الاثنين، 1 يونيو، 2009

زاخرة بالحياة أرض يقال عنها أرض الميت

بقلم: ريم بدر الدين البزال*

هكذا عودنا هشام آدم أن يقدم لنا المتناقضات على مائدة واحدة لنتناولها وجبة ثقافية أدبية دسمة. تلك هي البصمة التي لا تخطئها عين تكويناً لجسد رواية تسجل باسمه فقط ففيها ملامحه، وسمات ثقافة أمة كرس هشام روايته ليقدم لنا تاريخها. رواية "أرض الميت" عمل يبدو من الوهلة الأولى سرداً لتاريخ قرية نوبية بعاداتها، وتقاليدها، وبيئتها، ونسيجها الاجتماعي، ونسيج أفرادها النفسي، والفكري؛ لكننا مع المضي في عمق الرواية نكتشف أن هشام آدم يمسكنا من أيدينا ليقودنا إلى عالم الماورائيات أو الميتافيزيقا لنتساءل عندها: من أين أتينا؟ وما الهدف من كينونتنا؟ والسؤال الأكثر إرباكاً للبشر عموماً: إلى أين نمضي؟

من مدخل الحديث عن جلال التمتام ذلك الرجل الغامض الذي يلعنه رجال القرية، ويخافون منه بينما تقدسه النساء سراً، و يعتبرونه كاهن طقوس اعترافاتهن دخلنا الرواية، وسندخل للجزء الآخر الذي سيأتي لاحقاً من عباءته أيضاً.

جلال التمتام شخصية إشكالية أتت للقرية كأنما هبط من كوكب آخر يحمل فلسفة عميقة، وتصرفات غريبة، قدم لهم نفسه عند قدومه بعبارات مقتضبة تحتوي خلاصة سيرته في الحياة:

"يمكنني أن أجيب عن أيّ سؤال تشاءون؛ إلاّ فيما يتعلّق بجهة قدومي. أنا بينكم الآن لأن العالم انتهى بي هنا، وهذه التلّة طيّة العالم الكبيرة. أحببتُ أن أموت في هذا المكان الجميل. فماذا يضيركم إن بقي بينكم رجل عجوز مثلي؟"

و مات جلال التمتام لتصبح التلة التي دفن بها مقاماً مقدساً، ولتثير كثيراً من التساؤلات التي لم يأتي جوابها، أو حتى جزء من أجوبتها إلا في آخر الرواية.

طرح هشام على خارطة الرواية عدة تساؤلات كبيرة، وكثفها في النهاية لأنه يريد أن يشبع نهم القارئ لفك طلاسمها في الجزء الثاني منها. في الحقيقة المجتمع النوبي مجتمع لقي حظاً كبيراً من الإهمال، والتهميش، وفي بعض الأحيان التهكم والسخرية من خلال ما قدمته السينما المصرية عنهم؛ بينما نرى أنهم ككل المجتمعات يشغى بالجوانب الثرية، والمهمة ثقافياً وحضارياً.

هشام آدم قدم لنا القرية النوبية بثقافتها وتقاليدها وطرق معيشة أهلها وتكوينهم الفكري. قرية قابعة على طرف الصحراء تؤمن بالخرافات والتقاليد أكثر من إيمانها بالدين ذاته، بل على العكس يكون الدين مكملاً لتفسير العبادات التوتمية التي يؤمن بها أهل القرية، وكعادته يأتي رسم الشخصيات متقناً لدرجة أنك تستطيع سماع أصوات الشخصيات، ولمس أثوابها؛ بل وأيضاً تستطيع أن تشم رائحتهم النوبية المميزة من خلال راوي الحدث في القصة " صالح ".

كانت الجدة مسكة تمسك زمام رواية الحدث أحياناً، لكن الصوت الوحيد في فضاء الرواية هو صوت صالح الذي سيستلم مركزاً مرموقاً لحل التساؤلات في الجزء الثاني، كون الهالات المقدسة توجته في نهاية الجزء الأول من الرواية ليكون المرشح الوحيد لفك الطلاسم.

شخصيات الرواية تعددت بشكل كبير غير أن ناظمها الأساسي –برأيي- كان نبوءات جلال التمتام أو ما يحيط بها؛ فامرأة العمدة مثلا "عواضة بصيلي" والتي تنبأ لها جلال التمتام أنها ستنجب طفلاً ذكراً، ما فتئت تؤمن بهذه النبوءة حتى أنها عندما أنجبت صابرين ربتها، أو نشأتها لوحدها كما ينشأ الفتيان والرجال، وشخصية صابرين من حيث التشريح البيولوجي، وكما هو واضح ليست ذكراً، وليست أنثى؛ إنما هي الجنس الثالث مع الميل لأن تكون رجلاً ولو قدر لها عملية شق بسيطة لكانت رجلاً مكتمل الذكورة، وهذا يفسر حمل إحدى بنات القرية منها/منه.

هنا يبدو حزن عواضة بصيلي مبرراً لموت صابرين، لأنها بشكل عملي فقدت الطفل الذكر الذي تلقت بشراه من التمتام. من خلال موت الجدة مسكة عرفنا هشام على طقوس نوبية كثيرة فيما يختص بالموت، والنياحة، ودفن الموتى في جانب النهر الآخر، وكأن القرية تريد أن تنفي موتاها إلى أرض أخرى، ومن خلال طقوس أخرى في الولادة، والموت، والزواج تعرفنا على تقاليد النوبية من شاكلة التركين، والهمبيق، والسحارين و .....الخ

كانت الرواية بمحورها الأساسي عن شخصيات احترفت إيقاد ثورات متعددة كل حسب اتجاهه وكل شخصية قدمت حدثاً ما، أو كانت هي الحدث بحد ذاته؛ فلدينا قرناص، وجلال التمتام، والعم سمل والأفندي عبد الشافي خليل الذي نادى بالأصل اليهودي لأهل هذه القرية.

المرأة في هذا المجتمع هي الدينامو، والعامل الأكبر فيه؛ حتى في الممارسة الجنسية تكون هي الأكثر خبرة، والأكثر اقتداراً؛ بينما يظهر لنا أن الذكور في غالب الأحيان عاجزين أو سوشكيين، لكن هذا لم يمنع من الإشارة إلى أن الحب هنا غير قائم على الجنس بشكل أساسي، وإنما هناك لفتات لعلاقات رومانسية رقيقة، وغالباً لا تنتهي إلا بخيبة أمل كبيرة كشخصية الشاب المتعلم "قرناص" وحبه الرومانسي الحالم، ولقائه بفتاته "طمايه" بذات الطريقة الرومانتيكية في كل بقاع العالم.

و من خلال هذا الموضوع بالذات طرح لنا هشام عقدة الخواجة المتحكمة في كل مجتمع متخلف فمن خلال مقارنة أصحاب البشرة السوداء "النوبيين" والشياطين البيض "الأوربيين" يعقدها أهل أرض الميت نعرف مدى هذه العقدة، يرون منهم أشياء غريبة لم يعتادوا عليها، ويرون تقدمهم ورفاهيتهم؛ حتى أن إحدى الفتيات عندما رأت "الشياطين" البيض كيف يمارسون الجنس تعجبت، وروت القصة للجميع، وصار رجال أرض الميت يحلمون بالزواج منهن فقط لأن هذا يمثل لهم قهراً لجنس تفوق عليهم في كل شيء، فلا أفضل من قهرهم بالجسد، فلم تعد هذه القضية فعلاً ميكانيكياً بحتاً، وإنما قائمة على أيديولوجية عميقة جداً لها رواسب تاريخية وحضارية.

هنا تحضرني رواية نجيب محفوظ "بداية ونهاية" عندما يقول حسنين: "الزواج من بنت أرستقراطية يمثل اعتلاء طبقة بأكملها" وكما هو من اللازم لكل مجتمع أن تكون هناك شخصية تحمل الحكمة تعمل كضمير جمعي لهذه الأمة، أتى هشام بشخصية العم سمل الموسيقار الذي عركته الأيام، وطهرت روحه وقدمت له بصيرة وحكمة أسبغها على أفراد مجتمعه.

الشريحة المنبوذة من هذا المجتمع كانت فيمن نادى بأصول هذا المجتمع السامية "اليهودية" وكان نصيبه التهجير النفسي أولاً ثم هاجر بجسده إلى الخرطوم، وهذا قدر كل الثوريين في العالم حيث تكون الفكرة الجديدة أو الغريبة سبباً في نبذهم من مجتمعاتهم، ومهما تطاول الزمن فإن هذه المجتمعات تخشى على أمانها الذي بنته من خلال ثوابت لا تقبل تحريكها قيد أنملة، فتعمل على نبذ الجديد حتى لو كان يحمل لهم تطويراً ورفاهية.

كانت كل الشخصيات مرسومة بعناية، ولم تتكلم فوق مستواها الطبقي أو الاجتماعي أو تكوينها الفكري، وعندما ماتت الجدة مسكة قالت إحدى صديقاتها: "لقد ارتاحت من صلاة العشاء" وبقدر ما تبدو هذه العبارة مضحكة، وبسيطة بقدر ما هي عميقة في التعبير عن الحزن، وفي التعبير عن شيء في لاوعي هؤلاء النسوة، وعن بساطة تفكيرهن أيضاً، وعندما يقول العم سمل وهو يروي حكاية الأسطوانة: "والبحر غير ملآن!" وهو اقتباس توراتي من سفر التثنية لا نحس أن الشخصية تكلمت فوق مستواها، لأن هشام قدمه لنا أنه شخص عرك الحكمة والفلسفة.

وكما أن أي عمل روائي لا يخلو من تأثيرات من سبقه؛ فإني قد وجدت في رواية هشام حضوراً لعوالم روائية متعددة فقد استدعى "غوركي" نفسه هنا بشكل لافت ومميز من خلال شخصية "نيلوفنا" في رواية "الأم" والعجوز القوقازية في مجموعته "مولد إنسان"، رأيت هنا أندريه بلاتونوف في رواية الجان، ووجدت أيضاً تأثيرات من نجيب محفوظ رواية "بداية و نهاية"، ومن الروائي الأميركي بول بولز في مجموعته القصصية العقرب؛ إذ قاربت هنا شخصيتين "الفتى الذي أغوى والده " و "البنت الارستقراطية التي أغوت خادمها الزنجي"

أخيراً الروائي "باولو كويلو" في قصة قصيرة حكى فيها عن أهل قرية جبلية يعينون الغزلان على التزاوج بأمان نظراً لخطورة البيئة على حياة الغزلان.

رواية أرض الميت لم تنته، ونحن الآن على شرفات انتظار الجزء الثاني منها، حيث سيجيبنا هشام عن كثير من التساؤلات التي تركها معلقة على شفاه الدهشة.

*ريم بدر الدين البزال: أديبة سورية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق