الثلاثاء، 26 مايو، 2009

قراءة نقدية في (ذاكرة الوجه مرتين)

بقلم: ريم بدر الدين البزال*
عندما قرأت روبرت فروست ذات مرة وجدت أن قصائده تتسم بالبساطة الشديدة، وكنت في كل مرة أغادر دفتي ديوانه الشعري أسأل نفسي: "هل كان روبروت فروست (هذا العملاق الشعري) يقصد الفكرة القريبة التي رأيتها في نصه الأدبي؟"، لكن الغريب أنني كلما أمعنت في تذكر سطور القصيدة أكتشف معنى مخبوءاً هنا أو هناك، لأجد فيما بعد أن وراء المعنى القريب تكمن فكرة فلسفية أرادها الشاعر.

ربما تكون هذه المقدمة مستغربة فيما أنا أكتب قراءة لقصة (روبن جان كروز / ذاكرة الوجه مرتين) للروائي السوداني الشاب هشام آدم، صافحتها ذات بحث في إحدى منتديات الشبكة.هشام آدم في هذه القصة انتهج نفس منهج فروست، حين قدم لنا قصة قصيرة تبدو في ظاهرها سرداَ لحدث ما عن شخص ما في مكان ما، لا يبدو كم كان هذا الشخص مهماً، و ربما مر في حياتنا الكثير من أشباهه؛ رجل يبدو بأصول ارستقراطية النشأة، حيث أنه ينأى بنفسه عن أن يراه أحدهم وهو ثمل فيسلك طريقا جانبية حفظا لسمعته.

يدخل إلى الملهى بطريقة تنبأ عن مكانته الاجتماعية المرموقة، البطل جان كروز تزوج حديثاً، وبالرغم من أن زوجته وفية محبة وجميلة وتملك كل مقومات الزوجة الناجحة، إلا أنه لا يريد أن يغير أياً من عاداته بما يتلاءم مع ما يقتضيه الوضع الجديد، وبالرغم من أنه يحبها ويقدرها ويستمتع بوجودها قربه.

هي عودت نفسها على التوافق مع عاداته، وما زالت تمتلك نفس المحبة له، رغم أنه لم يضعها في أولوياته، حتى عندما علم أنها تحمل جنينه، لم يمنعه هذا من مرافقة أصدقائه في تلك الرحلة الأخيرة إلى الجبل.

فيما كنت اقرأ بداية لم أقبل انصياعها له بهذه الطريقة، وتوقعت أن يكون هناك علاقة جانبية تعوضها هذا الجزء من الإهمال، لكن هشام حوّل انتباهنا لمسار مختلف، حيث بقيت مخلصة له، وفيه لعهده بعد موته، وبقي هاجسها الوحيد: كيف ترى جثته المفقودة إلى أن اكتشفها الابن في رحلة مماثلة إلى ذات الجبل.

هشام برأيي أراد الفكرة العميقة المختبئة وراء قصة عادية جرت في قرية ما كثير من الأشياء نقضي عمرنا في انتظارها بفعل قوة خارجة عن ذواتنا، ولكن الحل يكمن فينا. علينا أن نبذل جهدنا لنزيل عنها ركاما يغطيها كي نحصل عليها، تماماً كما انتظرت الزوجة من يحضر لها جثة زوجها لكن الحل كان فيها أو معها.

الركام الثلجي دفن زوجها تحته، وهي تستصرخ الناس ليدلوها على الجثة، ومن ناحية أخرى هي تحاول زيادة الركام بعدم إخبار الولد عمن يشبه أبوه وما شكله. لا أدري من ناحية أخرى لم أحسست أن هذه الزوجة كانت تعاقب زوجها الفقيد بطريقة غير مباشرة على إهماله لها في حياته و حتى غيابه القسري أيضاً.

هشام هنا من خلال تقنية مراوغة قدم لنا قصة عولمية ممكنة الحصول في أي زمان ومكان، فتركيزه كان على المواقف الإنسانية التي لا تتعلق بظروف مجتمع ما أو مكان ما، وهذا ما يخلق نوعاً من الألفة بين القارئ والقصة؛ بحيث أنه يشعر بإنسانيته.

ردود الفعل كانت مغرقة في إنسانيتها بغض النظر عما تكون جنسية/دين/انتماء من قام بها. في كل مكان سنجد هذه الزوجة المحبة التي بعفوية تكلم جثمان صديق زوجها في التابوت تسأله أن يدلها على مكان زوجها، تحاول أان تبحث عن رائحته في ثيابه بعد رحيله، ردة فعل جان المبتهجة إزاء حمل زوجته ...الخ

هناك أيضا تقنية جميلة اتخذها هشام، وهي إدارة المشاهد بحركة سينمائية؛ فالين عندما تنتظر عودة زوجها في الخامسة مساءاً ينقلنا هشام إلى المشهد المقابل عند تمام العتمة في الحادية العشرة ليلاً ثم ركضها في طرقات القرية وهي تبحث عنه صباحاً؛ حركة كاميرا ذكية، ونقلاتها مدروسة بعناية دون أن تشكل انقطاعاً لدى القارئ، كما أنها تكثف الحالة الشعورية التي أحست بها آلين.

إسقاط سياسي وجدته هنا عندما حاول هشام إستكناه ما تحس به الوعول إزاء الناس القادمين لانتهاك عذرية الجبل، هنا تظهر نسبية الأشياء: هذه الوعول ترى في المتسلقين غزاة للجبل، بينما هم يعتقدون أنهم يمارسون أبسط حقوقهم، وبما يعني أن أي كائن إنسان أو حيوان أي مجتمع من أي نوع لا يقبل أن تنتهك خصوصيته. قصة جميلة قدمها هشام آدم
* ريم بدر الدين البزال: أديبة من سوريا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق