الأربعاء، 1 أبريل، 2009

جريمة بتوقيت جرينيتش


كان يتصبب عرقاً إذ لم يسبق له أن دخل مخفراً من قبل. الضابط الذي كان ينفث دخان تبغه المستورد كتنين أسطوري منقوش على إحدى جدران معبد منغولي قديم كان يُثير فيه جلّ الخوف المتشعّب كأوراق شجرة أناناس استوائية في موسم لا وجود له إلا في مخيّلة الرسّامين البوهيميين. كان الاتهام الذي يُوجه إليه وحده كفيلاً بجعله يتمنى ألا يكون محسوباً من الفصائل البشرية. جريمة قتل من الدرجة الأولى. سيدة ثلاثينية جميلة، عثر عليها في شقتها شبه عارية، والدماء تنساب منها كنهر لا سلطة له على مجراه. كانت تلك التجربة الجنائية الأولى في سيرة صبري نايلون المسالم حدّ الجُبن. يتذكر صبري هستيرياه الطفولية الخاصة عندما كان الأطفال يضحكون عليه في سخرية: “قلبك خفيف زي كيس النايلون!” ومن يومها التصق به اللقب ولم يفارقه.

اهتز المكان للمرة الثانية خلال عشر دقائق: أين كنت في تمام الساعة (3:30) من عصر يوم أمس؟ وكانت الإجابة دائماً تأتي مرتجفة وفاترة: كنت في كل مكان! لم يستطع صبري تحاشي الجملة التي اعتبرها المُحقق هازلة واستفزازية ولكنه كان يحاول أن يقول الحقيقة معتمداً على قدرة تعابير وجهه في إقناع التنين المنغولي بصدقه وبراءته.

لم يكن المُحقق رغم فترات صمته الطويلة يُعطي صبري نايلون الفرصة الكافية لتذكّر تفاصيل يوميه بالأمس. كان يُحاول جاهداً أن يتذكر أيّ شيء ذا صلة بالموضوع؛ غير أنه كان دائماً يعثر في صندوق ذاكرته على أشياء سخيفة وتافهة: تذكر اللحظات السعيدة التي عثر فيها على بسكويت أولكر كان قد نسيه في درج مكتبه ووجده في حالة جوع طارئة منتصف نهاره المهني. تذكر مكالمته مع أمه وحدثيهما عن الإنجاب ورغبتها في ألا تموت قبل رؤية طفل منه. تذكر تفاصيل نكتة ماجنة كان قد أرسلها إليه أحد أصدقائه القدامى في رسالة قصيرة على هاتفه النقال. تذكر جماع قطتين في الشارع، وفقدان نظارته في المكتب، ومشاجرة صبيانية بين اثنين على الطريق العامة، وخبر قرأه في شريط التلفزيون الإخباري عن انفلونزا الطيور. ولكنه لم يتذكر شيئاً عن الجريمة.

كل ما يعرفه عن الجريمة هو القتيلة، وكل ما يعرفه عن القتيلة لم يُخفه عن المُحقق: امرأة ثلاثينية، جميلة، مطلقة، معتدة بنفسها، ذكية، تعمل صيدلانية في إحدى المراكز الصحية القريبة، ورغم الكاريزما التي تتمتع بها إلا أنها إنسانة غاية في اللطف. لم يتصادفا إلا لِماماً على درج المبنى في أوقات لم يحاول ضبطها ودراستها من قبل. لا يعرف متى تذهب إلى العمل ولا متى تعود. لم يسأل نفسه هذه الأسئلة التفاهة التي اعتبرها فضولاً من النوع المزعج. فلا بد أنها تذهب في الصباح وتعود في المساء!

يقول المُحقق أنه عثر عليها مقتولة في شقتها في تمام الساعة (3:30) عصر أمس. ولكن كيف له أن يعرف مقدار هذا التمام إلى وقته الهلامي؟ ذلك اليوم كانت ساعة المسجد المعلقة أعلى المحراب تشير إلى الساعة (3:17) والساعة الميدانية العملاقة إلى (3:15) وساعة المصعد الرقمية إلى (3:12) والساعة الحائطية في مكتبه إلى (3:16) وساعته اليدوية إلى (3:14). يؤمن صبري نايلون أنه يعيش في زمان ما بين هذه الأزمنة المختلفة، وألا زمان حقيقي على الإطلاق، كل الأشياء لها أزمنتها الخاصة والأزمنة نفسها تدور في زمان خاص بها لا نعرفه؛ ربما نشعر به، ولكن لا يُمكننا القبض عليه والإمساك به وتقييده في زمن خاص بنا نحن.

قال في نفسه: إذا كان المحقق يقول أن شاهيناز قد قتلت في تمام الساعة (3:30) فلا بد أنه اعتمد على توقيته هو: ساعته اليدوية، ساعة الطبيب الشرعي اليدوية أو ساعة حائطه. فكم كانت تساوي ال(3:30) بحساب الساعة الميدانية العملاقة؟ أو بحساب ساعة المصعد الرقمية؟ أو بحساب ساعة المسجد؟ أو بحساب ساعته هو اليدوية؟ كم كان تمام الساعة الميدانية العملاقة حين كان تمام ساعة المحقق (3:30)؟ وكم كان تمام ساعته اليدوية؟ بل وكم كان تمام الزمن الفعلي أو الساعة الفعلية للزمن؟ كيف لي أن أعرف أين كنتُ في توقيت ساعته؟

ضرب المحقق بقوة على طاولته فاهتزت بعض الأوراق وتناثرت عيدان تنظيف الأسنان الموضوعة على جانب منها، وسمع صبري صوت رنين خافت لساعة المكتب المنبهة. نظر إليها طويلاً بعد أن رجف واهتز بدنه بقوة من أثر المفاجئة ثم قال: كم كانت ساعة مكتبك حين كان زمن وفاة القتيلة (3:30)؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق