الخميس، 29 مارس، 2012

الأدباسية السودانية

"الأدباسية" مصطلح من ابتكاري، وهو نحت لغوي مكوّن من كلمتين: الأدب و السِّياسة. ولا يُقصد به الإشارة إلى ما يُعرف بالأدب السِّياسي، والذي يهتم، في أساسه، بالأجناس الأدبية التي تجعل من القضايا السِّياسية موضوعًا لها كالمقال السِّياسي، وما يعرف بالشعر الثوريِّ، والذي نجده جليًا في كتابات "محمود درويش" و"سميح القاسم" و"أحمد مطر"، وبعض كتابات "أمل دنقل"، وغير ذلك، ولكنه مصطلح يحاول الإشارة إلى الترابط الوثيق بين الأدب والسِّياسة، وكيف يمكن للأدب أن يكون تيرمومترًا حقيقيًا، يشي بالوضع السِّياسي لأيِّ مجتمع؛ وذلك من خلال مراقبة ورصد الظواهر الاجتماعية والإنسانية في ذلك المجتمع؛ إذ ليس بالإمكان إنكار العلاقة الوثيقة التي تربط الحراك السِّياسي بالظواهر الاجتماعية، والمظاهر الحياتية في أيِّ مجتمع. فالأدباسية، كمصطلح، يمكن اعتباره معيارًا نقيس به مواكبة الأدب للفعل السِّياسي في مجتمع ما، أو بتعبير آخر: الحجم أو الثقل الأدبيُّ للفعل السِّياسي؛ لنعرف، من خلاله، كيف وإلى أيِّ مدى استطاع الفعل السِّياسي التأثير في الإنتاج الأدبي لمجتمع بعينه.

وإذا كانت وظيفة الأدب هي نقل الواقع، أو محاكاته، وتسليط الضوء على ظواهره السالبة منها والموجبة؛ فإنه بذلك يتقاطع مع الجانب السِّياسي لذلك المجتمع. وعليه؛ فإنه يُمكننا القول بأن الأدب، في جانب منه، قد يشكل منظومة من المقولات النقدية السِّياسية، وهذا، بالتحديد، ما يجعل الأدب والأدباء عرضة للمساءلة والتصادم مع السُّلطة، وهو ما يجعل الأعمال الأدبية، في بعض الدول، عرضة للمصادرة والمنع من النشر، كما هو الحال في السودان، مثلًا، فهنالك العديد من الروايات والإصدارات الأدبية وغير الأدبية التي تم منع نشرها وحضرها من التداول في السودان، عبر ما يُعرف بلجنة إجازة النصوص والمنشورات، وهي لجنة قامت خصيصًا بغرض فرض الرقابة على المنشورات، ونرى ذلك بوضوح أكثر فيما تتعرض له كثير من الصحف اليومية المستقلة (التي لا تتكلّم بصوت الحكومة) عرضة باستمرار للحجر والإيقاف، وكذلك العديد من المقالات داخلها، وأيضًا بعض الإصدارات، وبهذا فإننا نرى أن الأدب لابد وأن يتقاطع مع السياسة.

وإلى هذا الحد؛ نجد أنفسنا أمام جدلية المثقف والسُّلطة التي أشار إليها "إدوارد سعيد" في العديد من مؤلفاته؛ لاسيما كتابه (المثقف والسُّلطة)؛ إذ يرى أن تصادم المثقف مع السُّلطة أمر حتمي، لما يمثله المثقف، بكتاباته، من مواقف ذات طابع نقدي؛ لاسيما تلك الكتابات التي تتجاوز نقد الفعل السِّياسي المباشر إلى كشف تمظهراته، وحركة ظله على الحياة اليومية في المجتمع. وفي الحقيقة؛ فإن مهمة النقد السِّياسي المباشر تقع على عاتق ما يسمى بالأدب السِّياسي.



وحيث أن الخطاب السِّياسي، غالبًا، ما يكون خطابًا نخبويًا، وذو صبغة براجماتية، يهدف إلى حماية المصالح الحزبية، البعيدة، هي الأخرى، عن هموم وتطلعات الشارع الحقيقية والملحة؛ فإنه يظل قليل التأثيرِ، مقارنة بالخطاب السِّياسي الذي يقدمه المثقف، بصورة غير مباشرة، عبر الأعمال الأدبية التي تضع يدها، بلطف، على ما يهم المواطن من مشكلات يومية يعايشها، ويعاني منها؛ بل وربما، يجدها تعبر عنه بصورة مباشرة، وتعكس همومه التي تكون، غالبًا، مظهرًا من تمظهرات الحراك السِّياسي.

وحيث أن المواطن السوداني، أو شريحة كبيرة منه على الأرجح، غير مستبصر بحقوقه السِّياسية والدستورية، لاسيما الزاهدين في الاحتكاك مع السُّلطة أو تعاطي السِّياسة، فإن الخطاب السِّياسي الذي يقدمه له الأدب يضع يده على هذه الحقوق بطريقة سلسة، وتجعله يفهم الجوانب التي يرغب الساسة إبقاءها طيّ الكتمان، وإبقاء المواطنين مغيبين عنها، ولو جزئيًا، لأن السلطة هنا تراهن على تغييب المواطن، وإغفال حقوقه الدستورية والقانونية عمدًا.

وليس هنالك شك في أن الحرب هي واحدة من أهم وأبرز التمظهرات التي يفرزها الحراك السِّياسي، والتي تحمل طابعًا يمس الإنسان البسيط بشكل مباشر، وتساعد في تغيير أو تشويه نمط حياته، وتمس أمنه واستقراره، وتكون خصمًا من حقوقه الإنسانية. فالحرب، على هذا، ظاهرة اجتماعية تتسبب السِّياسة في نشوئها، أو يمكننا القول: إنه فعل سياسي له تمظهرات اجتماعية. فالحروب تحدث بإرادة سياسية في الأصل، ولكنها تؤثر بشكل مباشر على المظاهر الحياتية في المجتمع البشري؛ وبالتالي فإن ذلك يوفر المادة الأساسية التي يقوم عليها الأدب والفن على حد سواء، ولهذا فإن الحروب، بما فيها من مآسي وبشاعة منقطعة النظير، تكون ملهمة للفنانين والمبدعين، لأن بها حشدًا كبيرًا من الصور الإنسانية التي يسعى الفنانون إلى التقاطها وتوثيقها، ومن هنا فإن كثيرًا من النقاد الأدبيين يعتبرون أن للأدب وظيفة تاريخية، يمكن الاعتماد عليها في وضع تصورات، ربما تكون دقيقة، إلى حد كبير، عن نمط الحياة في حقبة تاريخية ما، ولهذا فإن كثيرًا من علماء التاريخ والآثار تمكنوا من وضع تصورات عن الحياة الاجتماعية والثقافية، وحتى السِّياسية لمجتمعات بائدة، مستفيدين من بعض الكتابات والأعمال الأدبية التي خلدت تلك الحقبة التاريخية، ونجد ذلك واضحًا في الملاحم الأدبية التاريخية المشهورة كالإلياذة والأوديسة وملحمة جلجامش على سبيل المثال.

وإذا كان لنا أن نأخذ الحرب الأهلية في السُّودان كمثال، فإننا سوف نجد أن معاير الأدباسية السُّودانية يشير إلى ضعف كبير في التأثير سواء على مستوى العمق أو حتى على مستوى التناول. ورغم أننا نجد من الكتابِ السُّودانيين من اهتموا بتناول قضية الحرب الأهلية، ورصد الحالات الإنسانية التي خلفتها في الفترة من العام 1955 وحتى عام 2005 (أيّ قرابة الخمسين عامًا)، فإننا نجد أن الإنتاج الأدبي عن هذه الحرب يعتبر إنتاجًا ضعيفًا للغايةِ، وحتى إذا لم يكن الفارق الكمّي ذا قيمة معتبرة في مثل هذه الحالات، فإننا نجد أن الفارق النوعي ضعيف كذلك؛ نسبة إلى افتقاد المنتج الأدبي عن الحرب إلى العمق التاريخي والتوثيقي الذي كان من الممكن أن يعول عليه، مستقبلًا، في بناء تصورات تاريخية أقرب إلى الحقيقة عن هذه الحقبة المهمة من تاريخ السُّودان؛ لاسيما وأن الحرب الأهلية في السُّودان، متمثلة في حرب الجنوب على وجه التحديد، تم اعتبارها من أطول وأعنف الحروب الأهلية في منطقة القرن الأفريقي؛ إذ أدت إلى نزوح أكثر من أربعة ملايين نسمة، كما وراح ضحيتها قرابة المليونين نسمة من المدنيين، وهذه تعتبر أعلى نسبة ضحايا مدنيين في أيّ حرب أهلية أخرى، ولكننا، رغم ذلك لا نجد من الأعمال الأدبية ما يمكن اعتباره عملًا مرجعيًا يوثق لهذه الحرب، أو يعطيها حجمها الذي تستحقه.

وسبب ذلك، في اعتقادي الشخصي، يرجع إلى الانفصال الثقافي بين شمال السُّودان وجنوبه، والذي سبق الانفصال الجيوسياسي، وهي الهوة التي كرست لها سياسة الحكومات المركزية في الخرطوم منذ الاستقلال، لاسيما حكومة المؤتمر الوطني (الحزب الحاكم) عبر التهميش المتعمّد للجنوب وإنسان الجنوب، وكذلك عبر إشعال نار الفتنة الطائفية والقبلية والتي لم تكن موجودة في السودان من قبل، وهو ما أدى إلى تساهل الكتاب الشماليين في الكتابة عن أزمة الجنوب بشكل احترافي جاد، والاعتماد على الخيال السَّطحي، الذي يكتفي بوضع تصورات فنية يغلب عليها طابع الإشفاق الخجول المعتمد على الخيال، أكثر من طابع النقل الأمين للواقع من الداخل كما هو، ومدى تأثير هذه الحرب في البنية الاجتماعية والاقتصادية والأمنية، وحتى الثقافية لإنسان الجنوب. وهذا، ربما، يعود إلى تغول مركزية الوسط على حساب الهامش، كما أشار الدكتور "أبكر آدم إسماعيل" في حديثه عن جدلية الهامش والمركز، فغالبًا ما ننظر، نحن في الشمال، إلى الجنوب على اعتباره هامشًا، ولذا فإننا نظل بعيدين، ولو وجدانيًا، عما يحدث في الجنوب.

لقد ظل التنوع الإثني والثقافي، في كثير من المجتمعات الإنسانية، أمارة على الثراء الوجداني لتلك المجتمعات، ولكننا، في السُّودان، لم نحسن استغلال هذا التنوع لنخلق منه تراثًا سودانيًا خالصًا يمكن تصديره إلى العالم؛ بل، على العكس من ذلك، كان خصمًا من رصيدنا الثقافي والأدبي، بطريقة أو بأخرى، إذ أنّ سلطة المركز المتمثلة في السلطة التي تمثل الثقافة العربية، عملت على إقصاء وتهميش الثقافات الأخرى، لاسيما تلك التي لا تتقاطع مع العروبة وثقافتها المتربطة بالديانة الإسلامية، إذ أن ارتباط اللغة العربية بالقرآن واشتراط تعلم العربية لدخول الإسلام جعل من اللغة العربية لغة مقدسة وبالتالي فإن ذلك جعل من الثقافة العربية ثقافة مقدسة بالضرورة، وهو ما جعلها تفرض سيطرتها وفوقيتها على بقية الثقافات الأخرى، ورغم ذلك فإنه ليس بمقدورنا إنكار أو تجاوز الأعمال الأدبية التي قدمها الروائيون السُّودانيون، أو بعضهم، والتي تناولت الحرب الأهلية في جنوب السُّودان، بيد أنه يتوجب علينا اللجوء إلى تصنيف هذه الكتابات إلى صنفين: كتابات الكتاب الشماليين حول هذه الحرب من ناحية، وكتابات الكتاب الجنوبيين عنها من ناحية أخرى؛ لنقف على الفارق النوعي الكبير بين الكتابتين، ولنعرف كيف أن كلا الجانبين نقلا تجربة الحرب ونظرا إليها من زاوية إبداعية مختلفة تمامًا، ورغم أن هذا الاختلاف مطلوب في الكتابة الإبداعية عمومًا؛ إلا أنه يؤثر، نوعيًا، على المخزون الأدباسي للكتابة في السُّودان.

ويمكننا هنا ذكر بعض الكتاب الذين اهتموا بالشأن الإنساني الذي خلفته الحرب الأهلية في السُّودان، وسلطوا الضوء على الحرب ومآلاِتها؛ فنذكر منهم، على سبيل المثال لا الحصر: الروائي "عبد العزيز بركة ساكن" في معظم أعماله، وكذلك الروائي "عبد الرحمن فضل" في روايته (أعاصير استوائية)، والروائي "مروان الرشيد" في روايته (مندكورو)، وكذلك معظم أعمال الروائي الجنوبي "فرانسيس دينق" كرواية (طائر الشؤم) و (بذرة الخلاص) وكذلك كتابات الروائية الجنوبية "استيلا قايتانو" كمجموعتها القصصية (زهور ذابلة) على سبيل المثال.

هذا بالإضافة إلى بعض الأسماء الأخرى التي اتخذت من الحرب الأهلية السُّودانية ثيمة لأعمالهم الأدبية، ولكن؛ تظل هذه الأعمال غير منصفة، وغير كافية لنطلق حكمًا بأن الحرب الأهلية في السُّودان تركت أثرها الإيجابي الواضح في الأدب، وفي كتابات الكتاب السُّودانيين، أو أنها أثرت في تشكيل تيارات أدبية ذات طابع مستقل ومتمايز عن بقية التيارات الأدبية في المنطقة، لأننا نعلم أن بعض الحروب والتجارب المأساوية أثرت على بعض الآداب وشكلت لها سمات مميزة لها، كالأدب الروسي والفرنسي واللاتيني، ونعلم، كذلك، دور الحروب الأهلية، في هذه المناطق، في طبع هذه الآداب بسمات مميزة لها. ولا ننسى أننا هنا أخذنا في الاعتبار أن ما وصل إلينا من كتابات حول هذا الموضوع هو ما تمت كتابته باللغة العربية، حتى من قبل بعض الكتاب الجنوبيين، ولكننا لا نعرف الكثير عما كتب عن هذه الحرب بلغات أخرى غير العربية.

هناك 3 تعليقات: