى ما اعتقدت انها موجودة رغما عن معرفتى بتاريخ بعانخى ومملكة نبته ..ولكن تنقلت فيها مرة بالطائرة وحقائبى تحمل ورقة الخطوط السودانية وبعدها حقائبى لم تجد نفسها الا فى مغامرة كبيرة عبر اللوارى ذات البوق الجميل والمقعد جوار السواق بالشمال واحيانا باليمين والبصات التى لا تسكت عن النواح ولا تمشى الا بالصاجات وصهللات الرجال الغبش الراكبون على السطح ..سمعت صرص من هناك ..ولازلت احمل معى الوفاء لكل ارض الشمالية ..
    فالقصةمن صرص تحتمل البداية التى بدات بها لاننى سمعت انها قد غرقت او شىء من هذا القبيل او علنى خلطت باردا بحار ..
    ولكنى اندهشت حينما عرفت ان ملامح الجثة للبنى عامر من الشرق مما جعلنى اربط القصة بحقيقة امير الشرق عثمان دقنة الذى مات فى منفاه فى حلفا ونقلت رفاته بعد 30 عاما الى اركويت لدينا فى الشرق وقد قيل ان الرفات لم تاكله الدود اى لم يتحلل وكفن مرة اخرى وكان بنفس ملامحه ولا اعرف هل اصدق هذا الكلام ام لا ولكن نسبة للاسلام فان الارض لا تاكل اجساد الانبياء والصالحين واعتباره كذلك حسب سيرته التى صاحبت حياته ..
    ولكنى بت اقتنع ان الاساطير هى الشىء الذى يحل كل معضلة فبامكانه ان يفسر به الجهل والمرض واللعنة وعدم نزولالمطر والاسباب المبهمة وفى نفس الوقت كما لعبت دور فى اللعنة فانها تلعب دورا اخر فى علاج اللعنة حتى وان كان السبب بشريا فان تحريك عقلية جيل وان كان ساذجا كقرية صغيرة لهو اصعب كثيرا بالعقل ولكن بالاساطير والتحكم فى المصائر لها انجع طريقة
    لتعبيد جيل كاملا بلا ادنى اشارة الى الاختلاف او وجوه من الاعتراض او المقاومة فكما يقول المثل الخوف يربى عياله ...فيكفى ان يطلق اى قرناص شعبى شيئا من الاسطورة بتقليد مدروس والبقية تاتى ..
    ولكن لما كانت الشخصية من البنى عامر ...فى مكان يرقص على اغنيات وردى وشنان والهمبيق ...لان البنى عامر قبائل تحب ان توالى عشائرها ولا تبتعد عنهم قسرا ..فلتلك رطانة وللاخرى وادى ورطانة اخرى ايضا ..
    استمتعت بالمعلومات وبالتساؤل عن الشىء الذى كان فى مخيلة هشام وهو يكتب هذه القصة الا ان تكون جزءا من قصة اكبر يجهز لها الكاتب مزج فيها الشرق مع الشمال بكل اختلافاته وجهوياته..مع الاتفاق على الاساطير ومارسيا غارسيا ماركيز فى مائة عام من العزلة ..
    ما تسرده واقعيا ولكن ماهو ليس واقعيا هو فكرة الاقتناع بالاساطير لدى المسلمين لان عقيدتهم ترفض القبول باى شىء لغير الله ولا تألهها ولا تبرر الخوف
    ولكن ما يحدث هو ايمان المسلمين بالخوف والغيبيات اكثر من الدين والعقيدة نفسها هذا مادى اى قرناص واعتقد انه من المستنيرين بالعقول ان يتبادل الاحاديث السرية بان الجثة قد نجحت فى جعل اهالى القريةيغيرون حالهم بالسعى والتفاؤل
    رغم انها جثة لم يكن فيها اى روح باسثناء تلك الاشارات الغيبية بينها وبين السماء ..ولكنها كانت كافية بالمقصود ..
    اعذرنى هشام ولكنى تشاركت معك الاشياء التى تقافزت وان اقرا القصة لانها الهمتنى كثيرا ..
    حيث ان عالمنا اليوم اصبح لا تدهشه الغرابةكجثة بسبعة ازرع وجرح متفجر بدم قانى بقدر ما تدهشه
    ويؤثر فيه الاعتقاد الذى يبنى عليه كل حياته..
    تحياتى
    لقلمك
    مع مودتى
    ادروبية البيئة

    ردحذف
  2. الأستاذة: لمى هلول
    تحية طيبة

    المناطق النوبية كانت ذات يوم قطعة من الفردوس التي يبحث عنها الإنسان في أحلامه وفي أمنياته الشعائرية، وحتى قبل التهجير كانت هتافات النوبيين تتعالى مؤكدة: "حلفا دغيم ولا بيروت" ولكن التهميش المتعمد من قبل الحكومات السودانية جعلها مركز طرد سكاني من الدرجة الأولى، بدأت هجارات النوبيين للمنطق تبدأ بنزوحهم إلى مصر ثم إلى الحجاز لتظل نساء النوبة في انتظار رجالهن والمجهول الغامض الذي كان يقبع خلف جبال ميمي ووراء أشرعة المراكب القادمة من أسوان. إنها مأساة حقيقية مازال النوبيون يعيشونها حتى اليوم.

    صرص واحدة من تلك المدن النوبية التي عانت من التهميش، وهي تكابد عنت النهوض في وجه الاغتراب والتغريب معتمدة في ذلك على سواعد شبابها الفتية وبعض الأمنيات.

    للنوبيين إيمان كإيمان العجائز، يقيني إلى درجة الفزع بأن علاقتهم بالأرض ليست فقط علاقة انتماء وهوية بل هو شيء أكبر من ذلك بكثير، ولك أن تتصوري أن يرتضي هؤلاء الطيّبون البقاء والعيش بأبنائهم وبهائهم على امتداد شريط جغرافي ضيّق على طول النهر رغم انتفاء أسباب الحياة والمعيشة. يُدهشني فعلاً هذا الإصرار وهذا الارتباط بالأرض، وأعتبره مبرراً.

    غالباً لا أسعى إلى التبرير لنصوصي، أو إعادة قراءتها على القراء، وأؤمن بأن النص المنشور لا يخص كاتبه على الإطلاق، وهو بذلك ملك القارئ يتصرف به كيف يشاء ويفهم منه ما يشاء .. ولهذا فإنني كثيراً ما أعجب بقراءتك العميقة والدقيقة لما أكتبه هنا وسر إعجابي هذا أنك لا تبحثين في القراءة عن متعة القراءة وحسب بل تبحثين عن المعلومة، وتبحثين عن المغازي التي قد تكون مختبأة بين السطور، وقلة من الناس من قد يفعل ذلك

    أنا سعيد بأنني كسبتُ قارئة مثلك وأغبط نفسي على ذلك وأتمنى أن أكون دائماً جديراً بظنك وألا أخيبه أبداً

    تحياتي لك أختي الغالية

    ردحذف
  3. ماشاء الله تبارك الرحمن
    جهد مميز ..
    ومعلومات استفد منها بشكل كبير
    سأحتفظ بمدونتك لدي لأنني سأعود لها كثيراً
    وجدت بها ماأبحث عنه
    بالتوفيق أخي الفاضل

    ردحذف