الأربعاء، 25 مارس، 2009

الــــــروح

الروح فيما تعارف عليه العامة هو نفخ من هواء يتلبس الأجساد وتكون بها حياتها، وجاء في لسان العرب باب الجذر "ر.و.ح": الرُّوحُ، بالضم، في كلام العرب: النَّفْخُ، سمي رُوحاً لأَنه رِيحٌ يخرج من الرُّوحِ؛ ومنه قول ذي الرمة في نار اقْتَدَحَها وأَمر صاحبه بالنفخ فيها، فقال:

فقلت له: ارفعها إليك وأحيها روحك، واجعله لها قيتة قدرا

أي أحيها بنفخك। وعلى هذا فهذا الهواء المنفوخ من مصدر ما له خاصية الإحياء وهو على الأرجح مصدر الحياة الذي بزواله تنتهي الحياة، فيقال في كلام العرب عن الميّت بأنه: "أسلم الروح إلى باريها" أي خالقها أو نافخها، وهو المصدر كما جاء أعلاه. ويُقال: "خرجت روحه" أو "صعدت روحه" وكلها تأتي بمعاني تدل على الموت وتوقف الحياة، وهي بذلك –أي الروح- مصدر الحياة والحركة في الأجساد الحيّة، وخروجها من هذه الأجساد يكون سبباً مباشراً في موتها وانتفاء حياتها.

وارتباط الحياة بالروح على ما يبدو مرتبط بالأجساد البشرية والكائنات الحيّة المادية المحسوسة، لأن بقية الكائنات غير المرئية كالملائكة والشياطين والجن ليست لها أرواح لأنها لا تمتلك أجساداً في الأصل، ومن هنا تتوّلد أولى الأسئلة المتعلقة بالروح: أيّهما متعلّق بوجود الآخر: هل وجود الأرواح متعلّق بوجود الأجساد أم العكس। وقبل أن نحاول الإجابة على هذا السؤال، لابد أن نتفق على جزئية سبقت الإشارة إليها سابقاً وهي: ارتباط الأرواح بذوات الأجساد المادية: كالإنسان والحيوانات والحشرات فكلها مخلوقات مادية محسوسة، وكلها ذوات أرواح كما أشارت بعض الأحاديث النبوية وفي ذلك قال ابن أبي زيد في مقدمة الرسالة: "وأن ملك الموت يقبض الأرواح بإذن ربه. واحتج له صاحب"كفاية الطالب الرباني في شرح الرسالة بحديث الطبراني: أن ملك الموت قال للنبي صلى الله عليه وسلم : والله يا محمد لو أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك حتى يكون الله هو أذن بقبضها" (من موقع الشبكة الإسلامية)

فمما لاشك فيه أن الكائنات الحيّة جميعها تستمد حياتها وحيويتها من الروح التي تتلبس أجسادها، وأن خروج هذه الروح تتسبب في مواتها ولاشك। وفي هذا المبحث المتواضع أحاول إيضاح ما قد يُمكن معالجته بالنقاش الجاد حول مسألة الروح التي هي إحدى الاختلاقات الكبرى التي اخترعتها العقلية البشرية في محاولة لتفسير ظاهرة الحياة والموت، وهي إحدى أهم وأقدم الظواهر التي شغلت البشرية لقرون طويلة جداً، تماماً كتلك المحاولات التي حاولت من قبل إيجاد تفسيرات لظواهر أخرى كالبراكين والزلازل والأمطار والفيضانات، وهي ذات المحاولات التي تجعل بعضنا يغوص أكثر ليُجيب عن تساؤلات ما بعد الموت، ويقترح مشروع الحياة بعد الموت، ليخضع هذا المشروع الميتافيزيقي لإضافات وتعديلات على مر الديانات السماوية والثقافات الدينية المتعددة.

أقول أن الروح كائن لا وجود له على الإطلاق، بل هو مختلق تماماً كبقية المخلوقات المتوهمة: كالشياطين والملائكة والجن والعفاريت وبقية المخلوقات التي لا وجود لها إلا في أخيلة العقليات الدينية المتأثرة بالخرافة، وهي ذات الأخيلة العاجزة حقيقة عن تقديم تفسيرات علمية ومنطقية للظواهر الكونية المحيطة بالإنسان। والواقع أن فكرة وجود كائن هوائي يكون مصدراً للحياة هو تفسير بدائي ومتخلف جداً لظاهرة تعتمد على قوانين علمية غاية في الدقة والتعقيد. وإن من أولى المشكلات التي قد تواجهنا في نقد هذا المشروع الهلامي هو مستنسخات هذا المشروع نفسه ومحاولات تجاوز الورطة العلمية والمنطقية بتفسيرات أكثر سخافة، وتقسيمات ما هي في الحقيقة إلا ضرب من الوهم، أو التوهّم: كالتفريق بين الروح والنفس، وكلاهما عندنا ليس بذا قيمة علمية حقيقة تذكر، فكلاهما مخلوقات لا وجود لها إلا في تلك الأخيلة المهووسة بالخرافة والماورائيات. وهذا التفريق في واقعه يضع أصحاب هذا المشروع في محك يصعب الفكاك منه على المستوى التطبيقي، فكل نظرية غير قابلة للتجريب والتطبيق هي نظرية فاشلة علمياً.

والحقيقة أن حتى الكائنات التي لا توجد لها أرواح هوائية منفوخة قادرة على الحياة واستمداد هذه القدرة من الطبيعة نفسها، عير قوانين ثابتة لا تتغيّر، وهي في ذات الوقت قابلة للدراسة والتمحيص؛ ومن ثم إعطائنا أدلة تُمكننا من القياس। فالنباتات كائنات لاروحية (إن جاز هذا التعبير) ورغم ذلك فهي كائنات حيّة بكل ما تعنيه كلمة (الحياة) من معنى: فهي تنمو وتكبر وتتكاثر وتتنفس وتتغذى وتخرج الفضلات، بل وإنها تتحرك أيضاً. ومن قالوا بروحانية الكائنات لم يُحرّموا فيما حرّموا رسم النباتات في الوقت الذي حرّموا فيه رسم (ذوات الأرواح)، كما ذكر الشيخ ابن باز في قوله: " الرسم له معنيان : أحدهما رسم الصور ذوات الأرواح ، وهذا جاءت السنة بتحريمه ، فلا يجوز الرسم الذي هو رسم ذوات الأرواح ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : " كل مصوّر في النار " وقوله صلى الله عليه وسلم : " أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون ، الذين يضاهئون بخلق الله " ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : " إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم : أحيوا ما خلقتم " ولأنه صلى الله عليه وسلم لعن آكل الربا وموكله ، ولعن المصور ، فدل ذلك على تحريم التصوير ، وفسر العلماء ذلك بأنه تصوير ذوات الأرواح من الدواب والإنسان والطيور . أما رسم ما لا روح فيه ـ وهو المعنى الثاني ـ فهذا لا حرج فيه كرسم الجبل والشجر والطائرة والسيارة وأشباه ذلك ، لا حرج فيه عند أهل العلك" من كتابه (فتاوى نور على الدرب ص 302)

والواقع أن هنالك مفهوماً خاطئاً للحياة من ناحية، ولآلية هذه الحياة وصيرورتها من ناحية أخرى। وافتراض وجود كائن هوائي أو روحي يكون مصدراً لهذه الحياة هو اختزال مخل لعمليات وقوانين حيوية وطويلة ومعقدة، هذا إضافة إلى أنه لا يستند على أيّ سند علمي أو منطقي مريح. وقد أرهقت فكرة خروج الروح من الجسد هذه عقول الكثيرين منذ أزمان سحيقة، حتى أن الأستاذ هادي العلوي يذكر لنا في كتابه (من تاريخ التعذيب في الإسلام) بعض المحاولات التي كان الوليد بن عبد الملك يقوم بها لإخراج الروح من منفذ آخر غير الفم في تعذيبه للبعض، وذلك على أساس أن خروج الروح من الفم أمر مفروغ منه، فكان يدفن الشخص من رأسه في حفرة ثم يأمر فيُهال عليه التراب، ثم يوطأ التراب بالأقدام، فلا تجد الروح مخرجاً آخر إلا دبر المعذب.، ما يُوحي بأن الأرواح بحاجة لمنفذ للدخول والخروج، وهذا ما يطرح سؤالاً آخر عن سبب عدم خروج الروح في حالات التثاؤب أو التجشؤ مثلاً طالما أن هذه المنافذ مفتوحاً! وقد لا يعجز الماورائيون عن سد ثغرة كهذه متحججين بأن مسألة دخول/خروج الروح لا تتم إلا بأمر إلهي فوقي.

والسؤال عن أسبقية الأجساد على الأرواح أو العكس ليس من فقط من قبيل تجديد الخطاب الفلسفي الأزلي (أيهما أسبق الروح أم المادة؟) بل هو من قبيل استنطاق الواقع الخرافي للقائلين بوجود هذه الأرواح। فإذا كانت الأجساد اللطيفة: كأجساد الملائكة النورانية، وأجساد الشياطين النارية هي أجساداً في حدّ ذاتها، فإن ثمة إمكانية لبقاء أجساد بلا أرواح، وبما أن الجسد مادة فإن الشياطين والملائكة ليسوا أجساداً بل أرواحاً أو كائنات لطيفة كما تعارفوا على تسميتها، وهو الأمر الذي يجعلنا نرجّح ضرورة أسبقية الأجساد على الأرواح، وإلا فما الحكمة من خلق أرواح ومن ثم التفكير في حبس هذه الأرواح داخل أجساد؟ بل وما الحكمة أصلاً من خلق أجساد غير قادرة على الحياة إلا بواسطة أرواح؟

إن قولنا بروحانية الأجساد اللطيفة أو الكائنات اللطيفة (الملائكة/الشيطانين) يجعلنا نتساءل عن سبب اختصاص الإنسان والكائنات المادية الأخرى: حيوانات وحشرات بهذه الخاصية الروحانية: عدم قدرتهم على الحياة بلا أرواح! أو يجعلنا على الجانب الآخر نتساءل ما إذا كانت هنالك إمكانية لوجود أجساد غير مرئية وبالتالي إمكانية أن يكون لكل من الملائكة والشياطين أرواح بدلالة أن كل منهم يطاله الموت في النهاية। (ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون) (الزمر:68) (كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) (الرحمن:26/27) أو أن نقول بأن الموت والحياة لا شأن لهما بدخول أو خروج الروح.

ومن شأن العقلية الماورائية أن تؤمن بأن هذه الأرواح التي خرج من الأجساد عند الموت تعود إليها مرّة أخرى عند البعث لتسكنها من جديد، ويُضاف إلى ذلك حساسية هذه الأجساد الجديدة لتقبّل النعيم والعذاب المتوقعين في الآخرة، الأمر الذي يجعلنا نتساءل عن سبب بعث الأجساد إذا كانت الذوات هي أرواحاً في الأصل وليست أجساداً، وبهذا نعود للسؤال نفسه عن أسبقية الأرواح والأجساد। فإذا كانت الأجساد ليست سوى خزائن لهذه الأرواح المعتبرة، فلم يتم بعثها لتُعذّب؟ وإذا كانت الأجساد هي الأصل، فلم خلقت الأرواح أصلاً؟ هذا من ناحية؛ ومن ناحية أخرى ارتباط الموت برمزية الكبش الذي يُذبح على خط فاصل بين النار والجنة كما جاء في الحديث: (حدثنا عبد الله بن يوسف بن نامي ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى حدثنا محمد بن عيسى بن عمرويه الجلودي ثنا إبراهيم بن سفيان ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا ؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، ويقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون فيقولون: نعم هذا الموت، فيؤمر به فيذبح ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت ، ويا أهل النار خلود فلا موت) (صحيح البخاري: تفسير القرآن) و (صحيح مسلم: الجنة وصفة نعيمها وأهلها) وهذا يطرح علينا عدة تساؤلات موضوعية للغاية.

أولى هذه التساؤلات تتشكّل حول الميل الغريب إلى تجسيد المجرّدات والتي لم تُوجد إلى في المجتمعات البدائية؛ إذ كان الإنسان الأول غير قادر على التفريق بين العلل والمعلولات، وغير قادر في الوقت ذاته على تخيّل المجرّدات إلا بواسطة النسق التجسيدي الذي انحدرت منه الفلسفة الوثنية في مرحلة لاحقة। فكان البدائيون يرون أن الخير والشر والحب والكراهية ما هي إلا مخلوقات مادية محسوسة، وهم إنما يفعلون ذلك حتى يُمكن تصوّر حركة هذه الظواهر. أما أن نُضطر لتجسيد الموت (وهو أحد المجردات) على هيئة كبش فهو الأمر الذي لا أجد له تفسيراً منطقياً على الإطلاق. وإذا تجاوزنا عن هذه النقطة بالتحديد فإننا سوف نجد أنفسنا أمام تساؤل آخر: كيف استطاع المؤمنون والكفار على حدّ سواء التعرّف على الموت وهو في صورته التجسيدية تلك؟ والواقع أنه لم تجسيد الموت على هيئته الأصلية (هذا على افتراض أن له هيئة أصلاً) فلم يكن من المنطقي أن يتعرف عليه أحد، لأنه –ببساطة- لا أحد يعرف شكل الموت ولا هيئته.

الحياة تعني الإدراك، وتعني مجموع العمليات الحيوية والعضوية التي يعتمد عليها الكائن الحي في صراعه من أجل البقاء من: تنفس، وتكاثر، وحركة، وغذاء وما إلى ذلك من عمليات بيولوجية وحيوية أخرى। وعندما أقول أن الحياة تعني الإدراك، فإنني أعني بالإدراك إدراك الذاتي والموضوعي بالنسبة للكائن الحيّ، وهذا الإدراك يشمل إدراك الكائن لنفسه ولمتطلباته الحيوية والضرورية، كما يشمل إدراكه لمحيطه الذي يعتمد عليه في الغذاء والحركة والتكاثر؛ وعلى هذا فإن كل كائن يُمكن أن تتوافر فيه هذه الميزات الإدراكية يُمكن أن يُطلق عليه اسم (حيّ) وإن لم يتحرك أو يتبيّن لنا إدراكه بالشكل المطلوب.

وفي مسار بحثنا عن الروح في جسد الإنسان (كمثال)، نجد أن الدم قد يكون مرشحاً بقوة لتمثيل هذا الدور، فالدماء هي التي تنقل الغذاء والأوكسجين لأعضاء الجسم وأطرافه، ومجرّد توقف الدم أو تأخره في الوصول إلى عضو ما، يتهالك هذا العضو ويذبل حتى يموت، وفي هذا دليل على أن الدم هو من يهب هذا العضو حياته وحيويته। ولكن هل الدم بتركيبته المعروفة يحمل سر الحياة، أم أن تفاعل الأجزاء الحيوية في العضو مع العناصر التي يحملها الدم هو من يولّد الحياة؟ على الفور نكتشف أن الحياة تنتج من خلال تفاعل ما يتم بين العضو الحيّ والعناصر الموجودة في الدم من غذاء وأوكسجين. وهذا التفاعل يتطلب قدراً من الإدراك الكيميائية والعضوية لكل من العضو والدم، فليس كل دم صالح لتوليد هذا التفاعل، كما أن ليست كل الأعضاء يُمكنها التفاعل مع العناصر التي يحملها الدم.

وعلى هذا النسق نجد أن الضرورة تقتضي وجود مولّد لهذا الإدراك يُحدد مقدر هذا التفاعل وكيفيته، وينظمه بطريقة تتناسب واحتياجات العضو الحي لتتكامل هي الأخرى ومنظومة الأعضاء الحيوية والتفاعلات من ذات النوع لتولّد لنا في النهاية صورة من صور الحياة في أبسط أشكالها। وفي هذا الصدد نجد أن الدماغ هو المرشح الأقوى لتمثيل هذا الدور؛ إذ أنه المسئول المباشر عن تنظيم مثل هذه التفاعلات، واختلال الدماغ يؤدي في كثير من الأحيان إلى قصور في وظيفة بعض الأعضاء الحيوية والبيولوجية داخل الجسم الحي.

وأول سؤال قد يطرق أذهاننا هنا، هو: وما الذي يولد الحركة في الدماغ؟ وأقصد بالحركة هنا: الحركة الحيوية وهي حركة الوظائف والعمليات الدماغية والعصبية فائق السرعة والتعقيد। والواقع أن الدماغ يُشكل مصدراً من مصادر توليد الطاقة، وهذا التوليد ينتج في حقيقته عن طاقة كهربائية متحوّلة، فهي تتحوّل من طاقة كهربائية إلى طاقة حرارية أو حركية مثلاً. والنقطة الفاصلة بين العقلية العلمية والعقلية الخرافية هي الإيمان بوجود ما يُسمى بالطاقة الكامنة التي لا تتفاعل ولا تعمل إلا في أوساطها المناسبة والمتسقة تماماً مع طبيعتها. فسلك الكهرباء المكشوف يحتوي على طاقة كهربائية كامنة لا تعمل إلا إذا وجدت جسماً موصلاً لتكمل دورتها الكهربائية، ويتمثل هذا الجسم في القاطع الكهربائية الذي بوصله تشتعل الإنارة، وبفصله تطفئ، وقد يكون جسماً آخر يحتوي على خاصية التوصيل الجيّد للكهرباء فيسري خلاله، وإلا فإنه سوف يظل في كمونه.

بهذا المثال البسيط جداً، يُمكننا شرح عمل الدماغ الذي يؤثر في حركة عضلات القلب، والذي بدوره يضخ الدماء إلى أعضاء الجسم فيكسبها الحيوية والحياة. ليُصبح الدماغ بكل عملياته العقلية والعصبية هو ذلك العضو المادي الذي يولّد الحياة داخل أجساد الكائنات الحيّة، وهذا الدماغ موجود داخل كل كائن حيّ سواء كان هذا الكائن إنساناً أو حيواناً أو حشرة أو حتى نباتاً، ومن يظن أن النباتات بلا أدمغة فهو واهم لأن النباتات تعيش بأدمغة تعمل وفق قوانينها الخاصة، ولكن يُصبح من البلاهة أن نعتقد أن النباتات تمتلك أدمغة كأدمغة الحيوانات والبشر، بل وحتى أن يظن شخصاً بأن لكل كائن دماغ يُشبه دماغ كائن آخر. والواقع أن الخلايا الحيّة تعمل في النباتات وبعض فصائل الحشرات عمل الأدمغة تماماً.
وعلى هذا أيضاً فالنباتات كائنات مدركة، طالما أنها بأدمغة। وإدراك النباتات إدراك داخلي (ذاتي) وخارجي (موضوعي) وهو الذي يدفع النباتات الصحراوية أن تمد جذورها في الأرض إلى مسافات طويلة بحثاً عن المياه، وتقلّص من حجم أوراقها على السطح لتقلل من عملية تبخر الماء (النتح)، وتعمد إلى منح أجسادها أشواكاً تحميها من الطفيليات التي قد تقتات على الماء الذي بداخلها، وهو ذات الإدراك الذي يجعل النباتات الاستوائية تقوم بوظائفها التي تتناسب من طبيعتها ووسطها المحيط في صراع دائب ومستمر من أجل البقاء.

لا وجود لما يسمى بالأرواح، وإن كان لها وجود حقيقي فهي موجودة فقط في عقول العاشقين للخرافة والماورائيات، أولئك الكسالى الذين لا يريدون أن يقدحوا أدمغتهم بحثاً عن المعرفة الحقة والمتواضعة، مكتفيين بتلك القوالب الكلاسيكية البائدة التي أصبحت تترنح في مجابهة قوة العلم وانفلات العقد وكسره للحواجز التقليدية العتيقة. أرواح الحقيقية تقبع داخل أدمغتنا المهولة والتي لم نتعرف على كل مزاياها بعد حتى الآن، وسوف يأتي ذلك اليوم الذي يتمكن فيه العلم من فقأ أعين هؤلاء الكسالى ودحر حماقاتهم المريضة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق