الجمعة، 26 مارس، 2010

Sudaneseonliners

ربما لم يدر في خلد المهندس السوداني بكري أبو بكر -صاحب شركة البيان للمعلوماتية، ومقرها الولايات المتحدة الأمريكية- وهو يُنشأ موقعه الموسوم بـ[سودانيزأونلاين – sudaneseonline.com] في عام 2000م أن يكون الموقع كما هو عليه الآن مُصنفاً من أكبر المواقع السودانية وأكثرها مُشاهدة من قبل السودانيين؛ لاسيما سودانيي المهجر، وكثيرة هي المواقع السودانية التي تم إنشاؤها لأغراض اجتماعية أو إخبارية أو أدبية ثقافية أو شخصية، وبعضها تقدّم كثيراً، وبعضها لم يتقدم قيد أنملة، ولكلا الفعلين أسباب موضوعية للغاية، والحقيقة أن العامل الرئيسي في الدفع بأيّ موقع هو العضوية التي يكون لها التأثير الكبير والفاعل في تحويل أيّ موقع إلكتروني من مجرّد موقع اعتيادي إلى موقع أكثر خصوصية، سواء بالموضوعات التي يطرحونها أو بالأخبار التي ينشرونها في الموقع أو حتى بالتفاعل المباشر عبر القراءة والردود، وهو الأساس الذي يقوم عليه تقييم المواقع الإلكترونية بشكل عام. أما العامل الذي قد يُعتبر أقل أهمية من العضوية فهو حرص صاحب الموقع على تطوير الموقع ومدّه بالخدمات التي يحتاجها الزوّار والعضويات.

وحسب إحصائيات موقع ألكسا Alexa فإن سودانيزأونلاين يُسجل على الدوام تراجعات كبيرة؛ إذ خرج مؤخراً من المنافسة على قائمة أكثر 500 موقع زيارة في العالم، بل وتراجع على المستوى المحلي ليأتي في المرتبة الثامنة عشر متأخرة في ذلك عن موقع الراكوبة لصاحبها وليد الحسين والتي جاءت في المرتبة الرابعة عشر، والحقيقة أنني لستُ هنا بصدد إعادة تقييم أداء المواقع السودانية لاسيما موقع سودانيزأونلاين، ولكنني أحاول تناول جانب أراه هاماً يتعلق بعضوية هذه المواقع، ومدى ما يُمكن أن يُفرزه موقع إلكتروني من نماذج تستحق الوقوف عليها بالدراسة والتحليل.

وعلى هامش هذا التناول الذي أنا بصدده فإنني أرى ضرورة الإشارة إلى مدى فاعلية وتأثير موقع سودانيزأونلاين على الواقع السوداني؛ لاسيما السياسي منه، وهو ما أراه العامل الأول إن لم يكن الأوحد الذي ساعد على إفراز هذه النماذج التي نحن بصدد تسليط الضوء عليها في هذا المقال، ففي العام 2004م قامت الهيئة القومية للاتصالات السودانية بحجب الموقع بناءً على قرار مباشر من جهاز الأمن الداخلي، وقد تم رفع الحجب بعد ضغوطات قامت بها الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، والتي استندت على المادة [19] من المعاهدة الدولية للحقوق المدنية والسياسية والتي تكفل الحق في التماس المعلومات والأفكار ونقلها وتداولها بين الأفراد. إن هذه الخطوة التي قامت بها الحكومة السودانية ممثلة في جهاز أمنها الداخلي كان في الحقيقة السبب الرئيس الذي أشعر صاحب الموقع وعضويته بالدور الفاعل والمهم الذي يمثله الموقع، سواء في التأثير على الرأي العام السوداني، أو الإضرار بمصالح الحكومة المباشرة وفضح فسادها على الملأ، فكان الموقع مصدر قلق وإزعاج للأمن الداخلي السوداني.

كان من شأن هذا الأمر أن ينقل سودانيزأونلاين خطوات واسعة جداً إلى الأمام؛ لاسيما وقد تنبه صاحب الموقع والعضوية الممثلة لسودانيزأونلاين إلى خطورة الموقع، فكان له أن يلعب دوراً هاماً وطليعياً في التأثير على الرأي العام السوداني والسير قدماً في فضح فساد الحكومة السودانية وكشف خبايا سياساتها الداخلية والخارجية بما لها من مصادر معلوماتية مجهولة نسبياً، وبالاعتماد على نخبة من الكتاب والإعلاميين المنتظمين في الكتابة داخل الموقع، ولكن ما جرى في الحقيقة هو عكس ذلك تماماً، فقد شهدت سودانيزأونلاين تدنياً ملحوظاً -بعد تلك الفترة- في نوعية العضويات، الأمر الذي حوّل الموقع إلى ما يُشبه مسرح الأطفال، وساحة من الغوغاء والانصرافيين، وبذلك حصل الضرر البالغ على رسالة الموقع المفترضة في تلك الفترة والتي أعتقد أنها كانت تحتاج من الموقع بذل مزيد من الجدية أو على الأقل السير قدماً على ذات الوتيرة التي كانت عليها قبل السابع من تموز/يوليو 2004م.

أقول أنه حصل ما يُشبه الانفلات في اختيار العضويات بعد تلك الفترة مما أفرز عدداً كبيراً من العضويات الغير مقتدرة على قيادة الفعل السياسي والإعلامي بشكل منهجي واحترافي، وغير قادرة على تفعيل العمل النضالي بشكل واعٍ ومركز، الأمر الذي قلل إلى حدّ كبير من تأثير الموقع على الرأي العام، يأتي هذا الانحدار في المستوى الإعلامي الطليعي للموقع متزامناً مع بروز عضويات أقول عنها أنها كائنات صوتية، تقود العمل النضالي بقليل من الوعي وكثير من التهوّر، سندها في ذلك مشاجرات الحواري الشعبية التي لا تمثل العمل النضالي الطليعي في شيء، فكان ذلك خصماً إضافياً من رصيد الموقع الذي كنا ننتظر منه الكثير.

عدد مقدّر من العضويات كانت مستبصرة بالواقع المتردي الذي آل إليه الموقع، فخرجت مطالبات عاجلة بضرورة تقسيم المنبر إلى عدد من المنابر حسب الموضوعات: أدبية – سياسية – اجتماعية – علمية ... إلخ كواحدة من الحلول المرحلية، ولكن لم تجد هذه المطالب أذناً صاغية لا من قبل صاحب الموقع الذي انشغل على مدى فترات طويلة بالجانب الأمني والتكنولوجي للموقع؛ إذ شهد الموقع هجمات شرسة من قبل بعض المُخرّبين Hackers ، ولا من قبل العضويات التي رأت في فوضى الطرح تمثيلاً للتنوع الاجتماعي والسياسي في السودان.

في الحقيقة لا أحاول التدخل في شأن إدارة الموقع، فلصاحب الموقع كامل الحريّة في إدارة موقعه كما يراه مناسباً، إلا أنني أحاول التنبيه إلى ظاهرة أفرزت عدداً من الظواهر الأخرى، ولن تتوقف هذه الظواهر الفوضوية عن التناسل، ما لم ينجح صاحب الموقع في تدارك الأمر، ليُعيد للموقع أهميته التي اكتسبها من جديّة تناوله للموضوعات والأطروحات؛ وإلا فإنه سوف يكون من الصعوبة بمكان تبني خط نضالي طليعي مع استمرار هذه الفوضى، وسوف يظل هذا الموقع مصدراً للقلق والإزعاج، ولكنه تجاه الرأي العام هذه المرّة.

من الظواهر التي أفرزتها فوضى سودانيزأونلاين مؤخراً، ظاهرة [متوهمي النضال] الذين اعتبروا أنفسهم بمجرد كتاباتهم لموضوع أو عدد من المواضيع السياسية أنهم أصبحوا مناضلين تحسب لهم الحكومة ألف حساب، وأن مقالاتهم تقلق النظام أو تسبب الإرباك لأجهزة الأمن الداخلية، في حين أن موضوعاتهم التي يكتبونها تفتقر إلى الجانب الإبداعي سواء من حيث الصياغة أو أهمية الخبر. وهذه المجموعة وغيرها ساعدوا في خلق حالة من الحُمى النضالية المتوهمة جعلتهم يتصرفون كمناضلين حقيقيين، فيرون أن كل نقد قد يُوجه إليهم هو مهاجمة لشخصهم، وترصد لأفكارهم، بل إن بعضهم قد يذهب إلى أن يعتقد أن معركة لصوص الإنترنت Hackers هي معركة موجه ضده بالتحديد، وأن أيّ هجوم إلكتروني على الموقع سببه مقال نشره أزعج أجهزة الأمن.

ومن أجل هذا فإننا نشهد ارتفاع الأصوات الملوحة بارتباط الهجمات الإلكترونية على سودانيزأونلاين بجهاز الأمن، وأن جهاز الأمن يُخصص جزءاً مُقدراً من وقته ويُخصص جزءاً من ميزانيته لمراقبة وتتبع ما يكتبه هؤلاء المناضلون، في حين أن الواقع يُخبرنا أن ما يُثار في سودانيزأونلاين وغيرها من المواقع السودانية لا يستحق ذلك على الإطلاق، بل وإن المستوى الذي وصل إليه سودانيزأونلاين مؤخراً يجعل أجهزة الأمن لا تلقي بالاً له البتة، فالنضال الفوضوي الذي يدور في أروقة المنبر العام يصب تلقائياً في مصلحتها، فتنتفي الحاجة للمراقبة والتشويش والاختراقات، وتلك الهواجس التي لا مكان لها إلا في أذهان هؤلاء الواهمين.

الأمر يُثير الضحك والشفقة في آنٍ معاً، فربما كانت رغبة النضال والتلبس بلبوسه كامنة في مكان ما من عقل أحدهم الباطن، ثم طفت على السطح في ظل الفوضى التي تشهدها سودانيزأونلاين، وربما كان ذلك تعبيراً مباشراً عن عجز الخطاب السياسي السوداني وإشارة إلى الإحباط بصورة أو بأخرى، وربما كان ذلك إسقاطاً نفسياً يُحاول به هؤلاء المرضى التغطية على قصور ما، وتظل جميع الاحتمالات واردة طالما ظلت الفوضى هي القانون السائد على المنبر العام.

ثمة أصوات وأقلام واعية جداً تحاول وسط هذا الركام أن تشارك برؤيتها فيما يدور في المشهد السياسي السوداني، ولكن تلك الأصوات تبدو هزيلة جداً أمام ضجيج الفوضى المتعالي على الدوام، وقد نلحظ ذلك من قراءة سريعة لعدد الزيارات لهذه المواضيع وعدد المشاركات التي تحظى بها، مقارنة بما تحظى به موضوعات تتناول الهم السياسي بعشوائية وسطحية قلنا أنها أشبه ما تكون بمشاجرات الشوارع، أو ذات طابع همجي لا يرقى على الإطلاق إلى مستوى الحدث وخطورته. وقد رأينا كيف تعاطى الكثيرون مع موضوع انفصال الجنوب، وكيف عبّر البعض عن آرائهم تجاه مسألة حيوية وخطيرة كهذه.

إذا كانت سودانيزأونلاين تمثل الجانب الحقيقي والواقعي من السودان الأم، فإننا بحاجة ماسة إلى مراجعة أنفسنا وسلوكياتنا وأنماط تفكيرنا وطرق إدارتنا للخلاف والتعاطي مع المشكلات، فهذا نذير خطير يجعلنا لا نتفاءل خيراً، وإن لم تكن كذلك، فإنه يتوجب على صاحب الموقع اتخاذ التدابير اللازمة والإجراءات الصارمة إن كان يُريد لموقعه أن يعود كما كان عليه قبل ست سنوات من الآن.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق