الخميس، 19 نوفمبر، 2009

الميتاكورة في الإعلام المصري


كثير من الأقلام السودانية ضلت على الحياد خلال أحداث وتداعيات المباراة التي جمعت بين منتخبي مصر والجزائر، لأن للسودان والسودانيين علاقات طيّبة بكلا الشعبين وكلتا الدولتين، ولم تشأ أن يتعدى الأمر حدود أدبيات وأخلاقيات اللعبة إلى حرب ملاسنات إعلامية يُجر إليها السودان رغم الإشارات التي لوّح بها الإعلام المصري بعد خروج تقرير إقامة المباراة الفاصلة في الخرطوم، وأبدت ارتياحها التام لهذا القرار لاعتبارات مُحددة. وربما تجدر الإشارة هنا إلى تلك التلميحات التي ضلّ الإعلام المصري يلوّح بها إبان الحفل الختامي لتوزيع جوائز المهرجان الإعلامي الذي انعقد في القاهرة في الآونة الأخيرة.

ضلت الأقلام السودانية –الإعلامية على وجه الخصوص- مُحايدة تماماً، ولم تشأ أن تتدخل فيما جرى سواء في العاصمة الجزائرية أو حتى في العاصمة المصرية. وكنتً –بصورة شخصية أحاول البحث عن أيّ إشارة أو تداول لتداعيات وإرهاصات مباراة الجزائر ومصر الأخيرة في القاهرة على القنوات الفضائية السودانية غير أنني لم أجد لذلك أيّ أثر سوى ما تم تداوله عن الناحية التنظيمية للمباراة في برنامج (البحث عن هدف) بقناة النيل الأزرق للإعلامية ميرفت حسين والتجهيزات التي يقوم بها نادي المريخ بإدارة رئيسها الأستاذ جمال الوالي.

شهدنا في الأيام التي سبقت المباراة الختامية في إستاد المريخ بمدينة أمدرمان تراشقات واتهامات إعلامية متبادلة بين مصر والجزائر في ظل غياب تام للمصادر الموثوقة، وفي ظل غياب تام كذلك لدور الدبلوماسية العربية بما ينفي أو يُثبت ما حدث في إستاد القاهرة الدولي من اعتداء على البعثة الجزائرية، وفيما أصرّ الإعلام الجزائري على وجود اعتداءات واضحة وصريحة لأفراد البعثة، نفى الإعلام المصري حدوث ذلك، دون أن تكون هنالك تصريحات من جهات رسمية لدى البلدين بثبوت أو نفي ما يتم تداوله في أجهزة الإعلام، وبدا الأمر وكأنها حرب إعلامية من الدرجة الأولى. وتبادلت وسائل الإعلام المصري والجزائرية على السواء الاتهامات: فاتهم الإعلام الجزائري مصر بالتعتيم الإعلامي واتهم الإعلام المصري الجزائر بالتصعيد والتهويل.

وبصرف النظر عمّا جرى في القاهرة فإنه من المعلوم لدى الجميع بأن مصر قدمت السودان ضمن خياراتها للدولة التي من المفترض أن تستضيف المباراة الفاصلة، كما قدمت الجزائر كلاً من تونس والمغرب ضمن خياراتها، ووقعت القرعة على السودان، ومنذ تلك اللحظة والسودان يتأهب لاستضافة المباراة واستقبال وفود بعثات ومشجعي البلدين بنفس الحياد الذي تابع به مجريات الأحداث منذ البداية، ورغم إمكانياته المادية المحدودة؛ إلا أنه حاول قدر المستطاع تجنيد وتوفير كافة الوسائل الأمنية التي تكفل إقامة المباراة بأقل خسائر ممكنة سواء في الأرواح أو الممتلكات.

ولن أتحدث عن إجراءات الضيافة والاستقبال الذي قامت به دولة السودان لكلا الجانبين سواء من أفراد البعثات أو حتى المشجعين؛ فذلك واجب الدولة المستضيفة لأيّ حدث كروي كهذا الحدث، وهو أمر مفروض عليه، إلا أنني هنا أتكلم عن تعامل الشعب السوداني ووسائل الإعلام السودانية مع هذا الحدث دون أن ننسى البيان الذي أصدرته هيئة علماء السودان بضرورة استضافة المقتدرين من أبناء الشعب السوداني لجمهور المنتخبين، وحثها للجميع بالالتزام بالحياد وعدم الانحياز، بصرف النظر عن موقفنا تجاه هذا البيان؛ إلا أنه يُعبّر عن طريقة محايدة للتعاطي مع هذا الحدث الكروي الكبير الذي تشرّف السودان باستضافته.

وبعيداً عن كل الإجراءات الأمنية القصوى التي اتخذتها أجهزة الأمن والشرطة السودانية في سبيل توفير المناخ الأمني المطلوب لمثل هذا الحشد الهائل؛ وبعيداً عن كل الجهود والإمكانيات المبذولة في سبيل الخروج بهذه المباراة في صورة مشرّفة بتاريخ المنتخبين المصري والجزائري على حدّ سواء، وبطريقة تليق بهذه اللعبة الشعبية واسعة الانتشار، وتليق بالسودان كدولة مستضيفة إلا أننا نقف على التناقض وردود الفعل المزعجة الذي تعاملت به وسائل الإعلام المصري عقب انتهاء المباراة، وما تناولته من أنباء لاعتداءات من قبل الجمهور الجزائري على بعثتها الشعبية والرسمية في الخرطوم، وإلقاء اللوم على الحكومة السودانية وعلى قوات أمنها.

وقد تابع جميعنا بعض التصريحات غير المسئولة التي أدلها بها صحفيون وإعلاميون مصريون في هذا الصدد الأمر الذي يحاول إلقاء اللوم على السودان وعلى قوات الأمن السوداني وتحميله تبعات ما حدث إن كان ذلك صحيحاً.، وهو ذات الأمر الذي حاولت وسائل الإعلام المصرية من قبل تجنب الحديث عنه إزاء الأحداث الذي تمت في القاهرة ضد الجمهور الجزائري وحاولت الاستخفاف به ونفيه. ولستُ هنا لأؤكد أو أنفي ما حدث ولكن أحاول فيما يلي الإشارة إلى موقف وسائل الإعلام المصرية المتناقض تجاه السودان في مرحلة ما قبل وما بعد المباراة، وهو الأمر الذي كنتُ أخشاه منذ أن وقع الاختيار على السودان لاستضافة هذه المباراة المشئومة.

إن الغزل الصريح الذي كانت وسائل الإعلام المصرية تتوجه به للسودان كان رسالة خفية لم أفهم مغزاها رغم التساؤلات الكبرى التي كانت تفرض نفسها بقوة وقتها، إزاء موقف السودان من هذه المباراة وإزاء تبعات نتائجها. لقد دأبت وسائل الإعلام المصرية على إشهار كرت وحدة مصير أبناء وادي النيل والتلويح بالعلاقات التاريخية والشعبية بين مصر والسودان وهم يعلمون تماماً أن العلاقة بينهما كانت وما تزال علاقة صراع على الموارد الجغرافية والمائية، فمازالت أزمة الحدود مستعرة حتى اللحظة، وكذلك مشكلة نصيب مصر من مياه النيل وتداعيات هذه الأزمات التاريخية الكبرى، الأمر الذي جعل بعض المسئولين المصريين يلوّحون بطريقة مستفزة بتدخل عسكري لحل الاشتباكات المتوقعة، متجاهلين بذلك سيادة الدولة السودانية وأن مثل هذه التصريحات غير المسئولة قد تكون إشعالاً لفتيل أزمة حقيقية بين البلدين.

أقول هذا الكلام وفي الخاطر تتجدد مأساة 30 ديسمبر 2005م والطريقة التي تعامل بها الأمن المصري مع اللاجئين العُزل المعتصمين بحديقة مصطفى محمود بالمهندسين أمام مكتب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين. أتساءل عن مبدأ الكيل بمكيالين والذي تتعامل به وسائل الإعلام المصرية مع السودان والسودانيين. أعلم أن الشعوب بريئة من كل ما يجري، ولكن عندما يُصبح الكلام على مستوى المسئولين والأجهزة الإعلامية فإن الأمر يجب تناوله بشيء من الجدية.

أرفض بشكل قاطع تلك التصريحات التي أدلى بها وزير الإعلام المصري أنس الفقي والسفير المصري لدى السودان عفيفي عبد الوهاب حول إمكانية إرسال قوات خاصة لحماية الجالية المصرية بالسودان وحماية البعثة الرياضية، وأعتبره مساساً سافراً بسيادة السودان وتشكيكاً وطعناً في القدرة الأمنية للقوات السودانية التي بذلت ومازالت تبذل كل ما في وسعها للحفاظ على أمن البعثات والمشجعين من كلا الطرفين: المصري والجزائري.


كما أدين وبشدة تلك التلميحات السخيفة التي لوّح بها الإعلامي المصري غير المسئول عمرو أديب عبر برنامجه على قناة نايل سبورت وما تناولته بعض القنوات المصرية والتي تحاول تعليق هزيمتها الأخيرة على أعناق السودان والسودانيين، وتلك الإشاعات المغرضة التي يُطلقها المُراهقون الإعلاميون من وجود حالات إصابة ومواقف متأزمة في مطار الخرطوم ضد الجماهير المصرية، رغم نفي الدكتور ممدوح علي (المستشار الطبي للسفارة المصرية في الخرطوم) هذه الشائعات التي تهدف في أساسها إلى التشكيك بقدرة السودان على استضافة مثل هذه المناسبات وقدرتها على حماية ضيوف أرضها الكرام من الجانبين: المصري والجزائري، وأتمنى أن يتحلى الإعلاميون المصريون بالروح الرياضية وأن يتقبلوا الهزيمة بصدر رحب وألا يُلقوا هزيمتهم تلك على الغير. وأرجو ألا يمتد هوس الكرة إلى ما هو أبعد من ذلك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق