الخميس، 2 أبريل، 2009

أرتكاتا غربة تامة



المصدر : جريدة الرأي العام السودانية
تضاريس 107

منذ السطور الأولى التي نطالعها في رواية (أرتكاتا) سيجد المرء نفسه في عالم روائي سوداني شاب هو هشام آدم يكتب عن مجتمع ليس مجتمعه ويصوغ حياة شخوص ليس من بينهم ممثلون ولو من بعيد لبني جلدته فالبلد اسبانيا والشخوص اسبانيون . تبدأ الرواية هكذا» كنا على وشك الرحيل عندما قبلتني (سوليدا فيدل) جدتي وتستمر سطور الرواية الأولى لتكشف لنا عن اسم البطل «كاسبر سارجينيو» وأخته «جوليتا سارجينيو» وقد ولدا كليها بعد زواج أبيهما من أمهما في العام 1971 ومع ذلك أصيب كاسبر - الذي ولد في العام 1974في الرحلة من ارتكاتا إلى كوينكا- بالجدري وهو مرض كما نعلم أصبح يتعذر الإصابة به خصوصاً في بلد أوروبي بعد ان تم القضاء عليه حتى في دول العالم الثالث نفسها منذ تلك الفترة البعيدة.

تشترك رواية هشام آدم مع رواية (الحياة السرية للاشياء) للكاتب محسن خالد في كتابة تمثل بالنسبة لي غربة تامة عن مجتمعاتنا.. فقد كتب محسن روايته تلك عن أشخاص امريكيين وبيئة امريكية وذلك بخلاف روايات ليلى ابو العلا وجمال محجوب وبالطبع بخلاف موسم الهجرة ونظائرها في الأدب السوداني والعربي أوالافريقي فتلك كلها روايات عمد كل كاتب من كتابها إلى إشراك شخصيات قريبة من وجدانه نظراً لقربها من عالمه لتشترك في العوالم الأخرى الغريبة عنه وتتفاعل معه.

لكن في رواية هشام (أرتكاتا) فالأمر مختلف. وقد قلت للكاتب هشام آدم في ندوة اقيمت بجدة إن خير ناقد لرواية ارتكاتا سيكون إسبانياً بحيث يؤكد لنا تماثل الشخصيات التي سرد عنها الكاتب مع مواطني اسبانيا حتى لا تبدو الرواية غريبة في تصويرها لذلك الواقع وأولئك الأشخاص فتصبح من بعد ومن قبل في غربة تامة عنا أي نحن القراء المستهدفين الذين يصورالكاتب لنا، وعنهم أي عن الذين صورهم.

كتبت الكاتبة رانيا المامون في ثنايا تقديمها للرواية تقول: « تماهى الكاتب تماماً مع المناخ الإسباني إلا انني تمنيت لو أنه صور للقاريء البناء النفسي للشخوص ،وحتى البناء المادي لها من شكل وبنية جسدية ، كان هذا سيضيف عمقاً وغنىً لها ويجعلها أكثر إقناعاً وحياة فقد بدت لي كطيوف وليست كشخصيات ملموسة لها أبعادها.. « وكما ترى فإن رانيا مامون أصابت كبد الحقيقة .ويتعذر على كاتب لم يعش الجوهر الإنساني برمته « كلية العلاقات الاجتماعية» في اسبانيا ان يكتب رواية شخوصها اسبان وأمكنتها اسبانية وعبير أمكنتها اسبانية بينما هو سوداني.وبالتالي فإن مثل هذا الأدب يبدو للقاريء أدباً مترجماً إن كتبه هشام آدم أو غيره من الكتاب الشباب، ويبدو الحال هنا مثل كتابة أغنية بالانجليزية تخاطب حبيبة أمريكية لكن بلغتنا أما العاشق الذي يتقمصه الشاعر فامريكي طبعاً وكان سيكون هناك فرق كبير لو أنه كان من اقوامنا، أما اللحن فغربي صرف وكذلك الآلات الموسيقية لكن الجمهور المستهدف فمن عندنا.هل ترى يحس مثل هذا الجمهور بالغربة عن هذه العوالم أم أن العولمة في زحفها المقدس قد طمست كل شىء؟ خلت رواية هشام آدم من الحوار تقريباً وقد أفاد الكاتب الحضور في الندوة المذكورة بأن الحوار حسب قناعاته غير ضروري في العمل الروائي.

زمن الرواية يتم في الفترة من بعد منتصف السبعينيات إلى سنوات قريبة في مطلع الالفية ويكشف ذلك أحد الحوارين الوحيدين في الرواية:

- من على الخط؟
- صديق قديم …
- من مدريد؟
- ربما. هل تتوقعين شخصاً بعينه؟
- في الحقيقة أتمنى أن تكون كاسبر سارجينيو . فهو الوحيد الذي انقطعت أخباره منذ العام 98

هل يمتلك الكاتب هشام آدم إمكانيات روائي؟ نعم . وفي ظني هي امكانيات ملموسة . لكن بي توق لأن يوجه شراع سفينته نحو بحارنا وإن كنا قد بدأنا الكشوف الجغرافية لبلدنا وتضاريسها بعد الاسبان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق