الأربعاء، 22 يوليو، 2009

الإنسان: المطلق والمقيّد

الحديث عن الإنسان حديث يستدعي العديد من المعارف الإنسانية التأريخانية الأخرى، لأن الإنسان الحالي هو نتاج تطوّر مجموعات كبيرة من "الناسات" على مدار ملايين السنوات خضع فيها هذا الكائن إلى العديد من التحديّات التي وقف أمامها عاجزاً لسنوات طويلة جداً، بقليل من اليأس وكثير من الحيرة. إحدى معجزات الإنسان الحقيقة متمثلة فيما يحمله على رأسه من دماغ له قدرة عجيبة على الإبداع. هذا الدماغ الذي لم يُعطه الإنسان حقه المناسب حتى الآن.

مواجهة الإنسان الحقيقية والمباشرة مع الطبيعة جعلته يفهم هذه الطبيعة ويعرف قوانينها، ويسعى إلى كشف أسرارها للتحكم بها ومغالبتها. القوانين الطبيعية موجودة قبل وجود الإنسان نفسه، بل إن الإنسان هو نتاج طبيعي وحتمي لهذه القوانين الطبيعية التي تفرض نفسها بقوة، هذه القوانين التي أدت إلى عزل القارات وفصلها بعد أن كانت كتلة واحدة، وهي نفسها القوانين التي جعلت مناطق الغابات في أزمنة سحيقة تتبدّل إلى مناطق صحراوية مقفرة، وهي نفسها التي أدت إلى ذوبان الجليد في القطب الشمالي المتجمّد وبالتالي إلى تغيّرات متسارعة في الطقس والمناخ، والتي سوف تؤدي بدورها إلى تغيّرات جغرافية عميقة وجذرية.

وأمام جدلية العلاقة بين الإنسان والطبيعة، يقف السؤال الكبير الذي يسعى إلى تقييم هذا الكائن "الإنسان" (هل العقل محدود أم مطلق؟) وهو السؤال الذي يطرحه الكثيرون سواء من رجال الدين أو غيرهم. والحقيقة إنّ صياغة السؤال بهذه الطريقة يُنبئ بعدم معرفة حقيقية، إذ أنّ عقل الإنسان أو دماغه لا هو بالمحدود ولا هو بالمطلق، فدماغ الإنسان يُؤدي مجموعة من العمليات الكهروكيميائية مستنداً على تحليله لمجموعة من المعطيات التي يتلقاها عبر مصادر الحواس الخمس مباشرة وتلك الكامنة في مستودع اللاشعور ليتم استدعاؤها عند الحاجة، محاولاً التوليف بين هذه المعطيات وبين المعطيات الجديدة ليساعد الإنسان على التكيّف مع بيئته عبر اتخاذ أنماط سلوكية وتفاعلية مناسبة للمواقف الحياتية اليومية، وهذه العملية ليست محدودة وليست مطلقة بالتالي، لأنها مرتبطة –كما أشرت- إلى المعطيات المتاحة للإنسان ودماغه في الأصل.

وإذا حاولنا إعادة صياغة السؤال مرّة أخرى سوف نستصحب معنا مفهوم التفكير وآلياته ونظرتنا إلى المنجز الثقافي وآثاره أو تأثيراته على الإنسان بصورة مباشرة. وعندها سيكون السؤال على النحو التالي "هل تفكير الإنسان محدود أم غير محدود؟" إذا فما الفارق بين السؤالين؟

السؤال الأول يُدخلنا في إشكالية المطلق بصورة فجّة جداً لأنه يتكلّم عن مُجمل العمليات الدماغية دون أن يربطنا بقيمة المعطيات الخارجية، أو حتى دون أن يُفسّر لنا طبيعة العلاقة بين المعطى وبين الدماغ أو تعاطي الدماغ مع هذا المعطى، بينما قصر سؤالنا عن "التفكير" يجعلنا متفهمين لهذه العلاقات والروابط ولقيمة هذه المعطيات.

فمثلاً هل هنالك عمليات رياضية مُعقدة لا يُمكن لعقل الإنسان أن يحلها؟

هذا السؤال يعتمد على مدى توافر المعلومات المناسبة (المعطيات) حول مسائل رياضية مُشابهة، أو يُمكن القياس أو الاعتماد عليها؛ وبالتالي فإن إمكانية حل مسألة رياضية ما يرتبط بمدى تفاعل الدماغ مع مثل هذه العمليات والمسائل، وبالتالي فإن الإجابة سوف تكون إجابة نسبية، لأنه إذا تمكن "عمرو" من حلّ المسألة الرياضية في دقيقة واحدة، فإن بإمكان "زيد" أن يحل المسألة في أقل من ذلك، كما أن "سليم" قد لا يتمكن من حلّها أبداً. والواقع أنّ توافر المعلومات اللازمة حول أساليب حلّ المسائل الرياضية والعلاقات الرياضية في دماغ الإنسان من ناحية، ومدى تعاطيه مع هذه المسائل له دور كبير في حلّ المسألة الرياضية. وبالتالي يُمكننا القول بأنه لا توجد عملية رياضية معقدة (على الإطلاق)

وباستصحاب هذا المثال البسيط فإنه يُمكننا القول إنّ وقوف العلماء (مثلاً) أم ظاهرة طبيعية ما وعدم إمكانيتهم لحلها ووضع تفسيراتها لها، لا يعني بالضرورة محدودية عقل الإنسان كما أنّ حلهم لها لا يعني إطلاقه بالتالي. كل ما في الأمر أنّ العلماء يعتمدون في تفسيرهم للظواهر الطبيعية على مجموعة معلومة من "المعطيات" العلمية المثبتة سواء عبر القوانين الطبيعية المعلومة أو عبر الوسائل العلمية والتي هي من المنجزات الإنسانية البشرية الخالصة كأدوات القياس والاختبار والكشف والتنقيب ... إلخ

وعليه فإننا لا يُمكننا القول بأن "الإنسان يعرف كل شيء" ولكن فقط نقول إن "الإنسان من الممكن أن يعرف كل شيء" طالما ارتبطت هذه المعرفة بحرية التفكير والبحث.

إن ما يعرفه الإنسان المعاصر اليوم يُعد معجزة حقيقة مقارنة بمعرفة الإنسان القديم، فلم يكن يخطر على بال إنسان الغاب الأول مثلاً أن يتمكن الإنسان يوماً ما من إيجاد طريقة لغزو الفضاء، كما لم يكن يتخيّل أن يُصبح قادراً على تحديد نوع الجنين، بل وتخليق أجنة في أرحام اصطناعية، أو أن يغزو نفسه ليتعرّف إلى أجهزته الداخلية الدقيقة منها وغير الدقيقة، وأن يكشف غموض وأسرار عالم الأحياء الدقيقة من ميكروبات وفيروسات وأن يدخل معها في صراعات محتدة فيُوجد لها أمصالاً ومضادات، بعد أن كان يقف عاجزاً أمام أمراض لم يكن لها سبباً على الإطلاق.

عرف الإنسان أنّ هذه الأمراض ليست عقوبات ما ورائية، وإنما هي تطوّر طبيعي لحياة هذه الكائنات المجهرية الدقيقة التي تطوّر نفسها وتطوّر مناعتها باستمرار عبر آليات دفاع طبيعية مستندة في ذلك على قانون الطبيعة الأزلي (الصراع من أجل البقاء)

إن إمكانيات هذا الإنسان غير محدودة على الإطلاق، حتى وعندما وقف تكوينه الجسماني والبيولوجي أمام شغفه للمعرفة والاكتشاف لم يُوقفه ذلك على الإطلاق، فلم يكتف بأن ينظر إلى البحر في غباء وهو يحلم أن يكون سمكة، بل اخترع وسائل تُمكنه من تحقيق حلمه في الغوص واكتشاف أسرار البحار، ولم يكتف بالنظر إلى السماء ليتمنى أن يُصبح طائراً بل اخترع وسائل تُمكنه من التحليق بحرية ربما أبعد كثيراً مما تستطيع الطيور وشق الأرض واستخرج منها ما يُريد من خيرات وثروات بل وإنه في النهاية كسر نطاق كونيته، وخرج إلى الفضاء وسبح فيه، ومشى على الكواكب الأخرى وتعرّف إليها، وأقام مستوطناته عليها وهو يبحث الآن عن أدلة تُبث إمكانية وجود حيوات أخرى في الفضاء الخارجي.

فهل عقل مثل هذا يُمكن أن يُقال عنه أنه "محدود"؟

إن من الأخطاء الشائعة التي يقع فيها الكثيرون: الاعتقاد بمسألة الخلق وكيفيته، بل وربط هذه العمليات البيولوجية الحيوية بعمليات التصنيع الميكانيكية، متجاهلين نقطة أساسية جداً وهي أن الاختراع يأتي نتيجة لحاجة إنسانية مُلحة، بينما الخلق أو التخليق لا يأتي نتيجة لرغبة أو حاجة؛ وإنما نتيجة لتطوّر حتمي من ناحية، ولتوفر عوامل مناسبة من ناحية أخرى.

وعلى هذا فهم يرون أن عملية تخليق مثل عمليات تخليق الأحياء الدقيقة والمكروبية قد تكون مشابهة لعملية تصنيع آلية ميكانيكية، وذلك للوصول إلى نتيجة مفادها أن "الصناع" هو من يضع خيارات التصنيع وبالتالي هو من بيده التحكم في قصر أو إطلاق محدودية العقل، وهذه حجة باطلة من وجوه، أولها أن تصنيع آلة قاصرة هو قصور في حدّ ذاته، فماذا يعني أن يصنع الإنسان آلة لثقب طبقات الأرض ويستخدم في ذلك (مثلاً) مواد قابلة للصدأ؟ وماذا يعني أن يصنع الإنسان إشعاعي إذا كانت مواد هذا الجهاز غير متوفرة؟

ثم إنه إذا ارتضينا المقارنة بين التخليق والتصنيع فإننا سنخوض مُكرهين إلى قياس هذه المقارنة على مناحٍ كثيرة، لاسيما تلك المتعلقة بإرادة الابتكار؛ وأعني بذلك تضاد الخيرية والشرية في الابتكار. فإذا كان الإنسان الذي يصنع المعدات الطبية، ويصنع الآلات السلمية والمخترعات المفيدة للإنسانية والبشرية وحتى مفيدة للطبيعة نفسها، هو نفسه من يصنع الأسلحة ويُطوّرها يخترع المواد الكيميائية الضارة والقاتلة فإن هذا بالضرورة يعود إلى تضاد الإنسان الذي يجمع بين الخير والشر في آنٍ معاً، فهل هذا الأمر ينطبق على الخالق؟ لأننا نرى مخلوقات مسالمة ومستأنسة ومخلوقات أخرى مؤذية وضارة بالمقابل. وبعض المخلوقات مفيدة للإنسان وبعضها الآخر لا يستفيد منها في شيء على الإطلاق، بل ولا يضره أن تنقرض وتختفي عن الوجود، فماذا يُفيد الإنسان أو يضره إن انقرض هرّ الجبال المفترس مثلاً أو إن انقرض الأخطبوط أو فرس النهر؟ لا شيء على الإطلاق. إذن فلم كان وجودها؟

إنّ عمليات التخليق ليست مشابهة أبداً لعمليات التصنيع التي تأتي نتيجة لحاجة مباشرة متعلقة بحياة الإنسان ورفاهيته وصراع مع الطبيعة وظواهرها من أجل البقاء، فعمليات التخليق تتم لحاجة متعلقة بالكائن نفسه، بينما عمليات التصنيع تأتي لحاجة إنسانية وطبيعية عامة.

أريد أن أخلص مما تقدّم إلى نتيجة واحدة فقط وهي أنّ عقل الإنسان غير محدود الإرادة من حيث هو طاقة دافعة للمعرفة فهو يُريد أن يعرف كل شيء وأن يفهم أسرار كل شيء حتى تلك الغيبية ولو أُتيح للإنسان أن يكشف أسرار المستقبل أو أن يسبر أغوار الماضي فلن يتوانى أبداً في ذلك، وهو محدود من حيث اعتماده على المعطيات التي تُساعده على إنتاج المعرفة. فلماذا يجهل الإنسان أسرار النوم حتى الآن؟ هل لأن عقله محدود؟ أم لأن المعطيات المتوفرة عن هذا الأمر ليست كافية لمساعدة في كشف ألغاز النوم والأحلام وعلاقتها بالواقع؟ ولماذا لا يعرف الإنسان شيئاً عن الروح مثلاً؟ هل لأن إمكانيات العقل محدودة؟ أم لأن المعطيات العلمية المُساعدة على هذا الكشف غير متوفرة حالياً؟

أنا أكيد أنه سيأتي يوم يكتشف فيه الإنسان هذه الأسرار الغامضة بالنسبة إليه، فقط عندما لا يعترضه حاجز يُحول بينه وبين أن يمتلك الحرية الكاملة لإنجاز هذا الأمر. يُجري العلماء اليوم أبحاثاً ودراسات مكثفة لمعرفة لماذا يموت الإنسان أو الكائن الحي عموماً، ومن خلال هذه الأبحاث يدرسون إمكانية إطالة عمره أو إعادة بعثه من جديد والحفاظ على جسداً سليماً دون أن يتحلل استعداداً لبعثه في حال نجحوا في ذلك، وفي المقابل فإن هنالك أبحاثاً ودراسات تُجرى الآن حول الروح لاكتشافها واكتشاف عنصرها الحيوي عبر أبحاث النوم والأحلام، ورغم سذاجة هذه الأفكار ورؤيتنا لها بأنها غبية وعبثية إلا أنها قد تؤدي يوماً ما إلى اكتشافات مذهلة وخطيرة ستُساعدنا على تغيير نظرتنا إلى العالم وإلى الإنسان نفسه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق