السبت، 20 ديسمبر، 2014

اعتزال الكتابة الأدبية


في العام 2005 اكتشفتُ بمحض الصدفة موهبتي في الكتابة السردية، بعد سنوات طويلة من كتابة الشعر. اعتقدتُ أن هذا الاكتشاف كان بداية حقيقية لاكتشاف نفسي، فكانت أول رواية قصيرة لي بعنوان (يوم من أيام فاطنة) وبتشجيع من المقربين ركزتُ جهودي في الكتابة السردية باحثًا عن التجويد فيما أكتب، ومع بدايات عام 2007 كانت الرؤية أمامي واضحة جدًا، وأصبح لدي مشروع روائي وهدف وحلم أريد وأسعى إلى تحقيقه. أزعم أنني أخلصتُ لمشروعي جدًا، وكنتُ أقرأ أكثر مما كنتُ أكتب، وفي خلال عامين تمكنتُ من نشر أربع روايات. ربما كانت إحدى أكبر أخطائي أنني تعجَّلتُ في النشر، وأنَّني لم أمنح كل رواية وقتها الذي تحتاجه من القراءة والانتشار، ولكن ظللتُ لسنوات مغمورًا لا يعرف عني أحد إلا القلة القليلة حتى جاءت رواية (قونقليز) التي أردت بمشاركتي بها في مسابقة الطيب صالح للإبداع الروائي أن أكسر طوق العزلة والصمت لأبحث لنفسي عن موطئ قدم بين عشرات الروائيين السودانيين، ومع فوزي بالجائزة شعرتُ بأن حلمي بدأ يتحقق فعليًا، ولكن يبدو أنني كنتُ مخطئًا.

خلال الفترة الماضية، جلستُ مع نفسي وراجعتُ تاريخي وواقعي وتوصلتُ إلى حقيقة واحدة وهي أنَّ الموهبة ليست هي شرط النجاح، فللنجاح شروط أخرى لم أكن أعرفها، وعندما عرفتها، أدركتُ أني لا أملكها. لستُ غنيًا (بل أنا فقيرٌ ومعدم)، والنجاح يتطلب المال، في حين أنَّ النجاح هو ما يجلب المال، هذا ما نعرفه وما يُقال لنا، ولكن الواقع شيء آخر. في هذا الواقع الذي نعيشه، لكي تنجح يجب أولًا أن يكون لديكَ القدرة على شراء النجاح، وأنا لا أملك ذلك، وليس لدي علاقات أخطبوطية، فلا أحد من أصدقائي صحفي، ولا أحد منهم ناقد، ولا أحد منهم مترجم، ولا أحد منهم صاحب دار نشر، ولا أحد منهم مقدم برنامج. اكتشفتُ أن الذي يُريد أن يصعد إلى الأعلى لابد له من أصدقاء يرتقي على اكتافهم، أصدقاء يساعدون في حمله ورفعه إلى الأعلى، وأنا أصدقائي مثلي تمامًا، يسيرون على الأرض بخطوات وئيدة، ويقبعون في الخفاء ويخافون من الأضواء. ربما يكون لي أصدقاء نقاد، ولكنهم لا يكتبون عني، ولم أطلب من أحدهم أن يفعل. ربما يكون لي أصدقاء مترجمين، ولكنهم لم يترجموا لي ولم أطلب من أحدهم أن يفعل. ربما لي أصدقاء صحفيون ولكن أحدًا منهم لم يهتم لأمر الكتابة عني وعن رواياتي بصدق وحماس.

بعد قراءتي لواقعي جيدًا أدركتُ أنه ليس بإمكاني أن ألوم أحدًا سوى نفسي، فأنا فعليًا لم أكن مخلصًا لمشروعي الأدبي أبدًا، ولم أجد أمامي سوى نفسي لأعاتبها وألومها وأقسو عليها. قررتُ آخر الأمر أن أعتزل الكتابة الروائية تمامًا، وأن أتنازل عن مشروعي الأدبي، وعن أحلامي المرتبطة بالكتابة الإبداعية تمامًا. لم يكن هذا قرارًا عاطفيًا، وإنما هو استشراف للمستقبل، فلا أريد أن أقضي ما تبقى من عمري في مطاردة الوهم الذي أعرف أنه لن يتحقق، في حين أرى أمامي زمرة الروائيين الحقيقيين وهم يسيرون في دربهم بهمة ونشاط ويُنجزون بشكل أفضل ما لا أتمكن أنا من إنجازه بشق الأنفس.

عفوًا، ولكنني فقط لم أعد أحتمل! أعلم تمامًا أنَّ قراري هذا قد لا يعني أحدًا، وقد لا يهم أحدًا، وربما يضحك البعض على هذا القرار، ولكنه بالنسبة إليَّ قرار يُعادل الانتحار.


هناك 8 تعليقات:

  1. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  2. فهمك للصداقة انتهازي ، عشان كدا عمرك ما حيكون عندك صديق . بالمناسبة وين محمد صديق

    ردحذف
  3. الاخ هشام
    تحية طيبة وبعد
    لقد صمد تشارلز ديكنز و فرض نجاحه فرضا في ظروف اقسى من ظروفك بالف مرة . تصور صبي مشرد خريج الصف الرابع الابتدائي والده قابع في السجن ووالدته جائعه تنتظر ان ياتيها بما يسد رمقها يريد ان يدخل عالم الروائيين العالميين ! و ليس له من الاصدقاء من بلغ بلغ درجة ماسح احذية . ومع ذلك بلغ المبلغ الذي تعرفه ويعرفه كل العالم .
    ان الذي ينقصك يا هشام هو شيء واحد لا غير ولكن بكل اسف لا تقبله . نعم ترفضه وترفضه باباء لا مبرر له . ينقصك الايمان يا هشام . نعم الايمان هو الطاقة الروحية التي نتجاوز بها كل الظروف والمحن . الحياة يا هشام ليست بالطريقة التي تظن ولا تغتر وتظن انك بمناى عن الانتحار . على العكس تماما انت قريب جدا فاما انك لاتعرف نفسك او لا تعرف الحياة . ولا تظن ان قناعتك بان الانتحار لا يجدي كافية لتجعلك في حصين منه . لا يا عزيزي لقد كان (ديل كارنيجي ) صاحب كتاب دع القلق وابدا الحياة من اكثر الناس في العالم قناعة بعدم جدوى الانتحار ، وكتابه الشهير خير شاهد ومع ذلك بكل اسف مات منتحرا . فالامور ليست كما تظن عزيزي هشام . اخي هشام انا لست شامتا ولكن والله اشعر بالحزن العميق حينما اجد مبدعا مثلك جعل من معاداة الايمان عقيدة راسخة في قلبه .
    ختاما اسال الله ان ياخذ بيدك الى الهدى والرشاد انه يحول بين المرء وقلبه وانه على كل شيء قدير .

    ردحذف