الثلاثاء، 2 نوفمبر، 2010

حوار في أجراس الحرية


مُعد الحوار: هشام الطيب
(1-2)
- الطيب صالح قامة سودانية، لكن يجب أن لا يكون مقياسًا لإبداع الشباب
- صراعات الحداثة والحداثوية أسهمت في تأخر حركة النقد
- انتقدوني لأنني لم أتخذ من الواقع السوداني موضوعاً لرواياتي وأرى أن الرواية هي موضوعات كونية، ولا تنحصر في ثقافة أو بلد ما

هشام آدم، كاتبٌ وروائي وناقد، لم يُكن معروفاً للشارع الروائي السوداني بصورةٍ كبيرة، وربما اقتصر قرائه إلى أن فاز بالجائزة الأولى لمسابقة الطيِّب صالح للإبداع الروائي في نسختها الأخيرة، عن روايته "قونقليز"، التي نشرنا فصلاً منها في ملف الثلاثاء الماضي، وعزى هشام تأخره في تقديم نفسه كروائي للشارع السوداني لوجوده خارج السودان منذ وقتٍ طويل، الشيء الذي أضاع عليه -كما قال سابقاً- فرصة تقديم نفسه وأعمال بالشكل المطلوب. لهشام إسهامات عديدة في المجالات الأدبيّة، الثقافيّة، والفكريّة، وله عددٌ من الروايّات التي تعرفها دُور النّشر العربيّة، من بينها (أرتكاتا)– الصادرة عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام، بالقاهرة، و (السيّدة الأولى) – صادرة عن دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت] و (أرض الميّت)– صادرة عن دار سندباد للنشر والإعلام، القاهرة) و (بتروفوبيا)– صادرة عن الدار العربية للعلوم (ناشرون)، ومنشورات الاختلاف، بيروت. كما له عددُ من المشاكسات والمصادمات الفكريّة التي يعرفها أعضاء ومتابعي صفحات منبر سودانيز اونلاين، وله أطروحات ثقافيّة وفكرية على موقع الحوار المتمدن، وله كذلك إسهامات أخرى في مجال النقد الأدبي والنقد السينمائي. حاورنا هشام بمناسبة فوزه بجائزة الطيِّب صالح للإبداع الروائي، وكنّا لا نريد أن يكون الحوار مقتصراً على تلك الجائزة؛ إنما ليكون نافذةً يرى ويتعرَّف فيها القارئ على روائي سوداني اقتحم الشارع الروائي السوداني بقوّة. فإلى مضابط الحوار.

 قبل كُل شيء من هو هشام آدم، أو كيف يُعرِّف هشام نفسه؟
 اسمي هشام آدم محمد آدم، من مواليد القاهرة عام 1974، يقولون أنني من مواليد برج الثور، وليست لي علاقة بالأبراج. أنتمي إلى أصول نوبية، وبالتحديد من منطقة سكوت المحس من قرية وادعة وغريبة اسمها (كربين)، لي روابط عائلية ممتدة في مصر، وهذا سر مولدي هناك. عمل والدي في دار الوثائق مع خاله البروفيسور الراحل محمد إبراهيم أبو سليم لفترة من الزمن ثم هاجر بعدها إلى المملكة العربية السعودية عام 1977، بدأت حياتي الدراسية منذ مراحلها الأولية هناك، ولم أزر السودان خلال هذه المدة إلا في عام 1983 تقريباً، وكانت زيارة قصيرة، غير كافية لتكوين انطباعات ناضجة، وذكرياتي عن تلك الرحلة ليست كافية لأن تكون ذكريات مُؤثرة. وفي العام 1993 التحقت بكلية الآداب جامعة الخرطوم وكانت تلك هي النقطة الأبرز في حياتي، حيث تعرفتُ على جذوري وثقافتي الأم. بعد التخرج في العام 1988 عدت مرة إلى السعودية مُجدداً، ولم أعد إلى الوطن مرة أخرى، ولكنني هذه المرة عدت محملاً بذكريات وتجارب كانت بذرة مهمة في تشكيل وعيي؛ لاسيما في يخص الوطن وقضاياه. بطريقة ما انتهبت إلى كوني مصري بالميلاد، سعودي بالنشأة، وسوداني بالجنسية، فقط كان ينقصني معرفة هويتي، وكان ذلك شغلي الشاغل للمرة القادمة. الآن أستطيع أن أقول إن قضية الهوية ليست ذات أهمية كبيرة، وأن الأهم من ذلك هو الشعور بالانتمائية.

فوزك بجائزة الطيِّب صالح للإبداع الروائي يعني أنّك أصبحت رقماً بالنسبة للروائيين المشاركين، ولمتابعي الجائزة، و بالنسبة للشارع الروائي كذلك، هنا نود أن نعرف ماذا تمثِّل هذه الجائزة بالنسبة لك؟
 أنا شخصياً أعتبر الجائزة جواز مرور لي إلى الشارع الثقافي السوداني، وهو حلم راودني لوقت طويل في الحقيقة، نظراً لغيابي الكامل عن الساحة الأدبية السودانية، رغم مشاركاتي في بعض الصحف والإصدارات السودانية، ولكن لم تكن لهذه المشاركات ذلك الأثر الملموس في تعريف القارئ السوداني بصفة عامة، والمهتمين بالشأن الأدبي والثقافي بشكل خاص بهشام آدم ككاتب يستحق أن يُقرأ. إلا أنني لا أعتبر الجائزة –على أهميتها- شرطاً للحُكم على أي كاتب بأنه جيد أم غير جيد؛ إذ أن ذلك في الغالب بمقاييس ومعاير لجنة المحكّمين والتي لا يجب بالضرورة أن تكون مُعبّرة عن آراء القراء بصورة عامة. جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي جائزة قيمة، وإنه لمن المُفرح فعلًا أن ينالها أحدنا، ولكنها في المقابل تضع على عاتقك مسئولية جديدة، إضافة إلى مسئولية الكتابة، وتجعلك تجرّب (ربما للمرة الأولى) طعم الإحساس بأنك أصبحت محط اهتمام شريحة كبيرة من الناس. واسمح لي أن أنتهز هذه الفرصة لأتناول موضوعًا استشعرته من خلال تداعيات هذا النبأ، فكثير من الناس يعتقدون أن حصول روائي على جائزة الطيب صالح، تعني أنه ربما كان في مكانة الطيب صالح نفسه، أو أن لجنة المحكمين يضعون ذلك في اعتبارهم، وسواء أصحَ أن كان أحد الحاصلين على الجائزة في مستوى الطيب صالح أم لا، فإن هذا لا يُمكن الاعتماد عليه كمقياس مُطلق. ومن المُفيد أن نعرف أن الطيب صالح قامة سودانية كبيرة وعظيمة ولاشك، ولكن لا يجب أن يجعلنا ذلك نغفل أبدًا إبداع المبدعين الشباب، بحيث نجعله مقياسًا لهم لأن هذا يظلمهم كثيرًا، كما أنه يتنافى مع الحركة الانسيابية لمسارات الأدب عمومًا. هذا ما وقع للكُتاب الشباب في كولمبيا الذين غطت شهرة غارسيا ماركيز عليهم حتى أصبحوا في الظل، ولا أحد يعلم إلى متى سيبقون، أو كيف سيخرجون. فكُتاب مثل جاسي بيل خوسيه وخوان بوتيريو وغيرهم لا يقلون إدهاشاً عن ماركيز، ولا يجب أن يعتقد أحد أنني أحاول التقليل من شأن ماركيز إن قلتُ ذلك، فأنا أحد الذين تخرجوا من المدرسية الماركيزية، وأجد أنني منجذب تمامًا نحو عوالم الواقعية السحرية التي أرسى قواعدها بجدارة، ولكن هل يعني ذلك أن كولمبيا عاجزة عن إنجاب كُتاب جيّدين سواه؟ يبقى الطيب صالح رمزاً سودانيًا نفتخر به جميعًا، ولكن نريد أن نقول للعالم: إن السودان ليس فيه طيب صالح واحد فقط.

ورَد في تقرير لجنة التحكيم حديثٌ بسيط عن روايتك الفائزة، نريدك هنا أن تحدِّثنا عن (قونقليز) ولو بصورةٍ مُختصرة ؟
 أنا أفضّل أن أترك الرواية تتحدث عن نفسها، ولا أريد أن أفرض على القراء أفكاري وتصوراتي الخاصة عن الرواية، ولكن في المجمل الرواية تتكلم عن حياة شاب من ريف العيكورة انتقل للعيش في الخرطوم، ومكث فيها تسع سنوات، وعاد إلى العيكورة مجدداً بعد أن تلقى نبأ وفاة والدته. تدور الرواية بصفة خاصة حول المفارقات التي بدأ يشعر بها شرف الدين (بطل الرواية) عن القرية وتفاصيلها بعد هذه الغيبة الطويلة، وهنالك تداخلات كثيرة تجعل من حياة شرف الدين أنموذج لحياة الإنسان المنفصل عن واقعه، وربما رؤية مثل هذه الشخصيات للعالم وللآخرين. كما أن الرواية تتقصى الجانب النفسي لمثل هذه الشخصيات بحيث تجعلنا نتعرف على هذه العوالم التي تكاد تكون غريبة ومنسية في واقعنا اليومي اللاهث، ومن شخصيات الرواية بالإضافة إلى شرف الدين بابو: حامد ودالنعيم (زوج شقيقة شرف الدين الكبرى) وحسن البلولة (صديق شرف الدين الحميم) بالإضافة إلى شخصيات القرية والمدينة.

وجِّهت إلى لجنة تحكيم الجائزة عددٌ من الانتقادات مفادها أنّها بعيدة كُل البعد عن واقع الإبداع الروائي في نمطه الجديد، فبرأيك هل الحركة النقديّة في السودان مواكبة للتجارب الإبداعيّة الجديدة، أم أنّها متأخرة وتعيش على أفكار نقادها وأجيالها القُدماء؟
حركة النقد السوداني –في رأيي- تعاني من إشكاليات كبرى، ولقد كتبت عن هذا الأمر في مقال مطوّل بعنوان (نقد النقد السوداني) والذي تم تضمينه في كتابي الذي أُعد لطباعته ونشره قريباً بعنوان (تجليات في النقد الأدبي المعاصر)، وإذا حاولنا أن نناقش المسألة من جذورها، فإننا يجب أن نعترف في البداية بأن النقد هو معيار الكتابة الإبداعية وبوصلتها، وبدونه يختلط الحابل والنابل، ونجد كل من أراد يكتب القصة والشعر، ويُطالب باحترام حقه في ذلك، ويجب أن نضع في اعتبارنا ضرورة أن يسير النقد، جنبًا إلى جنب، مع الكتابة الإبداعية وحركتها، والنقد هو ما يحدد ما إذا كانت الكتابة المعنية كتابة إبداعية أم غير ذلك؛ وإذا عرفنا ذلك فإننا نصبح مباشرة أمام ضرورة معرفة ما إذا كان للنقد محددات ولوازم بالمقابل أم لا. الحقيقة أن هنالك من يقول بمهنية النقد، وهنالك من يقولون بمنهجيته، والفرق بين المهنية والمنهجية أن المهنية تحصر عمل النقد في الدارسين للنقد، بينما تتسع الدائرة قليلًا في «المنهجية» لتشمل غير الدارسين الملتزمين بشروط النقد المتعارف عليها بشكلها العام، وهنا تجدر الإشارة إلى أن أغلب النقاد الموجودين على الساحة السودانية هم نقاد منهجيون، والمتابع للساحة الأدبية بشكل جيد يجد أن هنالك غيابًا لحركة النقد أو تخلفًا عن ركب الكتابة الإبداعية. هذا التأخر في حركة النقد الذي أسهمت فيه صراعات الحداثة والحداثوية ساعد على نشوء ألوان أدبية جديدة مثل: القصة القصيرة جدًا/الشعر الحر/الخاطرة الأدبية .. و أنواع أدبية أخرى، فكان الخطأ التاريخي الذي ارتكبته الحركة النقدية: إجازتها لهذه الأنواع الأدبية، ليس من أجل اقتناعها بها ككتابة إبداعية، ولكن فقط من أجل مواكب حركة الكتابة الإبداعية نفسها، والتبرير لغيابها. وإذا كان غياب الحركة النقدية في المنطقة العربية ككل قد حدث تاريخيًا ضمن إطار صراعات الحداثة ولوثتها؛ فإن الحركة النقدية في السودان قد تغيبت، إضافة إلى مشكلات الحداثة، بسبب مشكلات الحركة الإبداعية السودانية، وانصراف الانتلجنسيا السودانية إلى مناقشة قضايا الهوية. وإذا كان غياب الحركة النقدية في المنطقة العربية قد أدى إلى بروز ظاهرات أدبية خلافية، فإن غياب الحركة النقدية السودانية، في هذه الفترة بالتحديد، أدى إلى بروز مشكلات أكبر بكثير من مشكلات الظواهر الأدبية، ويكفي أن نسوق مثالًا واحدًا على ذلك، وهو: طغيان النسق الذاتي في النقد، فقد ساهم طغيان النسق الذاتي للحركة النقدية في السودان إلى جعله نسقًا عامًا في المشهد الثقافي، فرأينا التكتلات الأدبية: شعرية وقصصية ومسرحية وخلافه، وبدأت تخرج علينا ظاهرة جديدة يمكن أن نسميها بالتحزب الأدبي، وليس التحزّب للون الأدبي الواحد فقط؛ وإنما تحزب داخل هذه الأنساق الأدبية، وهو ما يعرف بالشلليات، وما أسميه أنا بالأخوانيات. هذا التحزب، في الحقيقة، لم يخلق قطيعة بين نسيج الانتلجنسيا السودانية الواحد فقط؛ بل خلق قطيعة بين الانتلجنسيا نفسها وبين العامة من جمهور المتلقيين، وبذلك فإنه بمقدورنا أن نقول: إن جذور هذه المشكلة عائدة في أساسها إلى غياب حركة النقد. عندما عادت حركة النقد في المنطقة العربية، بعد ما يمكن أن نسميه بالتسويات مع الحداثة والحداثوية، فإنه اضطر إلى التطبيع مع الظواهر الأدبية الدخيلة، ولكن عودة الحركة النقدية السودانية لم تعد لتطبّع مع هذه الظواهر الأدبية فقط؛ وإنما لتسوق أو تروج لها كذلك، إضافة إلى أنها عملت على ترسيخ مفهوم التحزب بشكل أو بآخر. على ضوء هذا العرض التاريخي المختصر لجدلية الإبداع والنقد وحركتهما في السودان؛ فإننا نصل إلى نتيجة خطيرة؛ وهي: انفصالهما، أي الإبداع والنقد، التدريجي عن بعضيهما من ناحية، واختلال المعايير الإبداعية والنقدية من ناحية أخرى؛ لاسيما مع غياب «طبقة» النقاد المهنيين. بالإشارة إلى كل ما سبق فإن غياب النقد لم يخلق قطيعة بين المبدعين وغير المبدعين فقط؛ وإنما بين المبدعين والنقاد أنفسهم، وبذلك فإن رتق اللامعيار أخذ بالاتساع، وكذلك أشكلت علينا إجابة السؤال (لماذا ننقد؟) إن طرح سؤال (لماذا ننقد؟) على ناقد ما، قد يكشف لنا مشكلات عديدة، أهمها على الإطلاق هي مشكلة التحزب الأدبي أو الشللية، ولاهتمامي الشخصي بفن الرواية، فإنني سوف أسأل هذا السؤال بهذه الصيغة: كم عدد الروائيين السودانيين؟ وكم عدد نقاد الرواية السودانيين؟ إذا كان الفارق بين عدد الروائيين ونقاد الرواية هو 1/10 أو أقل (بمعنى ناقد واحد أمام عشرة روائيين) فإننا أمام كارثة كبيرة جدًا. ورغم أن المسألة ليست (نسبة وتناسب) بمعنى أن يكون مقابل كل روائي ناقد، إلا أن المشكلة الحقيقة تظهر إذا كان أمام كل روائي عشرة نقاد (عشرة نقاد في مقابل روائي واحد) عندها تصبح الطامة الكبرى. إن عشرة نقاد مقابل روائي واحد، مع استصحابنا لكل ما ورد سابقًا، يجعلنا كمتلقين في مأزق حقيقي؛ حيث يصبح نقد نقد العشر نقاد غير مقبولًا، وبالتالي فإن الأمر يحال تلقائيًا إلى الاستهداف والشخصانية. هذا الإرباك، في الحقيقة، هو ما أوجد مدرسة أو تيار نقدي جديد اسمه «النقد الانطباعي» وهو لا يتصل بالمدرسة الانطباعية طبعًا، ولكنه تيار انجرف إليه الكثير من النقاد المنهجيين؛ لأن محاولة نقد التجربة الإبداعية لأي مبدع، رغم اتسامها ظاهريًا بالموضوعية، هي في الحقيقة لا تنفصل إطلاقًا عن الانطباع؛ ولذا فإننا نجد العديد من النقاد، أو المحسوبين على النقد، يُحملون النصوص التي ينقدونها أكثر مما تحتمل، غير متجاوزين لانطباعهم الذاتي عن كاتب النص من ناحية، وعن المنجزات النقدية للآخرين من ناحية أخرى، ولهذا قد يرى أمثال هؤلاء في جملة من قبيل: "كانت عيناها كالسماء الحمراء النازفة" دلالات رمزية موغلة في العمق والشفافية، أو أنها ذات مدلولات ثورية مفعمة بالحركة، رغم أنها ليست أكثر من جملة سخيفة وخرقاء. يمكننا الآن أن نقول بكل راحة ضمير: إن تيارين نقديين كبيرين ظهرا في السودان؛ في حين اختفى تياران آخران، ففي حين اختفى تيار النقد المهني وتيار النقد المنهجي، ظهر تيار النقد الانطباعي وتيار النقد الأخواني، وفي الحقيقة فإن اختفاء تيار النقد المهني، حتى وإن لم يكن له تمثيل كبير في السابق، إلا أنه أثر بشكل مباشر على خلق نوع من التقاعس في تقديم واجب النقد، واعتبار أن ذلك نوع من أنواع التفضل الذي يقوم به الناقد على المبدع،

يرى الكثير من المُهتمّين أنّ أغلب النقّاد السودانيين يعملون على إظهار عيوب وسلبيات النّص المقدّم لهم فقط، حتّى أنّ بعض الكتاب أصبحوا يفترضون أنّ النّقد في السُّودان أصبح هدّاماً أكثر من كونه عامل مطّور لحركة الكتابة الإبداعيّة، فما رأيك؟
 الحقيقة هي أن أي دراسة نقديّة يقدِّمها الناقد يجب ألا تقع في حلقة ضيقة بين الناقد والمبدع، وإنما في حلقة أوسع من ذلك بكثير، لأن دور النقد، حسب رأيي الخاص، ليس فقط هو إظهار سلبيات وإيجابيات النص الإبداعي. هذا يقودنا إلى طرح سؤال آخر: "لماذا يجب على الناقد أن يظهر سلبيات أو إيجابيات النص الأدبي؟" لا أنكر أن المبدع المعني بهذا النقد هو أحد المستفيدين المباشرين منه، ولكنه ليس الوحيد. إذن؛ دعونا نعيد طرح السؤال مرة أخرى: ما هي وظيفة النقد؟ وفق كل ما تقدم، فإن وظيفة النقد ليست وظيفة تقييمية بل تقويمية؛ بمعنى أنه لا يجب أن يعنى بتصحيح الأخطاء والوقوف على المواطن الجمالية فقط، لأن هذا من شأنه أن يفيد المبدع فقط، ولكن دور النقد يذهب إلى أبعد من ذلك ليكون مقياسًا لحركة الأدب في المجتمع، وليس ذلك فحسب؛ بل وتأريخًا له، ومن هنا، أيضًا، وجب التفريق بين دور النقد ووظيفته، ولاشك عندي أن هنالك صراعًا من نوع ما قائم داخل أروقة النقد السوداني، صراع بين النقد الكلاسيكي والنقد الحداثوي، لأن النقد –كما قلنا- يتبع حركة الأدب نفسه، وهذا يجعلنا نتساءل: "ترى ما هي الحداثة؟" وفي اعتقادي الشخصي فإنني أرى أن الحداثة أخذت قدرًا من الاهتمام (كمصطلح) قد لا تستحقه، فالأمر أبسط من كل تلك النظريات والتنظيرات التي قيلت عنه، فقط يهمنا أن نعرف علاقة الحداثة بالتراث: فهل الحداثة تجاوز للتراث أم تجديد له؟ فإن كُنا نرى أن الحداثة تجديد للتراث، فالحداثة واردة في كل زمان، فقط تمكنا نحن من استحداث مُسمى جديد لهذه الحركة الدائمة. فإذا كان A هو الماضي (التراث) بالنسبة لـ(B) الذي يمثل الحاضر، فإن (B) نفسه عند النقطة (C) والتي هي المستقبل سوف تكون (A) أي تراثاً، وهذا كلما تقدمنا في حركة التاريخ نجد أن الحاضر (باستمرار) هو تراث في النقطة المستقبلية، والحداثة على هذا شيء فاعل ومُتجدد. أما إن كنا نرى أن الحداثة هي تجاوز للتراث فإننا سنكون على الدوام في قطيعة مع التراث (الماضي) ومرهونين للحاضر، بحيث لا يكون هنالك أي قيمة للمستقبل في إحداثية هذه الحركة.


المصدر: أجراس الحرية

هناك 4 تعليقات:

  1. ألف ألف مبروك أستاذ هشام. تستاهل كل خير بفضل دأبك وإبداعك المستمر.
    بروميثيوس

    ردحذف
  2. الحريه ) سررت جدا بروائى قل وجوده فى مثل هذه العصر الذى تلون بالدغمائيه وغابث عنه الثوريه بل وحتى الغوغائيه هنالك كانت الرؤى ثثثرب رويدا رويدا الى حيث نتفق ثم حدث اصطدام سريع اردت ان اكتب لك وحد...ك

    حيث اتفقنا:
    1- الروايه لا يجب ان تجسد الواقع لانه ديناميكى وهى استاتىكيه
    2- الطيب صالح ليس مقياسا للروايه فى السودان
    3- النقد الادبى العربى ضعيف جدا
    4- النقاد فى السودان متخلفون عن الادب

    حيث اختلفنا:
    * الشعر الحر والاداب الحديثه:
    انت ترى ان الضعف الذى يعانى منه النقاد هو السبب فى ظهور هذه الاداب.
    الشعر الحر: وهذا يعنى انك ترى انه عجز فى اللغه وقواعدها وعامودى وموازين الشعر.
    دفاع:
    الشاعر الذى يقوم بكتابة هذا النوع يستخدم لغه تصويريه مبدعه
    ويستخدم مفردات يستحيل ان يستخدمها الشاعر (الناظم) فكلامه عباره عن اعادة ملئ القوالب الشعريه بقواف استهلكت نفسها ومعانيها وتنافت مع روح الشعر وقد قام هذا الشعر على اكتاف ابى تمام:
    ويذكر:ان تسقنى ماء الملام فاننى لا اظمئ
    فجاءه شاعر بماعون فقال له اسكب لى بعض ماء الملام
    فقال له ساسكب لك ان جئتنى بريشة من جناح الذل فى اشاره للايه الكريمه
    ماقلتى احسن ادخلك
    ما انتى مانعانى الدخول
    برضى احسن ادخلك
    ما انتى شيدتى الضباب فوق رؤيتى
    وودرتى همى على ظنونى الف ميل
    من التسكع فى تفاصيل المدن
    دليل على ان الشعر الحر اضاف ما اضاف للادب العربى
    فالشعر قد تجاوز القالب السلوكى الذى صدر له
    مدح المحبوبه - التعصب القبلى والخ من الاغراض التى نفاها تقدم البشريه فانتقل من القالب السلوكى الى الاصاله.
    بمعنى تجدد الاحتياج له ليتجاوز اغراضه ويسير نحو عكس الحادثه ويتجرد من الواقع كما هى الروايه والاداب الاخرى.
    الاداب الحديثه بصوره عامه فى الادب العربى:
    هى تلك الاشياء التى تنعت بانها حديثه بما فيها الشعر الحديث
    سؤال مهم:
    من اين جاءت؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
    بالطبع لم تاتى من اللا شىء فهى عباره عن ما انتجه التلاقح بين الثقافه العربيه والثقافات الاخرى هذا التلاقح لا يبدو على العقل الواعى ومن الصعب ملاحظته لان الوعى مجهد بالصراع الجدلى بين الثقافات والذى قد يكون دمويا ولكن هذا الصراع هو الذى يضمن بقاء الخصوصيه الثقافيه فعندما تنغلق الثقافه على نفسها تتاكل حتى تندثر بينما يكون اللاوعى هو حلبة الثقافه المشتركه والتى تمثل ()boundry) او جدار فاصل يحفظ خصوصية الثقافه ويضمن تاثيرها وتاثرها.
    الاداب الحديثه فى السودان:
    بلد به كمية الكيانات الثقافيه المتلاقحه فى اللاوعى (بالملاحظه لمفردات تمثل كيان محدد يلفظها كيان اخر متصارع معه دون ان يلاحظ الكيان هذا فى عمليات اللاوعى) لابد ان تكون الاداب تشمل ما تلاقح فى لاوعى الادباء حتى ولو كان الوعى يظهر مبادئ صراع مع الاخر.
    اما فى حالة الوجود خارج الحلبه فان الوعى المباشر يكون فارغا من الصراع فيحل محله الانتماء المركب(السودان)
    على حساب الانتماء البسيط (الثقافه المحدده او القبيله)
    وعلى سبيل المثال:
    الشماليون والجنوبيون داخل وخارج السودان وعلاقتهم
    مع بعضهم (تماسك فى الخارج- تصارع فى الداخل)

    شكرا واتمنى ان تقبلنى تلميذا لك فانا اريد ان اكون روائيا وانا اعشق اسلوبك فى الروايه
    محمد بابكرSee More

    ردحذف
  3. الفاضل
    هشام ادم
    واخيراكانت اجراس الحرية والتيار ...
    كيف حالك واحوالك عساك بخير وعافية..
    لازالت ظروفى طوال هذا العام تضغط على لكن كلها
    بثمنها ...والطموح يتطلب العناء الجميل ..
    اجدنى اشعر ببعض الاسف ((لجملة هشام ادم لم يُكن معروفاً للشارع الروائي السوداني بصورةٍ كبيرة،))
    ويا له من اسف واتمنى ان تكون هى الترجمة الحقيقية ولا تكون ان الشارع السودانى لا يريد ان يقرا او يعترف بحرفية وبراعة كاتب سودانى شاب الخ ...
    ........
    المحترم كانت بداية قنبيلية بالنسبة للشارع السودانى كما اسمته المجلة (؟؟؟) وخطوة اعتيادية لهشام ادم خارج السودان يخطوها وهو ممسكا بالقلم بيده الاخرى التى لا يكتب بها ..

    على العموم هذا رائى واتمسك به فى هشام ادم الاخ الفاضل ..
    ومزيدا من التقدم والنجاح
    نتربع هنا ونتابع ...
    فقط بكل غبطة ورضا...

    ردحذف
  4. سلام على هشام .. قلت " بعد التخرج من كلية الآداب 1988" الكبر حصل يا هشام ههههه ..
    تحياتي

    ردحذف