الثلاثاء، 5 مايو، 2009

رياح شمالية

لنا عبد الرحمن*
الآن....
علي نسيان حاجتي الملحة للقهوة.
القهوة التي سقطت على غطاء الطاولة الأصفر،
تاركة بقعة سوداء مخيفة،
تشبه حادثة انحراف قطار في ليلة عاصفة.
في وقت عتمتي،كان عليك أن تكون أكثر قسوة
أو أقل،
لا تنفع القسوة المحايدة لأنها لن تفضي إلى رؤية.
* * *
ليتني أتمكن من نسيان الثقل الذي يحجب العالم،
والحاجة الملحة لإعادة صيانة اللون الأحمر
سأحكي لك عن
الرجل الذي أراه كل يوم
الذي لا أرى وجهه، لأن جمجمته تخيفني.
ترعبني لأني أدقق في شكل عظامها،
صرت أفعل ذلك منذ انشغلت بمعرفة علاقة البشر بالجماجم.
هذا الرجل من أين أتى؟
ولماذا هو هنا؟
شكل جمجمته يبث الرعب بي،وأنا أصر على تأملها كل يوم،مقاربة حجمها،وفصل اللحم عن العظم،تعريتها تماما،ورؤية هيكلها الأصلي.
هذا الرجل وإن بدا لي طيباً في بعض الأحيان،حين لا أنظر إلى جمجمته،إلا أني أنسى فوراً طيبته الوهمية حين أقوم بخلع اللحم الكثيف عن وجنتيه،وذقنه،فيبدو أمامي لحماً بنياً ينساب منه دهن لزج.
الرجل الذي أراقبه، لو عرف أني أراقب جمجمته ، وأعريها،ربما ضغط بإبهام يده عند عنقي كي أفقد قدرتي على النظر. * * *
إحدى ساقي انغرست في بئر،
لا أعرف أي ساق تحديداً
الرياح الشمالية تهدد بقصم جزأي العلوي عن ساقي المغروسة في البئر.
وأنا أحاول التشبث بحافة شجرة الكاوتشوك،
يداي محروقتان،
وقلبي يود الركض بعيداً.
الرياح الشمالية كسرت من قبل إبر الصنوبر
ورؤوس أحلامي،
رمت في وجهي أغصان عتيقة وجافة،حملتها معها من أقصى الشمال
كي تجرح غمازة خدي.
الرياح الشمالية ستأخذ معها نصف إمرأة، قد تنمو أطرافها من جديد
في قطب آخر من الأرض.
* * *
لم أتمكن من تصديق نبؤة صديقتي عن الألم المرتقب.
ولا عن تجمد الجبنة على قطعة البيتزا بعد أقل من ساعة
كما لم أتمكن من رؤية سخافة اللون الوردي إلا بعد ابتعادك عنه
لأنه لون طائش.
مديحنا البائس للورد،لن يخفف من الحقيق
ولا من وقع كلمات قيلت أو كُتبت
التسامح في تقبل حلول الألم لن يلغي وجوده أبداً
صياغتنا لمترادفات عن ذروة الأشياء والحالات،
وحكينا المزعوم عن التشابه بينها
لن يمنع انزلاقنا الموجع عن الحافة
وتكرار المحاولة من جديد
* * *
الوقت
الوقت الذي انسل منا
الوقت الذي نتقبل كل رعوناته مثل ابن مراهق
هو الذي جعلني أتمنى أن أكون نقطة عائمة في الفراغ.
الوقت هو الذي جعل صديقي يحكي لي ونحن نقف على ضفة النهر
عن ماهية الضوء المنبعث من النجوم
عن البريق
عبر المسافات الضوئية الموهومة.
الوقت ...
الوقت....
سيفصلني عنك دائما
لأنني سأظل هنا
لأنك ستظل هناك.

خطوات صغيرة
أسير حافية القدمين،أغلقت الباب عند مغادرتي
لكني أعود فأجده مفتوحاً في كل مرة.
الأرز ينبض على نار هادئة،
قلبي ساخن.
لا أحب الأرز،ولا أعرف لم أطهوه.لكنها سُلطة اللون الأبيض.
حبات قليلة على الأرض تسحبها نملات شجاعات ، لا تخيفها حركة أقدامي الحافية،
أسمع أنين النملات- ضيفاتي المتعبات ـ أحس بارهاق عضلاتهن.... وصوتهن خافت "أوه يا لهذا التعب المستمر".
النمل يحب السكر،لكني سأصرخ بعد قليل على طريقة بطلة فيلم شاهدته :
"لا يوجد حلوى...لا يوجد حلوى"
الماء على الأرض الآن يعني إعصاراً مميتاً، ينهي أحلامهن بنقل حبات الأرز
ماذا أكون أنا؟
في بعض الأحيان ؟ مجرد قاتلة.
* * *
خلال صعودك
مازال عليك أن تمزق الكثير من الحُجب،وأن تمسك صخور الجليد بيديك المتعبتين ،
المتشققتين من أثر برد عتيق،
ستصل في يوم ما.
مازال علي أن أواصل الكتابة قرب نافورة النار،
أنا التي أسكن الماء
علي أن أغسل كفي بين حين وآخر
كي أتنبه.
* * *
كان الطعم سيئاً،
أرز أميركي طويل بنكهة الإعصار
جفاف في يدي
وسخونة الأرض تحت قدمي
ثمة بركان في مكان ما
حممه مدفونة تحت الأرض
كما المطر مدفون في قلبي.

· لنا عبد الرحمن: شاعرة لبنانية مقيمة في القاهرة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق