الثلاثاء، 15 ديسمبر 2009

فــن الـثــورة



لا نحتاج في هذا المقام إلى اصطحاب تعريفات للثورة تقليدية كانت أو حديثة، سواء تلك التي تقوم معتمدة على أدوات نضالية أو رموز نضالية، ولكننا فقط نكتفي بالقول: إن الثورة هي عملية تغيير، ورغم سطحية هذا المعنى للثورة ظاهرياً؛ إلا أني أراه كافياً جداً، ومرناً للغاية لتأدية الغرض من هذا الموضوع (فن الثورة)، فليست كل ثورة تتجه نحو الأفضل بالضرورة لأن مقياس الأفضل يعتمد على مُسببات الثورة في المقام الأول.

أزعم أن الثورة عمل فني إبداعي يستحق منا الوقوف عليه بقليل من القراءة لكي نفهم كيف يُمكن إحداث ثورة متوافقة مع التوقعات، وإلى هذا الحدّ تتضح النيّة غير المعلنة في هذا الموضوع في جعل الثورة وسيلة لتحقيق أهداف مُحددة وليست هدفاً في حدّ ذاته.

أحد أهم الأسباب الباعثة على الثورة هو الشعور بالحاجة إلى ثورة، وهو يعني –فيما يعنيه- تلمّس مواطن الخلل في الوضع الراهن على كل المستويات: الاقتصادية أو السياسية وما قد ينبثق منهما على حدّ سواء، وهو ما أُسمّيه بحالة الازدراء، ولكن هنالك سؤال هام يتقافز أمامنا وهو: على عاتق من تقع مهمة تلمّس الخلل؟ هل على النخب السياسية؟ أم على النخب الثقافية؟ أم هي مهمة تقع على عاتق الجميع؟

في اعتقادي الشخصي يجب أن تكون حالة الازدراء هذه عامة، ولهذا فإنني أقول: لكي تقوم الثورة لابد أن يشعر الأغلبية بالازدراء وأُركز هنا في هذا المقام على كلمة "الأغلبية" لأن الثورة فعل جماهيري وليس فعل نخبوي على الإطلاق، حتى وإن كانت قيادتاه من النخبة سواء السياسية أو الثقافية أو نخب اجتماعية، وهذا الازدراء لا يُمكن الإحساس به بالنيابة، فلا يُمكن مثلاً أن تسوّق النخبة لحالة يرونها فوضوية ثم يفترضون أو يفرضون حالة الازدراء تلك على الجماهير، حتى وإن كانت الحالة تستدعي الازدراء فعلاً. تلك واحدة من أساسيات الثورة (الحس الجماعي المشترك بالازدراء)

هنا يجب أن نتوقف لنتعرّف على ميكانيكية الثورة، بمعنى: من أين تبدأ وكيف تنتقل وإلى أيّ حد قد تصل؟ فالثورة ليست مجرّد نسق نضالي تصاعدي يبدأ من الإحساس بالازدراء ثم فعل الثورة وأخيراً نجاح الثورة في إسقاط الحكم، العملية ليست بهذه البساطة، وهذا النسق قد يُفيد في تغيير منحى مُعيّن، كالثورة ضد سياسات تعليمية مُحددة فتنتهي الثورة بمجرّد تغيير قوانين التعليم التي تكفل محو حالة الفوضى الباعثة للازدراء.

أزعم أن الثورة تخضع لميكانيكا مغايرة وأكثر عمقاً وتأثيراً، فهي تبدأ بالعام فالخاص ثم العام، حتى تتحقق المطالب التي تنادي بها كل ثورة. ولكي أوضّح الأمر أبيّنه كما في الرسم أدناه والذي يوضح ميكانيكا الثورة بشيء من التبسيط:




هنا لا أجد تشبيهاً أدق من تشبيه الأمر بالاستفادة من الطاقة الكامنة في الصواعق، فهي تحتوي على كمّ هائل جداً من الطاقة ظل لفترات طويلة جداً يضيع هباءً دون الاستفادة منه، بل وربما تؤدي هذه الطاقة إلى أضرار جسمية للغاية في الممتلكات والغابات. تأتي النخبة لتمثل الحلقة المفقودة لضمان أن لا تذهب هذه الطاقة هدراً أو حتى لا تكون طاقة مُضرة طالما أنها ظلت في خانة الفوضوية.

في المرحلة الثانية هذه يمكننا قول الكثير لأنها مرحلة مفصلية للغاية، وبها الكثير من التداعيات التي يُمكن بناءً عليها الحُكم على الثورة بالنجاح أو الفشل، فالأمر ليس متعلقاً فقط بمدى تفاعل النخب مع قضايا الجماهير وإنما بمدى قدرة هذه النخب على تنسيق ردود الأفعال، وقدرتها في تفعيل انفعالات الجماهير الفوضوية وتوحيدها بشكل يُمكن أن يُمثل الدعامة الأساسية والمباشر لتحقيق النتائج المرجوة.

وفي هذه النقطة تتعاقب الثورة وأهداف الثورة مراكز الأولوية، إذ لا يُمكننا القول إجمالاً بأن الثورة ليست هدفاً مُجرّداً، فهي بالتأكيد كذلك، ولكنها لا تظل هدفاً مع استمرار إمكانية إنجاز ماورائها من غايات أخرى كانت هي الدافع لتولّد هذه المشاعر الفوضوية (الازدراء) فقد تكون حالة الازدراء هذه طاقة مُهدرة كما قلنا أو قد يكون ازدراءً ثورياً؛ والرهان حول ذلك إنما يكون مرتبطاً بالنخب في المقام الأول.

النخب هنا قد تكون قيادات سياسية، وقد تكون رموز وطنية أو اجتماعية ذات تأثير وثقل قوي، وقد تكون نخب ثقافية أيضاً لها تأثيراً، وقد تكون مؤسسات أو نقابات، أو قد تكون قوات نظامية ناقمة. فوجود النخبة المنظمة لردود الأفعال هنا أمر ضروري للغاية، ومدى ارتباط هذه النخب وتفاعلها مع قضايا الجماهير وطريق إدارتهم لهذه الفوضى قد تكون هي المسئولة الأولى والأخيرة عن فشل أو نجاح الثورة؛ ولهذا نقول إن المرحلة الثانية في ميكانيكا الثورة (طابع النخب) أو الطابع الخاص هي الأهم، لأنها (فوق كل ما ذكر) هي من تحدد ما إذا كان النشاط الجماهيري هذا ثورة تغيير أم ثورة انتكاسة.

المرحلة الأخيرة في ميكانيكا الثورة هي مرحلة الالتحام المباشر مع النظام المُراد تغييره، وهي غالباً ما تكون دموية ومتسمة بالعنف؛ وهو طابع الثورات في غالبها، وقد تكون ثورات بيضاء لا دماء فيها لاسيما إذا كانت قوى النظام المُسلّحة تُشارك الجماهير حالة الازدراء تلك أو ربما بالإمكان ضمان عدم تدخل القوات العسكرية في الأمر وذلك إذا كانت النخب في المرحلة الثانية من ميكانيكيا الثورة قد قامت منذ البداية بالتسلل بين صفوف القوات النظامية وتعطيل قياداتها؛ إما بطرق سلمية أو عن طريق العنف.

الطرق التقليدية القديمة في كسب ولاء القوات المُسلّحة من نشر مذكرات وبيانات أو استقطاب القيادات هي إحدى الطرق المستخدمة في تحييد هذه القوات في عملية الثورة، وهو يضمن بشكل قاطع قيام ثورة بيضاء وبشكل أسرع، بحيث تكون الثورة على مستوى المنشآت الأساسية: إذاعة وتلفزيون، مطارات، وزارات، مواني، المنافذ البرية .. إلخ. أو ربما يحتاج الأمر إلى زرع كوادر تجسس ورصد داخل التنظيمات العسكرية تعمل على إحباط أيّ عمليات متوقعة للمشاركة في الثورة.

هنا يتوجب علينا تعديل شعار "الشرطة في خدمة المواطن" إلى "الشرطة في خدمة الوطن" فالشرطة والقوات المُسلّحة في الحقيقة ليستا في خدمة المواطن بأيّ حال من الأحوال، وولاء هذه القوات في المقام الأول هو للوطن وليس للدولة أو للمواطن، وإذا عرفنا هذه النقطة الهامة فإنه بوسعنا إيجاد بدائل نضالية للتعامل مع هذه القوات التي بإمكانها أن تعطل الثورة إن لم توضع في الحسبان. وعلى هذا فإن من ضمن التجهيزات التي يجب أخذها في الاعتبار توفير الأسلحة أو أدوات المقاومة اللازمة فقط في حال اضطرت الثورة لاستخدامها، وجوبهت بمقاومة مُسلّحة من أيّ نوع.

إن أيّ ثورة (حتى الثورات البيضاء) لا يتوفر لديها احتياطي أسلحة هي معرّضة للقمع والإجهاض، ومن الخطأ الكبير أن نتوقع حدوث ثورة بيضاء دون أن توفير هذا الجزء الهام كأساس ضمن خطط الثورة الاستراتيجية، وهي منوطة بالنخب في المرحلة الثانية من ميكانيكيا الثورة.

إذن، فمهام النخبة لا تنتهي حدّ تعبئة الجماهير وقيادتها ودعم الثورة باللافتات والشعارات وحسب، بل تتعدى ذلك إلى ما هو أبعد، فعليها فقط يقع عبء وضع الاستراتيجيات والخطط والخطط البديلة، وعليها يقع عاتق التنسيق والدعم اللوجستي، وعليها تقع مسئولية التخطيط لمرحلة مابعد الثورة، وهي واحدة من أهم النقاط التي يجب أن توضع في الاعتبار؛ ولذا فإننا قد نلحظ عدم التوافق التام بين النخب والجماهير إذا لم تتوفر خطط واضحة لما بعد الثورة.

هذه النقطة بالتحديد إن لم تنه كما يجب فقد تعيقنا عن الانتقال إلى المرحلة الثالثة في ميكانيكيا الثورة، وهي مرحلة إسقاط أو تغيير النظام. هل أخطأت حين قلتُ (أو تغيير النظام؟) في الحقيقة لم أخطئ أبداً، فالثورة معنية فقط بإجراء التعديلات التي تضمن انتهاء حالة الازدراء، وسواء كان تم ذلك بإسقاط النظام أو غيره فإن قضية الشعب الأساسية ستكون منحصرة في هذه النقطة، وهو ما يجعلنا في السودان من أكثر الدول تعرضاً للانقلابات العسكرية والثورات الشعبية؛ إذ لا تأتي الحكومات الجديدة في الغالب بما يتوقعه الجماهير من تغييرات منشودة، ولهذا نقول إن ضمان إجراء هذه التغييرات المنشودة هو من أكبر العوائق أمام توحيد فوضى الجماهير وخطط النخب، وعلى هذه النخب أن يُظهروا قدراً من المصداقية في هذا الصدد، وإلا فإنها ستكون كمن يُراهن على جواد مريض.

المرحلة الأخيرة في الثورة هي مرحلة إسقاط أو تغيير النظام كما قلنا، وإذا حدث ذلك فإن هذا لا يعني انتهاء المرحلة الأخيرة، فالمرحلة الأخيرة مستمرة منذ إسقاط النظام وحتى التداعيات اللاحقة له كذلك، فالثورة التي أدت إلى إسقاط نظام ما، قد تعمل على إسقاط النظام الجديد طالما أنها لم تنجح في وقف حالة الازدراء التي أدت إلى حدوث الثورة من بدايتها. وعليه فإن النقطة التي تنتهي عندها الثورة تتمثل في إحداث التغييرات المنشودة التي من أجلها قامت الثورة، وإلا فالثورة صيرورة كامنة لا محالة.

هذا الجانب النظري من ميكانيكيا الثورة وفنيتها لا يُمكن الاعتماد عليه إلا من حيث هو نظرية تحتاج إلى دعم عملي بشكل مُلح للغاية؛ ولذا فإن هذه النظرية –كما أزعم- قابلة للتطبيق بشكلها العام على أيّ تجربة ثورية، ولكن قد تكون هنالك اختلافات جزئية ناشئة عن اختلاف الثقافات والسياسات وطبيعة الصراع بين السُلطة والجماهير أو السُلطة والنخب الثورية.

إن الفكرة الأساسية من أيّ ثورة إذن هو إحداث التغيير، وهذا التغيير يجب أن يكون ضرورة مُلحة وخيار جماهيري متفق عليه، ولكن الثورة –على الإطلاق- لا تنتهي عند حد إسقاط النظام، وإذا أخذنا الأحداث الأخيرة في الساحة السياسية السودانية فإننا نجد أن هنالك هوّة بين النخب وبين الجماهير رغم الاشتراك الجزئي في حالة الازدراء، ومكمن هذه الهوّة حسبما أرى هو في رؤية كل قطاع لنهايات الثورة ومآلاتها، وأعتقد أن النخب لم تنجح على الإطلاق في تقديم الضمانات الكافية للجماهير في إمكانية حدوث التغيير، وهذا ما جعلها زاهدة في الثورة وراغبة عنها. وإذا أرادت النخب السياسية كسب الجماهير فما عليها إلا أن تلعب على هذا الوتر محترزة من عواقب لحظية التغيير.

إذن فهنالك حلقة مفقودة ليست متعلقة على الإطلاق بالنظام الحاكم أو بمصدر الازدراء، ولكن الحلقة المفقودة تكمن بين الجماهير وبين النخب، وأعتقد أن الأحداث الأخيرة لم تبارح خانة "الثورة الفوضوية" طالما لم تتمكن النخب السياسية من توفير ضمانات كافية للجماهير بقدرتها الكُلية على إحداث التغيير المطلوب، فمن يقول بأن الجماهير لا يشعر بحالة الازدراء فهو واهم، ولكن مجرّد المراهنة على هذه الحالة الانفعالية ليس كافياً لخلق التكاملية بين النخب السياسية وبين الجماهير، وطالما لم يكن هنالك تكامل استراتيجي فإن حالة العنف السُلطوي سوف يفرض نفسه؛ إذ لا آليات لحماية الثوار ولا بدائل للمواقف الباعثة للازدراء.
في المرحلة الأولى من الثورة تبدأ الجماهير باستشعار حالة الازدراء بصورة جماعية تأخذ طابعاً عاماً مُكتسباً من طبيعة الحالة نفسها وتوحّد الجماهير تجاه هذه القضية، وتكون هنالك حالة من الاحتقان الشعبي ضد قضية عام أو ضد مجموعة من القضايا "المشتركة" وفي هذه المرحلة تتم تكوين نواة الثورة الأولى، ولكن لا يُمكن التفاؤل والمراهنة على هذه المرحلة لإنجاز أيّ تغيير مطلوب لأن هذه المرحلة هي مرحلة قد نُسمّيها بحالة الثورة الفوضوية، إذ أنها تكون بحاجة ماسة إلى تنسيق وترتيب، وهنا تأتي المرحلة الثانية وهي مرحلة تبني النخب لهذه القضايا، وهنا تأخذ الثورة طابعاً خاصاً، وهي مرحلة مهمة للغاية إذ يتم فيها تشذيب الفوضى واستغلالها على النحو السليم، حتى لا تكون فوضى الجماهير طاقة مُهدرة فيما قدر لا يُوفر التغيير المطلوب.

هناك تعليق واحد:

  1. سال حبرك هنا وروانا بقطرا كاد الدمع
    يستل منا امام تلك الكلمات العظيمه
    فكم فخورين بك


    كلمات حب

    http://zawag.alnaddy.com/blog/article/266180

    ردحذف