الثلاثاء، 7 يوليو، 2009

أشعر –لا أدري لماذا- أنّ مشروع بيروت39 الذي أطلقته مؤسسة هاي فيستال البريطانية في إطار احتفالها باختيار بيروت عاصمة للكتاب لعام 2009، رغم عبقرية فكرته، يكشف عن أزمة حقيقية تستحق الطرح والمناقشة بشفافية، فيبدو أنّ هنالك صراعاً أو تنافساً غير المعلن بين القاهرة وبيروت على صدارة المشهد الثقافي العربي؛ وربما كانت فرصة جيّدة لإعادة فرز وتفكيك المقولة الشهيرة "القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، والخرطوم تقرأ" لأن أحد الأطراف أو جميعهم لم يعودوا راغبين في لعب ذات الدور الذي تمّ تنميطهم عليه منذ حقب طويلة. والحقيقة أنّ هذا الصراع مشروع إلى حدّ كبير، فخارطة الثقافة العربية، والحِراك الثقافي في المنطقة العربية قد تغيّر كثيراً عمّا كان عليه الوضع قبل عقدٍ من الزمان.

هذا التخمين غير الجزافي هو مجرّد افتراض مصغّر لصراع العواصم العربية على الصدارة في جميع المناحي الفنيّة والثقافية؛ فالمصريّون الذين تعوّدوا دائماً أن يكونوا قبلة في شتى المناحي الثقافي: السينمائية والأدبية والموسيقية وحتى السياسية يُدافعون عن هذه المكانة بكل شراسة، وهو حق طبيعي كما أراه، ولكنهم ملّوا لعب دور الكتابة المرسوم لهم في تلك المقولة، فتوجهوا مباشرة إلى المنافسة على النشر، فشهدت العاصمة المصرية مؤخراً نشوء العديد من دور النشر الصغيرة، وظهرت في الحقب الماضية العديد من دور النشر التي بدأت تُزاحم دور النشر البيروتية بكل جرأة واقتدار، كما أن البيروتيين ملّوا بالمقابل لعب دور الناشر على الدوام؛ فمّدوا بدلائهم في مجال الكتابة فبدأنا نتعرّف على العديد من الكُتّاب اللبنانيين الجيّدين والمثقفين بالفعل، وكذلك الخرطوم لم تلتزم بكونها قارئة جيّدة لما تنتجه ماكينة النشر العربية، فراحت تبحث لنفسها عن مكان في عوالم النشر والكتابة، فشهدت العاصمة المثلثة ميلاد دور النشر المتخصصة وغير المتخصصة، رغم أنها لم تطمح في المنافسة مع عمالقة صناعة الكتاب في العالم العربي، وظلّت الطفرة طفرةً محليّة كسرت احتكار صناعة الكتاب داخلياً، بينما كانت الذراع الأطول للكتابة بعد أن عرف الكُتّاب السودانيون طريقهم إلى دور النشر العربية فشهد العالم العربي ميلاد كتّاب سودانيين جيّدين.

هذا الحِراك المتفاعل ما كان له أن يكشف الغطاء عن روح التنافسية المستشرية بين العواصم العربية على صدارة المشهد الثقافي لولا تلك المشاريع والمهرجانات الأدبية التي زخرت بها الساحة العربية مؤخراً، الأمر الذي جعلنا نتمكن من رؤية هذا التنافس في شكل حرب باردة بين هذه العواصم العربية، وفي الوقت الذي تبرز فيه القاهرة وبيروت في قلب هذه الحرب الباردة، فإن هنالك عواصم عربية تشق طريقها عبر هذا الحِراك الثقافي المحموم، فنرى كيف أنّ عواصم دول أفريقيا الشمالية والخليج العربي تحرّك بقوة في الآونة الأخيرة في مجال الكتابة والنشر أو حتى في مجالات رعاية المهرجانات والمسابقات الأدبية؛ بل وإننا نلاحظ التنافسية في هذه التحركّات.

ورغم أنّ هذا الحِراك مفيد وجيّد لجيل الكُتاب لاسيما الشباب؛ فإنه يظل هاجساً يُنذر بانفجار أزمات كبرى على المستوى الدبلوماسي بين هذه العواصم. هذا الأمر لا يهمني إلى الدرجة التي تدفعني للكتابة عنها، ولكنه يهمني من حيث هو ظاهرة تسحب معها بُعدها السياسي وتطغى به على كافة الجوانب الإيجابية على هذا التنافس.

هل تتزاحم بيروت والقاهرة على صدارة المشهد الثقافي العربي؟ من المحتمل؛ بل ومن المؤكّد أن هذا وارد إلى الحدّ البعيد، ولكن هل هنالك أبعاداً أخرى غير الأبعاد الثقافية والأدبية وراء هذا التنافس؟ هذا ما أخشاه وما أخشى حدوثه، لأنه –عندها- سوف تتضاءل القيمة الأدبية لهذه الظاهرة، وتأخذ طابعاً أخشى أن يؤثر على الأدب العربي في شكله الجوهري، وبالتالي الإمكانية الكُبرى في أن تكون بداية لعصر انحدار للأدب العربي وتاريخه، وإذا حدث ذلك فلن يكون من السهولة أن معالجة الأمر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق