السبت، 11 يوليو، 2009

نحو المطالبة بإعادة العصمة للمرأة

لم يعرف التاريخ البشري لحقب طويلة خلت أيّ توجّه سلطوي منذ أن كانت حياة المجتمعات البدائية مشاعية يتقاسم فيها الجميع الإنتاج، ويسعون إلى ذلك بروح الجماعة والفريق الواحد، حتى اكتشف الإنسان الزراعة، فبدأت أولى بذور النزعات التملكّية، وتفتق عن ذلك مظاهر سُلطوية كثيرة أخرى، ونتجت عنه أولى الانتهاكات الواضحة والصريحة لحقوق المرأة في انتساب الأبناء إليها، وأُعتبر ذلك أول خرق لقانون اجتماعي كان سائداً لقرون طويلة، وهو ما عُرف بقانون الأم، هذا القانون الذي كان الأبناء بموجبه ينتسبون لأمهاتهم في المجتمعات الأمومية، وبدأت السلطة الذكورية تأخذ بالتوسع على حساب المرأة وحقوقها وانتقاصاً من قدرها وقدرتها، الأمر الذي يجعلنا نربط بين الذكورة كفهم ثقافي اجتماعي، ونزعات الملكية الفردية كفهم ثقافي اقتصادي.


ودون الحاجة للخوض في تفاصيل متعلّقة بالقوانين الاجتماعية الخاصة بالمجتمعات الأمومية البائدة، وكيفية انتقال السلطة من يد المرأة إلى الرجل؛ فإنني أقول أنّ أولى هذه البوادر أخذت طابع العنف في مواجهة دفاع المرأة عن حقها في احتضان الأبناء ونسبتهم إليها، الأمر الذي دفع بالمرأة إلى اتخاذ العنف وسيلة لاستعادة هذه الحقوق المختصة، بدا ذلك واضحاً في تفاصيل أسطورة النساء الأمازونيات المحاربات.


ومنذ تلك الحقبة التاريخية السحيقة والمرأة في صراع مرير من أجل استعادة حقوقها، وبدا الأمر –من جانب الرجل- يأخذ طابعاً أكثر حدّة وقسوة متمثلاً في سنّ القوانين والتشريعات التي أخذت تُرسخ لمفهوم استعلاء الرجل على المرأة، وأخذت هذه القوانين تتطوّر وتزداد قسوة حتى بلغت ذروتها عندما تمّ إدراج هذه القوانين في شكل تشريعات دينية سماوية.


إنّ سُلطة الرجل القهرية على المرأة عندما يأخذ طابعاً ديناً فإنه يسعى بكل بساطة إلى جعل هذا الاستعلاء أمراً خارجاً عن إطاره التاريخي المفهوم والمعلوم، ومسحوباً إلى أوامر عُليا يُعتبر عصيانها تمرّداً على الذات الإلهية وتشريعاته، وعصياناً لأمر الله مباشرة، ولذا فإننا نجد أنّ غالبية الأحكام الدينية -إن لم تكن كُلها- منصبة في خانة الرجل أو قاهرة للمرأة، وفي أفضل حالتها تنطلق هذه التشريعات في سبيلها لإنصاف المرأة من كون الرجل معياراً لهذه الأفضلية، ومقياساً لها، وليس أدّل على ذلك مما جاء في الأثر عن المرأة التي جاءت تشتكي إلى محمد وتقول: "ذهب الرجال بالخير كله" الأمر الذي جعله يستدرك ويقول: "أيما امرأة صلّت فرضها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها ...." (الحديث)


بل وأكثر من ذلك أنّ الرجل كان هو دائماً خلاص المرأة الوحيد من العقوبة الإلهية أو سبباً فيه، فنجد في ذلك ما جاء في الحديث الطويل الذي يوصي فيه محمد ابنته فاطمة الزهراء فيقول فيما يقول:

* يا فاطمة: طوبى لامرأة رضي عنها زوجها ولو ساعة من النهار.
يا فاطمة: مامن امرأة رضي عنها زوجها يوما وليلة إلا كان لها عند الله أفضل من عبادة سنة واحدة، صيامها وقيامها
* يا فاطمة: مامن امرأة رضي عنها زوجها ساعة من النهار إلا كتب الله لها بكل شعرة في جسمها حسنة ومحا عنها بكل شعرة سيئة
* يا فاطمة: أيما امرأة رضي عنها زوجها لم تخرج من الدنيا حتى ترى مقعدها في الجنة ولا تخرج روحها من جسدها حتى تشرب من حوضي.
* يا فاطمة: مامن امرأة ماتت على طاعة زوجها إلا وجبت لها الجنة.
* يا فاطمة: امرأة بلا زوج كداربلا باب، امرأة بلا زوج كشجرة بلا ثمر.
* يا فاطمة: جهاد المرأة حسن التبعل.
* يا فاطمة: مامن امرأة عبست في وجه زوجها إلا غضب الله عليها وزبانية العذاب.
* يا فاطمة: مامن امرأة منعت زوجها في الفراش إلا لعنها كل رطب ويابس.
* يا فاطمة: مامن امرأة قالت لزوجها اُفاً لك إلا لعنها الله من فوق العرش والملائكة والناس أجمعين.
* يا فاطمة: مامن امرأة خففت عنزوجها من كآبته إلا كتب الله لها قصراً في الجنة.
المصدر: (منديات محبي السيّد حسن نصر الله)


وفي ذات الصدد نذكر هذا الحديث الذي يقول: "يقول النبي عليه الصلاة والسلام : "أيُّما امرأة صلَّت فرضها وصامت شهرها وأطاعت زوجها قيل لها ادخلي من أي أبواب الجنة الثمانية شئت". المصدر: (موقع منتديات التاريخ الإسلامي)


في هذا المبحث سوف أتناول مفهوم العصمة والتي كانت في فترة ما من تاريخ البشرية من الحقوق الخالصة للمرأة، وكيف تمّ افتراضه حقاً ذكورياً حتى دون دواع ومبررات لذلك، إلا أن تكون امتداداً طبيعياً لمُجمل القوانين والتشريعات الذكورية التي حاولت منذ الأزل درس حقوق المرأة وهضمها، وكرّست لاستعلاء الرجل عليها.


في الديانة الإسلامية تأتي العصمة حقاً واجباً للرجال دوناً عن النساء بمقتضى القوامة التي لا مقتضى لها إلاّ التفضيل الإلهي غير المبرر كذلك. ففي آية القوام نقرأ (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ) (النساء:34)


في هذه الآية القرآنية نجد أن العصمة ما هو إلا مظهر من مظاهر القوامة، والقوامة نفسها هي حق إلهي مكفول للرجل يستطيع بموجبه أن يُؤدب المرأة وأن يتدرّج في تأديبها، تكرّماً من الرجل في احترام المرأة؛ إذ يُجيز له الشارع أن يضرب زوجته؛ ولكن بشروط هزيلة وضعت مسبقاً ليبدو لنا الأمر وكأنه تكرّم من الرجل في منح فرصة كافية للمرأة بأن تعدل عن نشوزها.


ومن ناحية أخرى فمبررات الضرب أو حتى مقدّماته يكفي أن تكون مجرّد مخاوف الرجل الذاتية من نشوز المرأة، دون أن يكون الرجل مطالباً بالإجابة عن سؤال متعلق بحريّة المرأة في جسدها حتى داخل إطار الزوجية، كما يحتفظ هو بهذا الحق بالمقابل!


يقول القرآن: (وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ) فهم لم (واللائي نشزن) فيُقدم الفعل على ردّة الفعل، وإنما الفعل وردّة الفعل مرتبطان بالرجل، فهو معيار كل شيء؛ فيكفي أن يستشعر الرجل النشوز من زوجته، ليحق له أن يتدّرج في تأديبها، مطالباً لها بالخضوع لرغباته، وتأدية "حقوقه" دون أن يكون من المنطقي المساءلة عن أدائه لحقوقها بالمقابل كذلك.
ويظل المعيار الوحيد لهذه العصمة قوامة ممنوح للرجل من الله، بدواعي تفضيل غير مبررة إلا أنّ تكون –كما قلنا- امتداداً طبيعياً للقوانين والتشريعات الذكورية التي حاولت على الدوام قهر المرأة واضطهادها، وبالتالي المناداة باستعلاء الذكور فقط من أجل ذكوريتهم.


إنّ مناطق التكليف الإلهي في الفهم الديني هو الإنسانية في المقام الأول، والإنسان اسم جنس يشمل الرجل والمرأة، وإذا كانت المرأة مكلّفة شرعاً مثلها مثل الرجل، فمن الواجب أن تكون مساواة التكليف مدعاة لمساواة أشمل في جميع مناحي التشريع الأخرى، ولكن الحقيقة هي غير ذلك.


وهنا فقط يُمكننا أن نتساءل: إذا كان العقل والإنسانية هما مناط التكليف الرباني، فلماذا تم تفضيل الرجل على المرأة (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) (النساء:34)؟ ولأن الرجل أفضل عند الله من المرأة فهذا مبرر كافٍ وشرعي للقوامة، وبالتالي لأن تكون العصمة بيده.


إنّها جزء من الخطة الذكورية المُحكمة في سبيل نيل كرامة قد لا يكون مستحقاً لها بما يكفي مقارنة مع المرأة، وإلا فلماذا كل هذا الخوف غير المبرر منها؟ إنّ الناظر إلى دفاتر محاكم الأحوال الشخصية يجد أنّ هذه العصمة (الممنوحة للرجل بموجب القوامة الممنوحة للرجل بموجب التفضيل الرباني غير المبرر) لم تكن سوى قيد آخر من القيود التي يلفها الرجل حول المرأة في سبيل مشروع قهرها الأزلي.


وإذا عرفنا أنّ الرجال –من واقع دفاتر محاكم الأحوال الشخصية- لم يكونوا أهلاً لهذه القوامة، وبالتالي أهلاً لهذه العصمة فإنه من الطبيعي عندئذ أن نطالب بإعادة النظر حول قضية القوامة وبالتالي قضية العصمة، وأن نطالب -في مُجمل ما نطالب به من حقوق المرأة المستلبة- بإعادة العصمة في يد المرأة لأنها الأقدر على هذه القوامة الأسرية، ولأنها الأكثر رجاحة واعتدالاً في استخدام هذه السُلطة بما ينفع الأسرة ويحمي كيانها، وليس كما يفعل الرجل من استغلال لهذه السُلطة بما يخدم مصالحه الخاصة والشخصية.

هناك 4 تعليقات:

  1. طيب اليس من باب اولي يا سيد هشام قبل ان تكتب كلامك هذا كله

    ان تتاكد من صحة الحديث الذي نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم في وصايا فاطمة

    فالحديث مكذوب لا تصح روايته والاستدال به باطل من اساسه

    ردحذف
  2. هنالك أحاديث غير صحيحة اللفظ أو الصياغة ولكنها صحيحة المعنى أو الدلالة، ولكن دعنا من هذه النوعيات من الأحاديث ولنقرأ أحاديث يتفق على صحتها ثلة مقدرة من علماء الدين والفقهاء:
    __________________________

    حدثنا ابن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، قال أخبرني زيد، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري ـ رضى الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏ أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل ‏"‏‏.‏ قلنا بلى‏.‏ قال ‏"‏ فذلك من نقصان عقلها ‏"‏‏. (حديث صحيح) وارد في البخاري

    حدثنا إسماعيل، قال حدثني مالك، عن ابن شهاب، عن حمزة، وسالم، ابنى عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر ـ رضى الله عنهما ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏ الشؤم في المرأة والدار والفرس ‏"‏‏.‏(حديث صحيح) وارد في البخاري

    وعن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: " ثلاثة لا يقبل الله لهم صلاة ولا ترفع لهم إلى السماء حسنة: العبد الآبق حتى يرجع إلى مواليه فيضع يده في أيديهم والمرأة الساخط عليها زوجها حتى يرضى عنها والسكران حتى يصحو "

    وعن الحسن قال حدثني من سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " أول ما تسأل عنه المرأة يوم القيامة عن صلاتها وعن بعلها "

    رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه ولا تأذن في بيته إلا بإذنه " . أخرجه البخاري.

    وقال صلى الله عليه وسلم: " لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها " . رواه الترمذي

    وقالت عمة حصين بن محصن وذكرت زوجها للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: " انظري من أين أنت منه فإنه جنتك ونارك " . أخرجه النسائي

    وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها وهي لا تستغني عنه "

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة " .

    لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلتأته وإن كانت على التنور "

    وقالت عائشة رضي الله عنها يا: معشر النساء لو تعلمن بحق أزواجكم عليكن لجعلت المرأة منكن تمسح الغبار عن قدمي زوجها بخد وجهها.

    ________________________
    وإن شئتَ زدتكَ من نوعية هذه الأحاديث

    ردحذف
  3. تحية طيبة
    وضع العصمة فى يد المراة لن يغير من الوضع كثيرا لان الطبيعة الانسانية لدى المراة لا تختلف كثرا عن الرجل ,لذا الافضل ان يكون حكم التفريق بين الاثنين بيد
    المحكمة عند اثبات احد الطرفين الضرر .

    ردحذف
  4. وإذا عرفنا أنّ جلّ قضاة المحاكم "ذكور"؟ وإذا عرفنا أنّ واضعي القانون حتى الوضعي "ذكور" فأين تذهب المرأة وكيف تفعل؟ القضية التي أطرحها هنا هي (إعادة الحق لأصحابه) العصمة كانت قديماً ولحقب طويلة جداً حقاً مكفولاً للمرأة وجاء الرجل فاغتصب هذا الحق منها. لا يُمكننا استبدال هذا الحق بأي حال آخر غير إعادته إليها. وفي رأيي فإن المرأة ليس كالرجل عندما تكون العصمة بيدها. المرأة تُفكّر جيّداً قبل أن ترتبط وتُفكّر جيداً قبل أن تلجأ لمسألة الانفصال، على عكس الرجل الذي قد يتزوّج فقط لأنه يُريد ذرية، وقد يتزوّج لأنه يسعى وراء الاستقرار الجنسي، وقد يتزوّج فقط إرضاءاً لأمّه، وقد يُطلّق لأنه سكران، وقد يُطلّق لكي ينتقم لكرامته كرجل. وقد لا يُطلّق انتقاماً من المرأة فيذرها كالمعلّقة، وطالما أن الطرف الآخر عاجز عن إثبات وقوع الضرر فلا الشرع ولا القانون الوضعي يمنعه من حبس المرأة وإمساكها عليه.

    ردحذف