الأحد، 5 أبريل، 2009

الرسالة السرّية في "جوابات حراجي القط"


ربما تُعد قصيدة «جوابات حراجي القط» من أشهر قصائد شاعر العامية المصري عبد الرحمن الأبنودي المولود في عام 1938م في أبنود إحدى قرى محافظة قنا في الصعيد المصري، هذا إضافة إلى أعمال شعرية أخرى مثل: وجوه على الشط، والموت على الإسفلت، وربما كان جمعه لسيرة الهلالية من أشهر الأعمال الأدبية التي حاولت تخليد هذه السيرة وأشعارها التي جمعها من شعراء الصعيد بُجهد لا يُمكن إغفاله।


قصيدة «جواب حراجي القط» التي ظهرت للنور في العام 1969م لأول مرة، واحتوت على عدد من الشخصيات المحورية والأساسية؛ كان من أهمها:
· حراجي القط: بطل القصة وهو فلاح ريفي بسيط انتقل من قريته في جبلاية الفار، إلى أسوان للعمل ضمن الآلاف الذين تم جلبهم للمساعدة في أعمال بناء السد العالي.
· فاطمة أحمد عبد الغفار: زوجة حراجي القط، وهي سيدة ريفية بسيطة، ولكنها تحمل –رغم بساطتها وسذاجتها في أحيان كثيرة- عقلاً ووعياً مستنيراً، ودافعاً قوياً للحياة وفهمها.
· طلعت أفندي: أحد مهندسي السد العالي، وهي الشخصية التي ساعدت كثيراً في نقل الوعي التقدمي لحراجي القط، كما ساعدت في توسيع مداركه. اتسمت شخصية طلعت أفندي بالبساطة والتواضع والعمق المُبسّط الذي ساعد حراجي القط على الفهم والاستبصار.
· الحاج حسين العكرش: مقاول "أنفار"، يذهب إلى القرى الريفية ويجلب منها العمّال، ويتقاضى مبلغاً من المال مقابل كل عامل يجلبه، وهو الذي طرح فكرة العمل في أسوان لحراجي القط للمرة الأولى। ورُسمت هذه الشخصية بطريقة تجعلك لا ترتاح إليه على الإطلاق.


بالإضافة إلى بعض الشخصيات الثانوية؛ مثل:
· الملوي : أحد رفاق حراجي القط، وأحد العمّال في السد العالي.
· علي أب عباس: أيضاً أحد رفاقه العاملين في السد العالي.
· مرزوق البسطاوي: عامل البريد الذي كان همزة الوصل بين حراجي القط وزوجته.
· نظلة: أخت حراجي القط.
· الشيخ قرشي: شيخ الكُتّاب الذي كان يُشرف على تدريس "عيد" ولد حراجي।


جاءت القصة في خمس عشرة رسالة متبادلة بين حراجي القط وزوجته الريفية فاطمة أحمد عبد الغفار، يحكي لها فيها عن مشاهداته وانطباعاته عن أسوان، وكيف أن العمل في بناء السد العالي كان سبباً في انفتاح بصيرته على عوالم كانت مجهولة بالنسبة إليه، وحرص هذه الزوجة الريفية البسيطة على معرفة المزيد عن هذه العوالم عبر تساؤلاتها الساذجة في ظاهرها، والعميقة في مضمونها।أظهرت القصيدة الكثير من الملامح المخفية عن حياة الريف المصري في أوجهها المختلفة، ونقلتها في قالب شعري سهل وممتع جداً، وناقشت القصيدة العديد من الأمور الهامة والمسكوت عنها في المجتمع الريفي؛ مثل: قضية عمل المرأة، وتنميطها في قوالب عتيدة ناشئة في الأصل من نظرة الرجل لها، وارتباط المرأة بالرجل فيما يتعلق العيش وكسب الرزق، وربما تظهر هذه اللمحة الاجتماعية ظاهرة فيما جاء على لسان فاطمة أحمد عبد الغفار من احتجاجها على وضع المرأة في الريف، واستحواذ الرجل على حق العمل، وربما لم يغب عن ذهن الشاعر المبدع سذاجة التدليل على هذا القول رغم عمقه ومنطقيته:


في حاجة تانية يا حراجي
إشمعنا الشغل تملّي للرجال
أمّال الناس كانت راح تعمل كيف
لو ربنا بس خلقها كلّها نسوان؟


كما تقول في ذات الإطار:
طول عمر المرة منينا يا ود خالي
ما سبوها تعمل حاجة في البيت
إلا إن كانت الشغلة قدام الفرن
وحط الطاجن ع الكوانين

وكذلك في قولها:
واحدة عفيّة زيي يخلوها للشيل والحط
مش ملي الجرّة والكنس


وهي إذ تطرح قضية مثل قضية عمل المرأة في التجارة في المجتمعات الريفية، فهي مستبصرة في الدرجة الأولى بخطورة ما تدعو إليه، ويظهر ذلك جلياً من قولها:


والنبي لو قلت كلام دي للجبلاية
لرد في وشي بيبانها
والنبي والرجالة ما تخليني أقعد مع نسوانها


ورغم البساطة التي تتناول بها فاطمة أحمد عبد الغفار هذه الجزئية؛ فإنها تندفع للقضية بفهم ووعي تقدمي مستنير وثوري، يهدف –ليس فقط- لجعل القضية شخصية تخصها فقط؛ بل تعرض القضية باعتبارها قضية عامة موجهة للمرأة، داعية إياها للثورة على هذا الوضع؛ فتقول:


وفاطنة ما تبقاش فاطنة بت أحمد
لو ما الجبلاية تعمل نسوانها زيّها يا حراجي


ويظهر إبداع الشاعر المصري العبقري «عبد الرحمن الأبنودي» في إيصال الأفكار التقدمية والعميقة عبر لغة ريفية سهلة وساذجة في كثير من الأحيان، كما في قول فاطنة أحمد عبد الغفار وهي تسوّغ لمبررات الرفض المحتملة لعملها في التجارة:


تتباع ملوخيتها في السوق يوم السوق
أيوه ...
حطلع أبيعها في السوق
وأنا رايحة فين؟
رايحة أبيع عرقي، وأجيب حقو
ما فيهاش حاجة


وكذلك في قولها:
هي أصحاب الشغل دي، مش ليها الشغل وبس؟
مالها إذا كنتَ أنا راجلة ولا مرة
أهو واحدة ضمن الأُجرا
تشتغل اليوم وتقبض أجرة
(...)

والواحدة منينا مدام متحشمة
وعنيها مش طايرة
مش تبقى خلاص راجل؟


كما أظهر لنا النص كيف أن المرأة الريفية تتمتع بذكاء فطري، وحرصها على القيام بواجباتها تجاه زوجها، وتجاه أهله كذلك، وربما كان موقفها من ولادة أخت زوجها "نظلة" أكبر دليل على ذلك، ورغبتها في رد جميلها بالوقوف إلى جوارها ومدّها بمئونة البيت واحتياجاته من قمح وسمن خلال مدة النفاس। وعلى العموم، فإن القصيدة تُعبّر بوضوح عن تماسك القرى والمجتمعات الريفية، وسيادة روح التكافل التي تتفرّد بها عن مجتمعات الحضر والمدن.ولكن في خضم هذه المعاني التي جاءت معبّرة عن الجوانب العاطفية الجيّاشة والتي يحملها كل من حراجي وفاطنة أحمد عبد الغفار عبر رسائلهما؛ ورغم أن ظاهر هذه الرسالة هو الاحتفاء بقصة بناء السد، وإعادة الحق للعمّال الذين تم إهمال ذكرهم في كل الملحمات التي ذكرت السد العالي كما يقول الشاعر:


في الراديو يا فاطنة يقولوا:
بنينا السد .. بنينا السد
لكن ما حدّش قال:
السد بناه مين
بنوه كيف
نايمين ولا قاعدين


واعتبرت القصيدة بمثابة عرفان بفضل هؤلاء العمّال المنسيين، والذين كانوا يُعانون من التهميش حتى قبل الانتهاء من بناء السد أو بعده، تلك الحقيقة التي عبّرت عنها فاطنة أحمد عبد الغفار في قولها:


إذا جيت مكسور
السد يا راجلي رايح ينفعنا بإيه
هو اللي بيخرب حِدا واحد
الواحد ده بيعسّ عليه؟
أبداً
(...)

يعني بعد ما تخرب يا بو عيد
حيقول حراجي كان شغال ومفيد
أدولوا وظيفة بيه؟
(...)

أهي هيه هيه الحدوتة
مش كنت هنا بتزرع في أراضي الغير
وآخر الحول تكون اتهديت
والغير ياخد الخير
عندك نفس القصة يا حراجي
صدّق فاطنة وتعال
هات الرجّال وتعال
لو راح يدوك كانوا ادولك
همّا ما عاوزين منك يا حراجي
غير حيلك
لميتى حنقعد عُبطة كده
يلعب بدماغنا ديت وده


كما أن القصيدة حاولت الإشارة إلى محنة الريف وأبناء الريف عبر أبنائها الذين يتاجرون بعرقهم، معتمدين في ذلك استغلال حوجتهم وجهلهم। وتمثل هذا الدور في شخصية "الحاج حسين العكرش" الذي تناولها الشاعر عبد الرحمن الأبنودي بكل تفاصيلها الاستغلالية والجشعة في هذه المقاطع:


أقول لك؛ أنا ح أحكيلك ع الحاج حسين العكرش

أصلنا في الجبلاية يا فاطنة
كنا ماخدين أكبر مقلب في حسين العكرش
يا حاج حسين .. يا حاج حسين
قِطع الحسن، وقطع الحاج حسين
وقال لما كنا نقابلوا جاي من سفرية
نجري عليه ونقوم بالواجب
كبّرناه
(...)

الشخص اللي يملك يقلب بيت اتنين
زيّي وزيّك بمشاورة يد
وقلب عمري وهو قاعد قصد الدكان
بعزقنا .. كل ما منا بعزقو ريح
(...)

العين الماشية وسطيهم
تتفرّج ع الوِلد وهيا بتكبر وتشب
ويحلم باليوم اللي يسلمهم فيه
فسفات
شرطان سكة حديد
كبريتأسوانترمي وتقبض
وتروح الولدات وتغيب
الأُمات تتلطّع تحت الباب
وعلى العتبان
تستنى اللي ما بيجوش
أهو ده يا فاطنة هوّ الحاج حسين
أهو ده يا فاطنة هوّ الحاج حسين نفسو
مش الصورة
هوّ ده الحاج حسين
اللي بنفد من إيدو ولادي
عزيزة وعيد
لازم يكبروا في طريق تاني
يمشوا في طريق تاني بعيد
ما تفعصّش في لحومهم بصّة
ذاك العكرش
اللي لابس صوف ومكرّش
من وكل اللحم
وشرب عرق ولدات الناس


ورغم الموضوعات الظاهرية التي ناقشتها القصيدة؛ إلا أنّ هنالك رسالة سرّية تم وضعها بخفة ومهارة بين طيّات النص، بصورة مُبسّطة ومخفية। هذه الرسالة السرّية التي وضعها الشاعر عبد الرحمن الأبنودي كانت في حقيقتها تُعبّر عن أيديولوجية مقصودة في ذاتها، وقد تضمّنت القصيدة تلميحات سريعة لهذه الأيديولوجيا، وهي المسحة الشيوعية التي جاءت متسقة تماماً مع البيئة العمّالية؛ حيث تفرض الفكرة الشيوعية نفسها بقوة من خلال علاقات العمل بين العامل وصاحب العمل، وصراع الطبقات. ويُمكننا قراءة هذه الأبيات لنلمس المسحة الشيوعية فيها:


روسيا .. اسمها روسيا
دولة، دولة كبرانة
والناس دي يا فاطنة
مش مجبورة ع الشغل
عشان روحا
مجبورة عشانا إحنا
نقف على رجلينا
ويكون الواحد مننا حر
كانوا غلابة زيّنا يوماً
لكن –ويا فاطنة- يا ويل
الدنيا من قومة الفقرا الأجرا
مش وقتو
ده موضوع طولان ..
وعلشان الواحد يحكيه
عايزلو ورقة جرنان
حكاية إن الدنيا دي فيها غلابة وديابة
ده موضوع عايزلو ربابة
ومداح وطران


وربما كان الشاهد الأكثر وضوحاً في هذه الأبيات هول قوله: "يا ويل الدنيا من قومة الفقرا الأجرا) في إشارة لثورة البوليتاريا (ثورة العمّال) التي قامت في روسيا من قبل। وربما كان من المعلوم للجميع أن الشيوعية كفكرة قامت ضد الرأسمالية التي استغلت العمّال في عهد الثورة الصناعية التي قامت في أوروبا أول الأمر، وهنا في هذه القصيدة العديد من المقاطع التي تذكر "العمّال" واستغلال أصحاب العمل لهؤلاء العمّال.


وكان الشاعر بحنكة خفية، يحاول في كل مرّة الإشارة إلى الطبقات المسحوقة، في صراعها مع القوى الرأسمالية والبرجوازية، وفي ذلك نجده يقول على لسان حراجي القط:


وأما قالوا لي في النادي : "قوم ॥ده نادي موظفين"

صرخت في قلب أبوهم:
"نادي مين؟ موظفين؟ إيه يعني موظفين؟
مين إنتو علشان تقولولي قوم؟
اللي ما واحد منكم شفتو في الموقع تحت
اللي ما واحد منكم داق لو يوم في الكحت
قال إيه؟ جايين أسوان يلعبوا بلياردو!"
وبرضو اتلموا عليّ وطردوني
وبرضو حلفت ليجي اليوم
اللي يتعدّل فيه الأمر
اللي بنا هوّ اللي يحترموه
واللي مالوش في الشغل
مالوش في الراحة يا فاطنة
آه م الصح وم الغلط الشابكين ف بعض
وطالعين زي السبلقة والعلّيق من نفس الأرض


وكذلك قوله:
ناس طول العمر تمشي شايلة على كتوفها
هوادج فيها ناس من أتقل ناس
ناس م النوع اللي ما بيضحكش
تصرخي مهماً تصرخي ما بيسمعش
وإن يسمع ما بيستعناش


وقول الشاعر على لسان فاطنة أحمد عبد الغفار:
بتفرّق عمرك على مين يا حراجي ؟
على مين؟
الوارثين في الدنيا
حيفضلوا وارثين
واللي اتولدوا تحت سراية العز
حيفضلوا مادين الإيد
لا ح يدخلوا م البوابة
ولا همّ طالعين


وقوله كذلك على لسان حراجي القط:
والناس مسافات وسلام
سواق النورج
النسّاج
العالمصاحب الشغل
وخالي الشغل
والكدّاب اللي يزوّر
واللي يغيّر معنى الآية
كلو هنا حوليّا
وفي الشغل معايا


وأشار الشاعر في كثير من المقاطع إلى عمليات استغلال الرأسمالية للعمّال، وكيف أنها تتعامل معهم كسلعة وكيف أن هذا التعامل يُشابه في كثير من الأحوال عمليات بيع وشراء العبيد। حاول الشاعر عبر هذه التلميحات أن يُشير إلى فكرة الرق والاسترقاق عبر الاستغلال، فنجده يقول مثلاً:


في السد يا فاطنة ...

صنفين م الأنفار:
صنف اللي تبع الشركة
وصنف مع مقاولين
وأنا كنت مع مقاول
من يوم ما باعني الحج حسين
لحين ما الأستاذ طلعت
دلدلي حبال الخير
ونتعني من الكحت
ونجدني من تعب الأنفار


وكذلك قوله على لسان حراجي القط وهو يُخاطب زوجته:
حسين العكرش اعتبريه دكان
والبيّاع بيتاجر في الإنسان
الحتة بخمسة وعشرين .. تلاتين
قبّض وأديلك
عمرنا في الجبلاية يا فاطنة
ما بصينا لحسين العكرش
على إنو بيتاجر في الناس
ولا جبلاية الفار للآن
عارفة مين هو حسين العكرش


وربما جاءت –أيضاً- تلميحات سريعة يطرح فيها الشاعر فكرة المادية التاريخية، وأخرى تطرح نظرية النشوء والارتقاء وذلك على لسان شخصية "طلعت أفندي" الأمر الذي يجعلنا نقول إن طلعت أفندي كان أحد العناصر اليسارية، وحرص على نقل هذا الوعي إلى حراجي القط لما لمس منه من ميل جارف للمعرفة والتنوير। فنجده يقول عن الإنسان:


كيف جيه متفنّط ع الأرض حوان
كيف أصبح لا حوان ولا جان
إمتى حكم الإنسان الدنيا
وإمتى الدنيا قدرت على حكم الإنسان
ناس تبقى شجرة
وناس تبقى مصابيح
أقوى م الريح
وناس تبقى ديدان


ومثلما إن التيارات الفكرية اليسارية تُمجّد العلم في مقابل الخرافة، فإن الشاعر لعب على هذه الثيمة في كثير من المقاطع، مؤكداً على أن العلم هو من بيده أن يجعل للإنسان معناه الإنساني، وهو من يُحقق التغيير، ويجعلنا نرى هذا العالم بصورة مغايرة عما تمنحه لنا الخرافة فنجده يقول مثلاً:


العلم يا فاطنة ॥ العلم ده أمره غريب

دمغات زي الدمغات اللي في جبلاية الفار
لا إيد زايدة ولا وِدن
لكن بتسوّي الأعاجيب


وكذلك قوله:
لكن العلم يا فاطنة بيلبسنا ناظور
وحيطنا في النور
نوعى لكل الحاجة ونعرفها
مهماً نمشي فيها ما يقابلنا شي جديد
تقع الضحكة
والقلب ما يفرحش
لا ضلة ولا شمش
لما يكون الكون كله مش مفهوم
الخير ॥ والشر
الإيد الممدودة تولّع لنضة
والإيد الممدوة تدار الحر
الإيد الممدودة دعا
والإيد الممدودة ضر
(...)

يتحبس الإنسان في العلم وحيد
خالي
حياتو فايضة، فاضية زي المساجين
الدنيا علم
والعلم أوحش ما في راسو
إنو ما يعرفش إيه طعم حلاوة الحلم
العلم يحقق الأحلام
لأنو ما بيحبش يبقى فيه في الدنيا حلم


وهكذا فإننا نرى أن الشاعر عبد الرحمن الأبنودي، استطاع من خلال قصيدته الرائعة جوابات حراجي القط أن ينثر –بالإضافة إلى اللمحات الإنسانية العميقة، والعديد من القضايا الاجتماعية الهامة- بعض القضايا الفكرية التي جاءت متوافقة تماماً مع جو النص، لتخدم خطاً أيديولوجياً محدداً، ولكن بطريقة فنية راقية جداً، وفي نفس الوقت بلغة سهلة ومبسّطة؛ حيث أنه أجاد في شرحه لنظرية الملكية الفردية والملكية العامة وذلك في قوله:


زوجتي فاطنة
مش عارف إنهين كان يبقى الأحسن
الشغل كده .. ولا لو أدوني مقطوعية
في جسم السد
مقطوعية أخلصها في سنة في اتنين
في تلاتة ف عشرة
أهو أبقى عارف اللي عملتو وبس
يبقى اسمي عليها ولا ما يبقاش
مش ده المشكل
إشكالي يا بنيّة خالي
إني مش عارف فين اللي عملتو
في الهيصة الكبرانة دي
في شغل حراجي
الشغال من سنتين في السد؟
يعني اللي ياجي يقول لي:
"فرجني على شغلك يا حراجي"
كيف حنطق وأرد؟
المواسير والصواميل
اللي طلعت عيني فيهم
ح أعرفهم كيف من بين صواميل
الناس التانيين؟
أهو عندك كانت الشغلانة
بعد ما تخلص معروفة

نمشي ونقول:
"والله كبر قمحك يا شاهين
زارعو بإيدي يا رجالة وراويه"
ببقى عارف ..
في اليوم الواحد ده
عامل بالضبط الشغلانة دي
لكن في الغول الواقف قدامي ده
محدش عارف اللي عملو ده
من اللي عملو ده
بيسفّ في جوفو اليوم
وما يشبعش
مش يومي أنا لوحدي
لا ..
يوم الألوفات دي
يوم الألوفات اللي بتنطق زيي بالعربي
واللي بتبرجم ويترجم بالأفرنجي


إلى أن يقول:
طب إيه الفرق ما بيني وبين طلعت أفندي
والملوي أو خواجات الروس؟
أهو كلو بنا ويبقى السد بتاع الكل
حكاية مليحة
ما يبقى أنت كمان اللي دفعتي
سنتين من عمر حراجي
وسنتين م الشوق والصبر
ليكِ زيينا يا فاطنة في السد

وفي كل هذه الإلماحات؛ فإن الأبنودي لم يغفل التطرّق إلى إشكالية الوعي المجتمعي، أو عقلية القطيع، المتشكّل مسبقاً بقوالب جاهزة ومنمّطة، تجعل عمليات التغيير أكثر صعوبة، وفي ذلك يقول على لسان حراجي القط:

مشونا أمانا وأباتنا السكة غلط
لو نستعقل حد غريب
نبقى ف عين كبراتنا يا فاطنة
زيّ اللي كسروا صندوق الجامع
ولقينا الدنيا موروثة خلاص
متقسمة عايلات وبيوت:
بيت صالح
بيت العكرش
بيت أب سلمي
ده أبوي
ودي أم مرات عمي
والبيت ده ما يفتحش
في وش البيت ده غير بابو
عمرنا في الجبلاية يفاطنة
ماشفنا بيوت فاتحة قلوبها لبيوت
إلا لمّا حدّ يموت
الموت بس اللي بيجمّعنا يا ناس جبلاية الفار
نقعد مع بعض
كأننا نخل ف كرم
إن هبّت ريح ع الكل
إطوحنا زي الكل
تنخر فينا العتة في مطارحنا
ما نتقدّمش
اللي يتقدّم ... كافر
نقعد
لا نصرخ .. ولا نعافر
لمن نموت
بعد الزول ما يموت منينا
يدوّر على أخوه التاني
الحقاني
يدوّر على مرتو اللي كان
نفسو يجوزها يا فاطنة
ولا اجوزهاش
في الجنة بس يا فاطنة يقدر
أيها واحد يمشي مع أيها واحد


لقد نجح عبد الرحمن الأبنودي أن يُبشر لأيديولوجيته الخاصة في هذه القصية وأن يوظفها توظيفاً صحيحاً بحيث يصعب علينا أن نفرّق بين "حدوتة" النص، وبين المعاني التي ترمي إليها، وفي كل مقطع من مقاطع النص الشعري، نجد العشرات من التلميحات السرّية التي أخفاها الأبنودي بذكاء حتى يستطيع أن يوصل فكرة الشيوعية ومبادئها دون أن يصطدم بشكل مباشر بتابوه الدين الذي كان هو الحال في كل مرّة أمام فهم الشيوعية أو استيعابها، طالما ظنّ الناس أنها فكرة لم تأت في الأصل إلا لمعاداة الدين، والتخلّص منه. أراد الأبنودي من هذه القصيدة أن يبعث إلينا برسالة سرّية مفادها أن فكرة الشيوعية لا تهتم بقضايا الدين والتدين، وإنما تهتم بقضية العدالة واقتسام الإنتاج والسلطة، وأنها تحرص كثيراً على تحقيق هذه العدالة ونشر مبادئ الحرية والمساواة، وأن نظرة الشيوعية للعدالة قائمة على مبدأ الإنتاج (بقدر ما تنتج؛ بقدر ما تأخذ)، وبهذا فهو يسعى لإزاحة الغبار المتراكم الذي سعت العقليات الدينية أن تهيله على الفكرة بمهاجمتهم المستمرة وتصويرها بأبشع الصور التي تجعل الإنسان العادي البسيط ينفر منها؛ لأنهم على الدوام يستخدمون –في محاربتهم للشيوعية- على سلاح العاطفة الدينية واستغلالها في إقصاء هذه الفكرة ووئدها حتى قبل أن تتاح لها الفرصة العملية للتطبيق في مناخ ديمقراطي مناسب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق