الأربعاء، 8 أبريل، 2009

يتنفسها دمع

بقلم: هند جودة*
تتنفس الدمع وهي تبحث عن ثانية تفهم أنها لا تستطيع العبور دون يديه، ثم يتنفسها الدمع؛ كأنه الوحيد الذي استطاع أن يفهم لازالت تحاول القفز على إحساسها بوجوده، رغم أن كل شيء يؤكد أنه رحل رحيل اللاعودة ، ذلك الرحيل الأخير ذو الخط الشعاعي الذي له نقطة بداية تعني النهاية.

تحاول أن تقتنع بأنها لن تصحو ذات إغماضة ٍ لتناديه فيجيب، وأن صوتها سيظل حين يلفظ حروفه يخرج ليعانق فقط الفراغ والصمت. هو الذي اكتشف مناطق الفرح والحمّى! والذي جعل من الليل نهارات بنجوم عينيه، وجعل من النهار أمنيات تتقن الحلم، وتحفل بالورود الجورية، واقتناص الضحكات. تسمع صداها، وتتلفّت بحثا عنه، وهي تدرك أن ذلك البحث عبث، وتترك الغصة تتكوّر في حلقها..

آه..لو تنطق وتعرف أن الآهة (أو التأوهات) لا تجدي في رفع كاهل التعب ثانية عن الصدر، وأن تلك ال "لو" لا تقدر على إعادتها لرحم الضباب قبل أن تصطدم بوجوده وهي مغمضة ٌ وترى جيدا أنها تلتصق بها نخاعا لنخاع..!

وتكرر لذاتها ما قالته طويلا وانتظرته طويلا: لو أنه منحها طفلا يعشش في قلبها قبل رحمها لتشير إلى صورته حين يكبر وتقول: "هذا الذي جعلك تتكون قبل غيابه الأخير." تحاول أن تكفّ عن تجرّع فقده، تحاول الاستمرار في حمل الحلم، تحاول أن تصدّق، أن تتوهم بأنه سيطرق الباب بعد قليل، حاملا قلبه وابتسامته وغمازتين تصنعان واديا، تودّ لو تنغرس فيهما وينتهي الأمر، لتصبح جزءا من ابتسامةٍ ملتئمةٍ فيه...!

يرهقها غيابه الذي لم يأت به بعد!

غادر دون وداع، كانت تنساب كل يوم وليلة في بحيرة روعته الوادعة، لم يترك لها هذه المرة علامات على الطريق لتلحق به، لم يترك لها وقتا للتلويح له، وهو يركب قطار الراحلين، بكل عفوية؛ ككل شيء فيه. جاء الغياب عفوياً، لم يترك لها طفلا ينمو داخلها ويتحرك ليحرك قلبها، أو يرفس لترفس حزنها المقيت.. لو أنك زرعت في أرضي غرسا يحمل ملامحك وصوتك وغمازتيك، وشعرك الليل الذي لا مدى لعتمته.

تترنّح في كأس عينيها دمعة، تتركها لمجرى حُفِرَ في وادي الخدين، وتعود لإرهاق الذاكرة. نقلوا لي خبر موتك الحيّ، وأنا أعدّ لك قهوة المساء، لم لم تشرب قهوتي في الساعة السابعة ساعة عودتك ووعدك قربي بأن تأتي؟!!

لا زالت قهوة السابعة تعدّ ويشربها صبارّ نبت في فناء المنزل الخلفي بين البرتقالة والزيتونة في تلك المساحة التي تركتها فارغة، وكأنك عقدت معها عهدا سريّا لم أعرفه أبدا؛ إلا صباح رحيلك حين شقّ الرمل أخضرٌ يحمل شوكه...!!

عرفت أنك ترى وتعرف بقلبك، ربما بحدس الشهداء، أنها ستشرب قهوتك؛ لذا تركتها دون جورية بيضاء طالما طلبتها منك هناك، وكما شربت الأرض ملامحك ، يشرب ملامحي غيابك بارودتك لا زالت تعلق إصبعي على زنادها كلما فاض بي الشوق للمس أصابعك!! هل يكفي أن أشتاق إليك حدّ الاحتراق كي تأتي؟

كانت الطلقة وهي تقصد قلبك لا تتوه عن قلبي، وكان عرقك في كل ليلة يركض بين احتشاد أصابعي فوق جبينك فيم ثورتك تركض داخل قلبك تجاه سوادهم. هل لا زلت تمارس الركض، وتشحذ البارود بالرصاص ويعرق جسدك؟؟ قل لي من يمسح عن جبينك عرقه الآن؟!

دقت السابعة يا سيدي وها أنا أسكب فنجان قهوتك إلى جذور خلف فناء المنزل تشبه غيابك وذكراك.. أشواكها كثيرة، ولاتبخل بثمرٍ حلو
______________
* هند جودة: أديبة فلسطينية مقيمة في السعودية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق